1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

و أخرست الأبواق

يتساءل نزار حيدر إذا كان السياسيون العراقيون يظنون بان حفنة من القبلات أمام الشاشة الصغيرة يطبعها بعضهم على وجه بعضهم الآخر، يمكن ان تحل الأزمات المستعصية التي تعصف بالبلد، فلماذا، إذن، تأخروا علينا كل هذا الوقت ؟

لماذا بخلوا علينا بمثل هذا الفيلم الجميل؟ ولماذا لم يتبادلوا القبل لحظة بداية الأزمة؟ فيوفروا على العراقيين الكثير جدا من الدماء والأرواح؟.

إنني على يقين بان السياسيين، وقبل غيرهم، يعرفون جيدا بان سياسة تبويس اللحى لن تغير من الواقع شيئا اذا لم يستحضروا قلوبهم التي هي (شتى) وإراداتهم التي غابت في مهب الريح، وعزائمهم التي خارت فلم تعد تقوى على شيء ، أو تصمد أمام عواصف الأزمات الخطيرة التي يمر بها العراق اليوم.

ان تبادل القبلات يجب ان يسبقه تبادل الحب والوئام والوفاء، لتنتج حلولا للمشاكل المستعصية والأزمات المزمنة، فلطالما رأيناهم يتبادلون القبلات في مثل هذه الاجتماعات الضيقة والموسعة، فماذا كانت النتيجة سوى المزيد من الكراهية والتهم المتبادلة والتي أنتجت المزيد من المعاناة للعراقيين؟

لماذا؟ لأنهم يتركون المحبة وصفاء القلوب والاحترام المتبادل عند عتبة باب القاعة فيدخلون الاجتماع وقد افرغوا نفوسهم وعقولهم وضمائرهم من آخر ذرة من الاحترام المتبادل، ولذلك يخرجون في كل مرة من الاجتماعات بلا نتيجة، بل بنتائج عكسية، تزيد الطين بلة، على حد قول المثل المعروف.

وان تبادل القبلات في مثل هذه الاجتماعات ستنتج حلولا للازمات إذا اقتنع الجميع بان الحوار قيمة أساسية عند البحث في المشاكل، وانه مبدأ استراتيجي لا غنى عنه، وليس شيئا تكتيكيا يلجأون إليه كانحناءة اما العاصفة، حتى اذا مرت بسلام عادت حرب الفضائيات والإعلام والتصريحات الى الواجهة مرة أخرى.

مشهد استعراضي رغم جهود عمار الحكيم المشكورة

لا أريد هنا ان اقلل من قيمة المبادرة التي أنجزها اليوم السيد عمار الحكيم، في إطار نهج وسطي ومعتدل يعتمد الحوار والشراكة الحقيقية، بعيدا عن التخوين والطعن بالولاءات وصناعة الأزمات، هو موضع ترحيب وتأييد مختلف الأطراف السياسية فضلا عن الشارع العراقي، لا اريد ان اقلل من قيمة هذه المبادرة فبمجرد لقاء الفرقاء وتواصلهم وعدم القطيعة يعني الكثير، اقلها انهم يواصلون الحوار وجها لوجه.

حتى اذا تبادلوا التهم والافتراءات والطعن وسب وشتم بعضهم البعض الآخر، فانما فيما بينهم وليس عبر الشاشة الصغيرة، وهذا وحده يكفي لنعتبر المبادرة مهمة وربما تكون ناجحة.

لقد سمعت المرجع والفقيه السيد صادق الشيرازي مرة يتحدث عن سر نجاح الغربيين في حل مشاكلهم قوله: انه بعد الحرب العالمية الثانية اجتمع المتقاتلون واتفقوا على نقطتين جوهريتين:

الأولى: أن لا يلجأوا إلى الحرب مرة أخرى مهما اشتد الخلاف بينهم، فالدم والقتال والحرب والسلاح خط احمر فيما بينهم لا يحق لأحدهم ان يلجأ اليه.

ثانيا: ان لا يقاطع بعضهم البعض الآخر، مهما اشتد الخلاف وعلت الأصوات، فالأصل هو التواصل والحوار واللقاء، اما القطيعة فليس لها محل من الإعراب في علاقاتهم أبدا.

وسيصل العراقيون، في نهاية المطاف، إلى هذه النتيجة، فلقد أيقن الجميع بان الاقتتال، حتى السياسي منه، لا ينتج حلولا أبدا، كما ان القطيعة والمقاطعة والزعل لا ينتج حلولا لأية مشكلة مهما كانت تافهة، وكلي أمل في إن يصلوا الى هذه النتيجة بأسرع وقت، اليوم قبل الغد.

فالى متى يظل العراقيون ضحية خلافات السياسيين المتخندقين بطوائفهم؟ الى متى يظل العراقيون يدفعون الثمن من دمائهم وحياتهم وارواحهم ومستقبلهم، بسبب خلافات السياسيين؟.

" حوار الفضائيات لا ينتج حلولا"

ان حوار الفضائيات لا ينتج حلولا، وإنما الحوار وجها لوجه هو الذي ينتج حلولا ربما لأعقد الأزمات، وان من الخطأ، بل من الجريمة بمكان، ان يتحاور السياسيون عبر الشاشة الصغيرة، كل من مكتبه، بلا اكتراث للشارع، وما يعاني منه اليوم.

لقد ظلت ابواق كل طرف من الأطراف المتنازعة تنفث سموما لوثت الأجواء، فما الذي ستقوله هذه الأبواق التي أخرست اليوم بعد تبادل أولياء نعمها القبلات امام الشارع العراقي؟.

ان واحد من الدروس التي نتعلمها من سياسة تبويس اللحى هي ان لا ندخل في صراعات السياسيين عندما لا يكون لنا فيها ناقة ولا جمل، فإذا كانت الأبواق تجد ضالتها في الأزمة، فما الذي ستفعله عندما تنتهي فجأة، ربما، ومن دون سابق انذرا او مشاورة مع بوق او حتى إشعار مسبق؟.

لقد استدرج الكثير من (المثقفين والكتاب) الى صراعات السياسيين فوقفوا بجانب هذا ضد ذاك فسمعناهم يتهجمون على طرف لصالح طرف آخر، من خلال توزيع التهم والطعن بالولاءات والتشكيل بالاجندات، فماذا سيقولون بعد لقاء القبلات؟ هل سيصمتون؟ ام سيبررون لصاحبهم قبلاته لعدوه اللدود الخائن والعميل؟ ام سيتراجعون عن اتهامهم لخصمه؟ فلم يعد، مثلا، ينفذ اجندات خارجية؟ ولم يعد يتجاوز على الدستور؟ ولم يعد أسوأ السياسيين؟ ولم يعد يقبض أموالا من هذه الدولة او تلك؟.

" نحب ونتكلم ونبغض ونتكلم"

مشكلتنا أننا نحب ونتكلم ونبغض ونتكلم، فترانا اذا أحببنا احد رفعناه الى مصافي الانبياء والرسل والمعصومين، فنحلم به في مناماتنا، ونرى صورته في وجه القمر، أما إذا كرهنا احدهم فسننزله إلى أدنى من مستوى الشيطان الرجيم، والغريب في طباعنا إننا اذا أحببنا الذي كرهناه يوما فسنرفعه من الحضيض الذي أوقعناه فيه الى مصافي السماء السابعة، والعكس هو الصحيح، فاذا كرهنا من احببناه يوما، اذا به ينقلب في كتاباتنا وأحاديثنا الى شيطان رجيم بعد ان كنا قد أثبتنا للرأي العام وبالأدلة القاطعة والتنظير العلمي الذي قل نظره انه ملاك يمشي على الأرض.

ومن اجل ان لا نتطرف في علاقاتنا وتقييمنا لاي كان، حتى لا نحرج أنفسنا أمام الرأي العام اذا ما تغيرت الظروف، فان علينا ان نتذكر دائما قول امير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام الذي يحث فيه على التوازن في العلاقات والوسطية في التعامل، فلا افراط ولا تفريط، اذ يقول {أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبكيوما ما} فبهذه المعادلة سنبتعد او نقترب من اي كان ليس بالعواطف او بالمصالح الشخصية والولاءات الحزبية، وإنما بالموقف والانجاز والسمعة.

مساكين أولئك الذين تحولوا الى أبواق لهذا السياسي او ذاك، فلقد اسقط اليوم في أيديهم وهم يرون ولي نعمتهم يتبادل القبلات الحارة جدا جدا مع عدوه الذي نعتوه بالأمس بكل الصفات السيئة، فكيف سيتصرفون بعدها يا ترى؟.

تعالوا نتعلم الوسطية والتوازن في العلاقة مع اي كان، فالتطرف بكل أشكاله شيء مذموم، ولنترك لأنفسنا خط رجعة، فلماذا نحرج أنفسنا بالتطرف في الرأي والموقف والطعن؟.