الجيش مرة أخرى ـ هل السودان أمام تجربة تدخل جديدة؟ | سياسة واقتصاد | DW | 11.04.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

الجيش مرة أخرى ـ هل السودان أمام تجربة تدخل جديدة؟

يعرف السودانيون أن معركتهم ليست مع عمر البشير لوحده، بل مع تاريخ مؤسسة عسكرية تربصت بكل محاولات الانتقال الديمقراطي، والتاريخ ليس بعيدا عن تكرار نفسه، رغم تفاؤل آخرين بدور أفضل للجيش في حماية الثورة.

بعد مرور بضعة أشهر على انطلاق الاحتجاجات في السودان، تدخل الجيش أخيراً وأعلن نهاية عهد عمر البشير الذي حكم البلاد منذ عام 1989. إذن 30 عاماً انتهت رسمياً ببيان الجيش السوداني، لكن هل انتهى النظام القديم؟ المتظاهرون السودانيون الذين أصرّوا على رحيل عمر البشير، يُدركون أن الطريق ما تزال طويلة لتحقيق انتقال ديمقراطي في البلاد، خاصة وأن تجربة الحكم المدني لم تنضج طوال التاريخ الحديث للسودان بسبب تعدد الانقلابات العسكرية وإصرار الجيش على توجيه الخارطة السياسية.

ويجد السودانيون أنفسهم اليوم أمام مفترق طرق بين عواملَ تشجع انتفاضتهم وأخرى تهدّد بتقويضها. وإن جاءت خطوة تنحي البشير بعد أيام قليلة على تنحي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، فيما يشبه إحياءً لموجة الربيع العربي، ويفتح المجال أمام تطلع السودانيين لدولة جديدة، فإن تدخل الجيش يثير عدة مخاوف. إذ لن يكون يسيراً أن يفرّط الجيش السوداني في سنوات الحكم، وهو الذي انقلب ثلاث مرات على الرؤساء المدنيين، أو يتجه الجيش لسيناريو آخر، يلتف من خلاله جزئياً على مطالب الشارع، لكن بشكل ناعم يوّفق فيه بين صلاحيات نظام مدني في الواجهة وصلاحيات نظام آخر عسكري في الباطن.

انقلاب على رئيس جاء بانقلاب؟

ما يعزّز التوجس من نوايا المؤسسة العسكرية أنها أعلنت عن تشكيل مجلس عسكري لتوّلي إدارة شؤون البلاد لمدة انتقالية تصل إلى سنتين. ومن خلال تجارب الجيران، تبقى هذه المدة، الطويلة أصلاً، مرشحة للارتفاع، فضلاً عن إصرار الجيش على الأخذ بزمام الأمور، بدل إفساح المجال أمام لجانٍ مدنية لتدبير المرحلة الانتقالية، ومحاولة وزير الدفاع عوض بن عوف أن يُظهر أنه لم يكن جزءاً أساسياً من النظام السابق، وهو الذي عيّنه البشير قبل أسابيعَ نائبا له.

ويعبّر الصحافي السوداني، طلحة جبريل، في حديث معDW، عن خشيته من أن يكون "هذا الانقلاب ترتيباً لامتصاص ثورة السودانيين المندلعة منذ ديسمبر"، مشيراً إلى أن شعار المحتجين "حرية.. سلام.. عدالة.. الثورة خيار الشعب" يعني أن الديمقراطية لا يمكن أن تحدث إلّا بـ "وجود مؤسسات ديمقراطية ونظام ينبع من صناديق الاقتراع"، وبالتالي، فالاحتجاجات "لم تخرج لأجل أن تأتي بوزير الدفاع المطلوب دولياً كونه أحد المسؤولين عن الانتهاكات في إقليم دارفور".

وما يعزّز رأي جبريل، ردة فعل عدد من التيارات التي عبأت الشارع، فقد أصدرت قوى إعلان الحرية والتغيير بياناً مشتركاً رفضت فيه ما وصفته بـ "الانقلاب العسكري الذي يعيد إنتاج الوجوه والمؤسسات ذاتها التي ثار الشعب العظيم عليها"، داعية إلى الاستمرار في الاحتجاج.

ولذلك تقول سارة عبد الجليل، المتحدثة باسم تجمع المهنيين السودانيين، لـDW  عربية: "هناك رسالة مبطنة في خطاب بن عوف، وهي عودوا إلى منازلكم. هو يريد إنهاء الانتفاضة. الأمر يشبه لعبة يتم من خلالها إزاحة البشير ومحاولة إقناع المنتظم الدولي أن هناك إصلاحاً وأن الأمور تسير نحو الأفضل، لكن عندما تدقق في خطاب الجيش، لا تجد فرقاً بين بن عوف وبين عمر البشير". وتحمل المتحدثة تشاؤماً بالغاً: "بن عوف معروف بالعنف وبسفك الدماء، والوضع مرشح للتصعيد أكثر، فقد كنا بالأمر متخوفين من وقوع مذابح، واليوم زاد تخوفنا، خاصة إذا استمر الاحتجاج في الشارع".

أليس وقوفاً مع الشارع؟

إلّا أن السودان شهد واحداً من النماذج النادرة لتسليم الجيش للسلطة، وحدث ذلك عام 1986 عندما سلّم العسكري سوار الذهب السلطة إلى المدني أحمد الميرغني. وهناك من يرى أن تدخل سوار الذهب، الذي توّلى السلطة بعد الانتفاضة على النظام العسكري لجعفر النميري، شبيه بتدخل عوض بن عوف، فدور الجيش في كلتا الحالتين ربما كان ضرورياً، كون نظامي النميري والبشير، لم يبديا أيّ استعداد للتفاعل الإيجابي مع مطالب الشعب، وكان هناك تهديد بتصعيد الأزمة وسقوط ضحايا جدد.

وفي هذا السياق، يقول الصحافي السوداني محمد الأسباط، إن موقف بن عوف كان "انحيازاً من الجيش السوداني لمناصرة المطالب الشعبية، فالجماهير طالبت بتدخل الجيش، وعادة ما يقف الجيش إلى جانب الشعب في الثورات ويستجيب لمطالبه". ويبرز الأسباط في حديث مع DW عربية، أن المجال غير موجود لأيّ مراوغة من قبل الجيش، لأن الشعب "سيظل معتصماً ومتظاهراً من أجل مواجهة أيّ انتكاسة".

لكن وقوف الجيوش في المراحل الأولى للثورات مع الشارع لا يعني أنها ستعود إلى ثكناتها، وتُقدم ثورات الربيع العربي نموذجين مختلفين، ففي الوقت الذي اتخذ الجيش التونسي الحياد الإيجابي بتسهيله عملية الانتقال الديمقراطي وعدم التدخل في السياسة، يعطي الجيش المصري نموذجاً آخر في الالتفاف على ثورة انحاز لها في الأول، ثم انقلب على أوّل رئيس منتخب بعدها.

وتتعمق مخاوف السودانيين نظراً للتشابه في نظامي مصر والسودان من حيث تغلغل بنية العسكر في الدولة، وتخوّفه من الإجهاز على مصالحه التي راكمها، خاصة وأن الجيش في السودان حكم البلاد أكثر من المدنيين. لكن محمد الأسباط يبقى متفائلاً بعدم تكرار النموذج المصري في السودان، مستشهداً بتجارب أبناء بلده في التحول الديمقراطي، ومن ذلك كون الشعب السوداني "أول من ثار على نظام عسكري في المنطقة، وكان ذلك عام 1964 (في الإشارة إلى الثورة على الحكم العسكري للفريق إبراهيم عبود)، وللشعب السوداني خبرة واسعة في التحوّل من نظام الحكم الشمولي إلى الحكم الديمقراطي، زيادة على أن ثورات السودان عادة ما تكون على رأسها الجهات النقابية بالتشارك مع أحزاب بعيدة عن النظام".

نهاية فكرة الدبابة طريق السلطة؟

لكن ما قوّى تغلغل العسكر في الدولة السودانية، هو التحالف الوثيق بينه وبين المدنيين، وهوما يشير إليه حسن الحاج علي أحمد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، في دراسة له، متحدثاً عن أن "الساسة المدنيين، عندما يخسرون الميدان السياسي، يلجؤون لحلفائهم العسكريين لأجل تنفيذ انقلاب عسكري وفرض واقع جديد"، مبرزاً كذلك أن الانقلابات الرئيسية التي وقعت في البلاد، نُفذت بتواطؤ مع قوى سياسية مدنية رغبت في اختصار الطريق للوصول إلى السلطة، ولأجل ذلك اتجهت نحو اختراق المؤسسة العسكرية.

لذلك يعي السودانيون أن الطريق لا تزال شاقة لإعلان نجاح الثورة، فالأمر لن يتوقف عند نهاية عهد البشير، أو حتى رحيل النظام ككل، بل حماية الدولة المستقبلية من الانقلابات وضمان عدم تكرار نماذج سابقة من الإجهاز على الديمقراطيات الناشئة.

ويزداد التحدي قوة على عاتق السودانيين، نظراً للظروف الإقليمية التي تجعل عدداً من القوى تحاول التدخل في الشأن السوداني بما يعيق تحقيق أيّ تقدم ديمقراطي يهدّد مصالحها. 

إسماعيل عزام/حمزة الشوابكه

مختارات