خريف ساخن ينتظر ″المصالحة الاقتصادية″ في تونس | سياسة واقتصاد | تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 28.08.2015
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

خريف ساخن ينتظر "المصالحة الاقتصادية" في تونس

خريف ساخن ينتظر التونسيين تحت قبة البرلمان، مع إعلان الرئاسة عن طرح قانون "مصالحة اقتصادية" يتم بموجبها طي صفحة الفساد في الماضي وهي خطوة أحدثت إرباكا لفلسفة "العدالة الانتقالية" ولكنها تهدف لإنعاش الاقتصاد التونسي.

Tunesien Wirtschaft Versöhnung PK

السيدة سهام بن سيدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة المعنية بتحقيق أهداف الثورة التونسية وضمان المسار الديموقراطي

نجحت تونس حتى الآن وعلى خلاف دول المنطقة في تأمين انتقال سياسي سلس وسلمي بعد ثورة 2011 ضد حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، لكن إحدى الملفات المصيرية للانتقال الديمقراطي والمرتبطة بتسوية قضايا الانتهاكات في الماضي لا يزال مصيرها معلقا لأسباب لوجيستية وأخرى سياسية.

وتنطلق الرئاسة التونسية في طرحها للقانون المثير للجدل من فكرة أن مسار العدالة الانتقالية المعطل منذ نحو خمس سنوات أعاق استثمار فرص الانتعاش الاقتصادي وساهم بشكل غير مباشر في شحن الاحتقان الاجتماعي في المناطق الفقيرة من البلاد، التي تنتظر إنجاز مشاريع تنموية تأخرت كثيرا منذ أحداث الثورة في عام 2011.

استرجاع المليارات عبر المصالحة الوطنية

USA Washington Treffen Präsident Tunesien Beji Caid el Sebsi mit Obama

الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، يطرح قانونا مثيرا للجدل من أجل المصالحة الاقتصادية على امل انعاش الاقتصاد التونسي

ويروج حزب حركة "نداء" تونس الذي يقود الائتلاف الحاكم عبر أمينه العام محسن مرزوق بأن مشروع القانون ذو "مصلحة وطنية" كما بينت الحكومة من خلال مداخلة وزير أملاك الدولة بأن قانون المصالحة سيسمح للخزينة العامة باسترجاع ما قيمته 5 مليار دينار(اليورو يعادل 2.2 دينار تونسي) مجمدة في البنوك الأوروبية وأن العديد من رجال الأعمال مستعدون قبل ذلك لتقديم اعتذاراتهم من الشعب التونسي.

لا شك أن تونس التي تطمح إلى تحقيق انتقال اقتصادي موازي للانتقال السياسي الناجح تحتاج إلى استثمار كل فرص النجاح في ذلك، لكن التحفظات المحيطة بمبادرة الرئيس الباجي قايد السبسي تدفع إلى التساؤل عن النوايا الحقيقية أو الأهداف غير المعلنة لمثل هذه المبادرة.

تعزيز لثقافة "الإفلات من العقاب"؟

وسبب التحفظ أساسا هو أن أغلبية النخبة المعارضة لهذه الخطوة تضع في الاعتبار أن القانون سيثير أسئلة ذات منحى أخلاقي وقانوني أيضا إذ سيلقي بمفهوم المحاسبة عرض الحائط وسيعزز ثقافة الإفلات من العقاب لكل من نهب المال العام.

يوضح المؤرخ والمحلل السياسي خالد عبيد لـDWعربية بأن الغاية المعلنة من المبادرة هي دفع الاستثمار وإنعاش الاقتصاد العليل بطي صفحة الماضي لكل من تورط في انتهاكات وفي فساد مالي باعتبار أن الكثير من رجال الأعمال مكبلون منذ سنوات وغير قادرين على المشاركة في الدورة الاقتصادية والقيام باستثمارات.

ويضيف عبيد في تحليله "يجب النظر إلى المسألة من جانب آخر وهي أن الدولة تبحث عن تسخير كل الحلول لامتصاص حالة الاحتقان الاجتماعي خاصة وأن الجانب الاقتصادي ليس من مشمولات عمل هيئة الحقيقة والكرامة".

العدالة الانتقالية على المحك

Tunesien Wirtschaft Versöhnung PK

قانون المصالحة الاقتصادية المطروح يضع طبيعة عمل هيئة الحقيقة والكرامة على المحك وعملها على تنفيذ أهداف الثورة التونسية ومن أهمها العدالة الانتقالية

لكن المخاوف لا تقف في الواقع عند تنازع الاختصاص بين مؤسسة الرئاسة و"هيئة الحقيقة والكرامة" حول من يمتلك الحق في تنظيم المحاسبة والمصالحة، بل أن الأمر يضع وجود الهيئة وطبيعة عملها على المحك، إذ أن أحد الأسئلة التي باتت مطروحة الآن هو ما إذا كان مسار العدالة الانتقالية لا يزال قائما فعلا وهل هو مطلب ذو أولوية الآن في ظل ما تواجهه الدولة اليوم من تحديات هائلة في الاقتصاد والأمن والتنمية.

ويعزز هذا السؤال الاحترازات المعلنة بشأن تركيبة الهيئة ومدى حيادية عدد من أعضائها وطريقة تعاطيها سابقا مع أزمة "الأرشيف السياسي" بالقصر الرئاسي في اليوم الأول من استلام الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي لمنصبه. وهي سابقة رسمت مخاوف من انتهاج الهيئة لمسار انتقائي وانتقامي في بحثها وتقصيها عن انتهاكات الماضي.

وفي كل الحالات فإن تلك الاحترازات علاوة على الخصومات الداخلية بين أعضاء الهيئة واستقالة عدد منهم وتسريب رسالة داخلية عبر وسائل الإعلام تتضمن اتهامات لرئيسة الهيئة بتوخي سياسة التحريض ضد أجهزة الدولة، تضع شكوكا بشأن مدى قدرة الهيئة على الاستمرار في مهمتها دون عوائق في المرحلة المقبلة.

على النقيض من ذلك تماما، وفي حديثه مع DWعربية يوضح سليم بوخذير وهو سجين سياسي سابق وناشط في مجال حقوق الإنسان مع عدة منظمات من المجتمع المدني أن العدالة الانتقالية لا تمثل فقط مرحلة مهمة من الانتقال الديمقراطي بل هي إحدى الاستحقاقات الوطنية التي تخص الأجيال المتضررة والأجيال القادمة حتى لا تتكرر ممارسات النهب والقمع والفساد التي حصلت في الماضي، حسب رأيه.

ويضيف بوخذير في تعليقه حول مصير العدالة الانتقالية في تونس "القانون(قانون المصالحة الإقتصادية) يهدد حقنا في العدالة. ونحن نرى أن التسمية بشأن المصالحة الوطنية بحد ذاتها ليست سليمة لأنها مصالحة تنطلق من طرف واحد وتهدف إلى مكافأة رجال الأعمال الذين دعموا حزب نداء تونس بالأموال في الانتخابات".

تعارض بين المصالحة والدستور

بالنسبة لبوخذير وعدد آخر من النشطاء فإن مسار العدالة الانتقالية بما في ذلك الآليات المضبوطة للمصالحة يجب أن يتوج في النهاية بكتابة الذاكرة الوطنية بما يساهم في إثراء التجربة الإنسانية في مجال العدالة الانتقالية مثلما حصل في جنوب إفريقيا والمغرب، لكن المسار الحالي لا يبدو أنه على الطريق المماثل لتلك التجارب.

وفضلا عن الملاحظات القانونية التي تشير إلى تعارض قانون المصالحة الإقتصادية مع بعض بنود الدستور خاصة فيما يتعلق بتجاوز مبدأ الفصل بين السلطات فإن الخبير الدستوري قيس سعيد، يلاحظ بأن المصالحة المقترحة في هذا المشروع "ستتم خلف الأبواب المغلقة وتحت جنح الظلام"، مضيفا بأن "المصالحة هي تتويج لمسار العدالة الانتقالية وليس منطلقه".

وفي الوقت الحالي تعتبر الهيئة طرح قانون للمصالحة الاقتصادية بمثابة مشروع لعدالة انتقالية موازية، ومع أنها لا تملك قانونيا الطعن فيه أو إبطاله فإنها تعول في المقابل على تأييد واسع من منظمات المجتمع المدني وعلى دعم الأحزاب المعارضة في البرلمان من أجل التصدي له.

ويشير عضو هيئة الحقيقة والكرامة أنور معلى لـDWعربية "كنا نأمل أن يتم استشارة الهيئة قبل طرح القانون لكن لم يحصل ذلك. من غير الممكن الانطلاق في المصالحة قبل أن تكون هناك مساءلة ومن ثم استعادة ثقة الشعب".

مختارات