1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

المجتمع المدني.. مفتاح نجاح الثورات

بنيامين باربر/أمين بنضريف٧ يوليو ٢٠١٣

تشكل الجذور الديمقراطية في المجتمع المدني شرطا أساسيا لنجاح الثورات. فمن دونها تبقى الحقوق المدنية والإصلاحات الاجتماعية واقفة على أرضية مهزوزة. هذا هو رأي الباحث السياسي الأمريكي بنيامين باربير

https://p.dw.com/p/18vkk
Benjamin R. Barber is a Senior Research Scholar at The Center on Philanthropy and Civil Society of The Graduate Center, The City University of New York, the President and Founder of the Interdependence Movement. Stichwort: Power to the people Copyright: Dr. Benjamin Barber
Benjamin R. Barber Uni New Yorkصورة من: privat

تؤدي لهفة الحرية إلى الانتفاضة. وعاجلا أم آجلا يتم إزاحة المستبدين عن العرش. كما تشكل لهفة الحرية زخما كبيرا للتطلع الديمقراطي وتدفع به إلى الأمام. غير أنه ومع اندلاع الانتفاضة يكون الوقت قد تأخر للحديث عن تأثير الثورة على مسار تأسيس ديمقراطية حقيقية.

يظهر التاريخ أن الطرق المؤدية إلى الديمقراطية مختلفة، وليس من الواضح ما إذا كانت انتفاضة مسلحة - حتى ولو تم فيها الإطاحة بدكتاتور مستبد - تؤدي حتما إلى الديمقراطية. على العكس من ذلك فإن الانتفاضات الثورية، سواء في باريس عام 1789، وفي موسكو عام 1917 أو في طهران عام 1979، لم تفلح في إرساء نظم ديمقراطية رغم نجاحها في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية. وكانت النتيجة المباشرة في كثير من الأحيان عدم الاستقرار والفوضى والحرب الأهلية، أو الاستبداد مرة أخرى في حلة جديدة.

هل تجلب الثورات الفوضى؟

تسعى الثورات إلى تحقيق أهداف محددة ومعلنة، في الوضع المثالي حتى قبل الثورة. وبالنسبة للعالم العربي فإن العديد من التغيرات الجذرية التي شهدها سعت إلى قطع رأس النظام الاستبدادي على سبيل المثال في ليبيا ومصر. غير أن الإطاحة بالرؤساء الديكتاتوريين لم تقود بالضرورة إلى خلق أنظمة أكثر حرية أو إلى مجتمع مدني أكثر قوة، ناهيك عن مواطنين أكفاء أو حكومات تحترم الحق والقانون. وعلى العكس من ذلك، فقد خلفت الثورات حالة من الفوضى وعدم سيادة القانون - مهما كانت النوايا الحسنة المعلنة لهذه الثورات. وهذا دليل على ضعف سيادة القانون في هذه المجتمعات الانتقالية حتى خارج أطر الحكومات الرسمية الموجودة.

عدم احترام سيادة القانون

في ليبيا كان لقتل الديكتاتور الليبي معمر القذافي عواقب وخيمة، وذلك رغم جهوده منذ عدة سنوات لإخراج بلاده من دائرة الدول المارقة وتقربه ببطء من الغرب، فالمجتمع المدني وحقوق الإنسان لم تسجل هناك سوى تقدم متواضع. كما أن الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية لم تفلح في تحقيق هذا الهدف. وبدلا من ذلك تتأسس هناك سلطة لامركزية مبنية على نظام القبائل والعسكر، إضافة إلى ذلك فإن حربا أهلية تشتعل بين الشرق والغرب.

كما أن هناك حالة محزنة تتمثل في عدم قدرة حكومة طرابلس الغرب على إقناع " ميليشيا الزنتان "، التي تعتقل نجل الديكتاتور سيف القذافي، على تسليمه للحكومة المركزية أو محكمة العدل الدولية. كما تستمر الهجمات على المساجد الصوفية، دون ملاحقات من قبل الشرطة أو إدانات في المحاكم. ومن بين المؤشرات السلبية أيضا حرية الحركة التي تتمتع بها قوى تابعة لتنظيم القاعدة في شمال أفريقيا، والتي تم تحريرها من السجون بعد سقوط معمر القذافي.

الخلاصة هي أنه إذا لم يكن هناك مواطنون يتحلون بالشعور بالمسؤولية، وبدون دور فعال لمجتمع مدني يقف على أرضية وقاعدة صلبتين، يكون من المستحيل إنشاء حكومة مستقرة ومجتمع يحترم سيادة القانون.

فمقتل القذافي قد أنهى بالفعل مرحلة سوداء من الظلم، لكن الاستقرار لم يحل، بل تسود حالة من الفوضى.

وبمرور الوقت سوف تهدأ الأمور نسبيا وسوف تحقق القوى الأساسية في البلاد بعض التقدم. ولكن كان بإمكان القوى الإصلاحية الداخلية تحقيق ذلك التقدم في الفترة المنصرمة حتى من دون التكاليف الباهظة التي تلت الإطاحة بنظام القذافي. وإن كان ذلك دون الشعور العارم بالحرية، الذي عاشه الليبيون.

التغيير الثوري تحت النقد

القصة كانت مماثلة في مصر أيضا. فعلى الرغم من الإطاحة بمبارك فإن البلاد لا تزال بين قبضة الإسلاميين والجيش. والشباب الليبراليون العلمانيون، الذين تظاهروا في ميدان التحرير وكان لهم دور أساسي في إسقاط النظام، يشعرون بالخذلان في ظل الصراع الحالي حول السلطة. بالإضافة إلى ذلك لا تزال النساء يعانين من التهميش، وانتهاكات  حقوق الإنسان مستمرة والخلافات السياسية والدينية تصعًب مهمة بناء وحدة وطنية.

هذا لا يعني أن الثورة كان يجب أن لا تحدث. ولكن مع ذلك، يبقى الرأي صحيحا أن التغيير الثوري ليس بالضرورة أفضل وسيلة لبناء مجتمع مدني صحي ومواطنين ملتزمين.

لا يمكن لأحد الآن أن يتوقع مصير البلدان التي يقع فيها التغيير العنيف حاليا، كما هو الحال في سوريا، حيث لا يمكن التنبؤ بوضوح من سيستفيد حقا من سقوط النظام العلوي بقيادة الرئيس بشار الأسد.

 هل المجتمع المدني؟ أو دكتاتورية الشيعية الجديدة؟ أو تنظيم القاعدة؟ أو الأصوليون الإسلاميون؟ أو الليبراليون العلمانيون؟ وهل ستكون هناك حقا سوريا متحدة؟ أو دولة في حالة حرب أهلية مستمرة؟ هل سيسود هناك مبدأ التعددية؟ هل سيتم خرق القانون أم لا؟

والحقيقة هي أن غضب الناس، الذين حُكموا منذ أجيال من أنظمة الاستبداد والقمع، غالبا ما يستمر لفترة أطول من الإصلاحات التدريجية. فقد كان بإمكان الملك جورج الثالث وحكومته تجنب الثورة الأميركية لو كانوا أكثر  استعدادا للاستجابة لبعض شكاوى المضطهدين الأمريكيين. فحتى الثورة الأمريكية لم تأتي فقط بالحرية، بل أيضا ب 80 سنة من جمهورية العبودية وحرب أهلية دامية. فالجمهورية الحرة المدنية جاءت بعد حوالي قرن، حيث أعطت حق المواطنة لجميع الرجال، ولكن من دون النساء.

المجتمع المدني  هو مفتاح النجاح

إذا ألقينا نظرة على دول شرق أوروبا التي  ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، يبدو أن الدول الأكثر نجاحا مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك​​، هي التي كان فيها المواطنون يتحلون بالشعور بالمسؤولية في حقبة سابقة ، أو كانت تتوفر فيها حركة مقاومة مدنية قوية، مثل حركة التضامن في بولندا والكنيسة الكاثوليكية.

من هذا يمكن للمرء أن يستنتج أن الإصلاحات المدنية والمجتمع المدني، التي كانت موجودة قبل التغييرات الجذرية، كانت هي مفتاح النجاح.

ومن المفارقات أيضا، هو أن وجود درجة معينة من القدرات المدنية يكون ضروريا للتخلص بنجاح من الحكم المطلق وخلق حكومة، تدعم وتقوي القدرات المدنية. وهذا يعني أن هناك حاجة للطاقات المدنية قبل التغيرات السياسية.

دور مؤسف لوسائل الإعلام

التخلص من النظام الدكتاتوري والنخبة السياسية يجب أن يُحدث تغيرات مدنية أيضا. ولكن إذا كان هذا التغيير المدني موجودا في السابق، فذلك يسمح بتجنب انقلاب عنيف بتكاليف مرتفعة. وكثيرا ما لعبت وسائل الإعلام دورا مؤسفا في الهتاف للثورات العنيفة. ولم يتحملوا بعدها مسؤولية  العواقب. فوسائل الإعلام تعشق مشاهد المتظاهرين والوجوه الملطخة بالدماء. وسرعان ما تغيب وسائل الإعلام هذه عندما تخرج الثورات عن مسارها. أي عندما تظهر ثورة مضادة أو تعم الفوضى.

ولهذا يجب على الغرب ووسائل الإعلام التعامل بحذر مع ما يمكن أن يترتب من عواقب الفوضى الأهلية وعدم الاستقرار السياسي  والنزاعات الحدودية  وأعمال الشغب، التي قد تكون جد مكلفة. لأن العواقب لا تكون دائما مؤكدة وواضحة، والغرب لا يتحمل تكلفة ذلك.

حصان ديمقراطي قبل عربة الثورة

من الصعب أن نعرف الآن ما هي الدروس التي ينبغي استخلاصها من التاريخ أو السياق التاريخي للثورات السياسية الحالية. فالتاريخ هو الذي يصنع الحقائق. والثورات لا يمكن التراجع عنها، بغض النظر عن العواقب. فهي تُخرج الناس من الاستبداد وتعطيهم شعورا بالحرية والكرامة وبداية جديدة. ومن الطبيعي أيضا أن تحدث أخطاء، لكنها تبقى أخطاء ذاتية وليس أخطاء الطغاة.

ولكن الثورات الأكثر نجاحا وإنتاجا حدثت في المجتمعات التي كانت فيها بالفعل أسس ديمقراطية ونهج مبني على المجتمع المدني. أي هناك حيث لا يكون الناس مجرد عبيد، بل مواطنين حقيقيين. وهذه حجة دامغة على أن حصان الديمقراطية يجب أن يسبق العربات الثورية. أي قبل الخوض في ثورة قد تصاحبها إشكاليات عديدة، لفرض تغيير مدني حقيقي.

بنيامين باربر هو عالم أبحاث بارز في معهد الأعمال الخيرية والمجتمع المدني في مركز الدراسات العليا التابع لجامعة مدينة نيويورك ومؤسس حركة الاعتماد المتبادل "Independence Movement". وكان أيضا مستشار لحكومة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، وألف العديد من الكتب الأكثر مبيعا، بما في ذلك  كتاب"الجهاد مقابل ماك وورلد".

تخطي إلى الجزء التالي اكتشاف المزيد

اكتشاف المزيد

المزيد من الموضوعات