إساءة للإسلام أم نقاش للطبقية.. ماذا تخفي قضية ولد امخيطير؟ | سياسة واقتصاد | DW | 22.07.2019
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages
إعلان

سياسة واقتصاد

إساءة للإسلام أم نقاش للطبقية.. ماذا تخفي قضية ولد امخيطير؟

لا تختزل قصة المدون الموريتاني ولد امخيطير مجرّد حكم بالردة، بل تلقي الضوء كذلك على واقع الطبقية، وحقيقة استخدام الدين للتحريض على إعدام شاب دعّم فكرته حول واقع فئة "لمعلمين" في موريتانيا بوقائع تاريخية مثيرة للجدل.

قد تكون القضية الدينية الأكثر حساسية بين كلّ القضايا التي عرضت أمام القضاء الموريتاني طوال سنوات. هي قضية من يدأب الإعلام الموريتاني بوصفه بـ"شاتم الرسول"، بناءً على مقال رأي نشره نهاية 2013، أدى إلى الحكم عليه بالإعدام واتهامه بالزندقة من لدن القضاء الابتدائي ثم الاستئنافي، قبل أن تتدخل المحكمة العليا بداية 2017 وتنقض الحكم، لتعود القضية إلى الاستئناف الذي خفّف الحكم إلى سنتين سجنا بعد تكييف التهمة إلى الردة.

ورغم "توبة نصوح" لمحمد الشيخ ولد امخيطير، أعلنها أكثر من مرة، آخرها عندما خرج قبل أيام بتصريحات لقناة الموريتانية الرسمية، وذلك عقب قرار من رئاسة الدولة بالإفراج عنه بعد اجتماع مع مجموعة من علماء الدين خلال هذا الشهر، إلّا أنه "لا يزال مختطفًا في سجن مجهول، ولا ندري هل الاعتراف الذي بُث كان بكامل إرادته أم لا"، حسب تعبير محاميه محمد ولد أمين في تصريح لـDW  عربية.

وتطرح قضية هذا الشاب الكثير من الأسئلة، حول طبيعة المقال الذي أثار كل هذا اللغط؛ وهل يتعلّق الأمر بإساءة واضحة أم نقد ديني، وكذا عن النقاش الديني في بلد كموريتانيا تصدّر عام 2016 ترتيب منظمة "مراسلون بلا حدود" في حرية التعبير بالمنطقة العربية، وأسباب كلّ هذه الضغط الشعبي بإعدام شاب، خاصة أن هناك من يربط هذا الضغط بانتماء ولد امخيطير إلى فئة "لْمعلمين" التي طالما تحدثت عن تعرضها للتهميش في البلاد.

لماذا كل هذا الاحتقان حول المقال؟

يحمل المقال عنوان "الدين والتدين ولمعلمين" ونُشر بداية في موقع فيسبوك قبل أن يُنشر لاحقاً في مواقع أخرى. واستند فيه صاحبه إلى ما اعتبره وقائع حدثت في بداية الإسلام كي يخلص إلى أن "عصر الدين" (يقابله في المقال عصر التدين) شهد نوعاً من التفضيل بين الناس، ومن ذلك أن "الأخوة وعلاقة الدم والقربى تمنح حق الرحمة لقريش في الفتح وتحرم بني قريظة من ذلك الحق". ويحاول الكاتب إحالة هذه الأمثلة على واقع فئة "لمعلمين" في البلاد وما يعانوه مقابل الحظوة التي تملكها فئة البيظان (أي البيض).

وقد تكرّر التنديد الدولي باعتقال هذا المدون، وخاضت عدة منظمات حقوقية حملة واسعة لإطلاق سراحه، ومن ذلك تأكيد الأمم المتحدة على أن الاعتقال تعسفي وينتهك القانون الدولي. كما اعتبرت منظمة العفو الدولية أن ولد امخيطير "مسجون بسبب تصميمه الشجاع على الدفاع عن ضحايا العبودية والتمييز".

وفي رأي الناشطة الحقوقية الموريتانية، آمنة منت المختار، أن جلّ من هاجموا ولد امخيطير لم يقرؤوا مقاله الذي تحدث فيه عن تحليل الطبقات الاجتماعية، لكنهم يعتمدون على فكرة أن من حكمت الشريعة بموته يجب أن يُعدم، لافتةً في تصريحات لـDW  عربية أنها كانت بدورها ضحية لفتوى تتهمها بالكفر وتنادي برأسها، لأنها كانت من أول من وقف إلى جانب المدون بعد اعتقاله.

غير أن العديد من الكتاب في موريتانيا يرون أن المدون "أساء فعلا" في مقاله إلى رسول الإسلام، خاصةً عندما تحدث عن وقائع تاريخية كثير من علماء الإسلام يقولون إن المصادر التي توثقها ضعيفة ولا يمكن بالتالي تأكيد أنها حدثت فعلا، وهو ما شكّل سنداً للدولة التي تتحفظ على المُعتقل، خارج القانون طوال عام وثمانية أشهر، بدعوى حمايته ممن يريدون "تطبيق الشرع بأيديهم".

تحريض متواصل على إعدامه

وكما تعرّض اعتقال ولد امخيطير لانتقادات واسعة من الحقوقيين، تعرّض قرار إلغاء حكم الإعدام بحقه إلى هجوم كبير من رجال الدين، ومن ذلك بيان لعدد منهم، تكرّر نشره خلال السنتين الأخيرتين أكثر من مرة متهما الكاتب بـ"بيع دينه". ويتحدث البيان عن ما وصفه بـ"وجود إجماع بين علماء المسلمين" على "وجوب قتل ساب النبي (ص) وتشريد من خلفه به وإن تاب وحسن إسلامه". وطلب البيان أن يرجع البت في الأحكام الشرعية إلى العلماء وليس لأي جهة أخرى.

وليس رجال الدين وحدهم، فقد خرجت مسيرات كبرى تضغط على القضاء الموريتاني لإعدام الشاب، ومثال ذلك ما جرى خلال عرض القضية على المحكمة العليا، عندما خرج الآلاف في عدة مدن موريتانية يرفعون شعارات تطالب بالقصاص وترفض توبة المدون، فضلاً عن ترويج وسوم على مواقع التواصل الاجتماعي كـ" #الإعدام للمسيء".

وتعتمد موريتانيا في الكثير من قوانينها على الشريعة الإسلامية، فالمادة 306 من القانون الجنائي الموريتاني تنص على قتل من "ارتد عن الإسلام". وقد كانت هذه المادة تتيح لمن "يتوب" إنقاذ نفسه من الإعدام، لكن تعديلات مررتها الحكومة مؤخراً لم تعد تسمح بذلك.

وتقول الناشطة منت المختار، التي رُشحت سابقاً لجائزة نوبل للسلام، إن السلطة دعمت الحملة ضد ولد امخيطير، واستغلتها لتحقيق أهداف سياسية ولحشد الدعم الشعبي في فترة من الفترات، خاصة وأنها تدرك مدى حساسية الشأن الإسلامي في موريتانيا. وتستدل المتحدثة على ذلك بما جرى من تعديل للمادة 306.

والمثير في قضية ولد امخيطير أن المَطالب بإعدامه لم تكن حكراً على رجال الدين أو الشارع الموريتاني، بل رفعتها أحزاب سياسية أيضا، كحزب تيار الفكر الجديد والحزب الوطني للإنماء وحزب الوطن. وطالب بها كذلك محامون وبعض من يصنفون في دائرة المثقفين.

انتقام من نقد الطبقية؟

ينتمي ولد امخيطير لفئة "لمعلمين" التي تمتهن غالباً الحرف التقليدية في البلاد. وطوال عقود، بقيت هذه الفئة تؤكد على معاناتها من تهميش الدولة في تنظيم قطاع الصناعة التقليدية. وهي تعاني من تهميش مجتمعي أيضا إذ ينظر إليها على أنها أقّل علماً، بل وكثيراً ما يكون التمييز على أساس البشرة. كما أن هناك من يبني التمييز ضد هذه الفئة بناءً على النسب وعلى معطيات تاريخية تعود لزمن كانت فيه العبودية منتشرة في المنطقة.

"منبع الحملة ضد ولد امخيطير يعود لانحداره من طبقة الصناع التقليديين، المنبوذة من لدن الجميع، ولو كان من فئة اجتماعية أخرى لما تعرّض لهذه الحملة" تقول منت المختار، مبرزة أن "شباباً من ينحدرون من فئات تنتمي لعلية المجتمع كتبوا أخطر مما كتبه ولد امخيطير، ولم يتحدث أحد عنهم".

الكاتب: إسماعيل عزام

مختارات