جابر حبيب جابر:العراق: فرضيات ما بعد التخفيض | خاص: العراق اليوم | DW | 26.08.2010
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

جابر حبيب جابر:العراق: فرضيات ما بعد التخفيض

ع انسحاب آخر كتيبة مقاتلة من العراق بنهاية الأسبوع، انخفضت مهام وأعداد القوات الأميركية في العراق، فقد انخفضت إلى الثلث وأنهيت المهام القتالية لها، إلا تلك التي ستتم بطلب عراقي. وستتحول مهام القوات المتبقية إلى تدريب القوات العراقية وإسنادها، إلا أن السؤال المهم الذي يشغل الجميع سواء في أميركا أو الإقليم أو العراق، هو أي عراق ستترك؟ والذي تتوزع إجابته بعدد من الفرضيات حيث للمتشائمين والمتفائلين معطياتهم على الأرض التي تسند ميلهم؛ ففرضية عدم الاستقرار أو نكوص الوضع السياسي تقوم على احتمالية وقوع عدد من المخاطر، أولها تجدد العنف الطائفي بسبب عدم النجاح في الوصول إلى الحالة المؤسسية التي تضمن وتحكم وتشرك وترضي الجميع، يصاحبها بقاء قوى العنف ومسبباته كامنة في نسيج كل مكون. الخطر الثاني هو الارتداد عن الحالة الديمقراطية وبروز النزعات الشمولية يعاون ذلك شيوع النزعة الإقصائية والاستئثارية، والثالث تفجر الصراعات في مناطق التماس الإثنية حول أحقية إلحاق وحكم هذه المناطق، ورابعها خطر جعل الساحة العراقية ميدانا لحروب بالوكالة بسبب توزع القوى السياسية الرئيسية بالولاء والتحالفات على القوى المتنازعة في الإقليم.وإلا لكانت هذه أسنح الفرص للحديث عن إنهاء العنف ومغادرة المخاوف بلحظة الانسحاب، لو كان هذا العنف قرينا بالوجود الأميركي ويتحفز بسبب منه كما يدعي ممارسوه ومن يبرر لهم، ولكان غياب الوجود الأميركي وتحول المهام ووضوح صدقية الالتزام بجدول الانسحاب كافيا لإنهائه وإماتة الباعث عليه، إلا أن هذا العنف قد أخذ اتجاها آخر وهو تقويض الدولة العراقية وبدوافع شتى، وهذا يقود إلى الفرضية الأهم وهي احتمالية نجاح سيناريو التقويض أو إخفاقه، والذي من شأنه إما أن يحجم من المخاطر السابقة أو أن يفاقمها.

بالمقابل، فإن ما يرد على المخاطر ويضعف من احتمالية وقوعها عوامل عدة، أولها أن الخروج الأميركي ليس بنهائي ولا ببعيد ولا سيتم بطريقة نفض اليد من العراق، إذ ستظل قوة كافية لردع التهديدات الخارجية والداخلية. ففضلا عن بقاء 50 ألف جندي وما تمتلكه الهيبة الأميركية بذاتها من ردع، فإن وجودها سيظل متمركزا بقوته الضاربة في الحدود والبحار المجاورة والقريبة، وثانيها أن النظام السياسي اشتد عوده والدولة عادت لتبقى، أما الديمقراطية فإن كانت هناك مخاطر عليها بأن تشهد تفريغا في مضمونها أو انحسارا لها إلا أنها ستبقى هي الخيار الوحيد لتداولية وإدارة السلطة، إذ إن العراق الذي بات من الصعب أن يحكم بممثلي مكون أو مكونين مهما بلغ ثقلهم الديموغرافي ووزنهم الانتخابي الكافي، فإنه من الأصعب أن يحكم ثانية بدكتاتور أو بحكم شمولي يلقى القبول، ويضاف إلى ذلك الكوابح الداخلية، فإن الأميركيين سيبقون ضامنين وعلى المدى المتوسط لذلك، على الأقل في الكليات، وأعني بها شكل النظام السياسي، وثالثها اشتداد قدرة القوات العراقية التي وإن كانت تعاني من نقوصات متأصلة واختلالات في البناء إلا أنها قادرة على حماية الحكومة والنظام السياسي، وعلى الحفاظ وتوسيع نطاق الاتجاه المنخفض للعنف وتوسيع مساحة الأمن والاستقرار في البلاد، ورابعها أن «القاعدة» التي مثلت وتمثل التهديد الأعنف لأمن المواطن والمضعفة من ثقته بالنظام السياسي، إلا أنها باتت عاجزة عن أن تطيح بالنظام، بل هي عاجزة عما كانت عليه من قبل من قدرات في حيازة الأرض وإبقائها خارج سلطة الدولة، كما تضاءلت أيضا تهديدات الجماعات المتطرفة السنية والشيعية الأخرى بانضمامها بشكل أو بآخر إلى العملية السياسية.

لذا، فمع الاتضاح بتضاؤل التهديدات من خارج النظام السياسي وتلاشي قدراتها على تقويضه، فإنه تبقى المخاطر هي تلك التي من داخل النظام السياسي، بسبب من بقاء الاستعصاء والانسداد السياسي الذي بات يهدد بانهيار كل المكاسب الأمنية التي تحققت خلال العامين الماضيين، إذ باتت تسبب مناورات تقاسم السلطة في ارتباك الأوضاع، فعلى الرغم من مضي الشهور الكثيرة فإنه لم يحصل أي تقدم، بل تراجعت الأطراف إلى المواقع التي كانت عليها عشية ما بعد الانتخابات، وانغلقت عن الإحساس والاكتراث بمعاناة الناس، في ظل عدم التقدم في توفير الخدمات الأساسية وفي إنتاج نظام الحكم الجيد.

لذا، فإن التحول الأميركي في المهام أتى متوافقا مع لحظة تحول المخاطر من خارج النظام السياسي إلى داخله، وبالتالي على الوسائل أن تتحول من الخشنة إلى الناعمة، من ثقل الجيوش إلى وسائل السياسة، إلا أنه هنا يتكثف المشهد السياسي العراقي كاشفا عن سيريالية عالية تتمثل في استعصاء بعض الأطراف على الضغوطات الأميركية الحاثة على الخروج من أزمة الحكم، إذ باستثناء الطرف الكردي الذي ينظر إلى أبعد من أرنبة أنفه وبسبب من اتكال مشروعه القومي على الأميركيين وتعويله عليهم في حماية تجربته من تغول شركاء محليين متحينين وجوار إقليمي ناقم، فإن الأطراف الأخرى ولكونها لا تحمل أي مشروع بعيدا عن شخصنتها وفئويتها، فإنها عادت أقل استجابة وباتت تبدل الولاءات للوذ بها للاستعصاء على الضغوط الأميركية، لذا فالاختبار الأهم هو هل سيقود الانخفاض العسكري إلى انخفاض في النفوذ السياسي؟ هذا بالضبط ما تتحينه قوى الإقليم المتوثبة.

"الشرق الأوسط"

مواضيع ذات صلة