1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

وأخيراً انتصر العقل...!!

د. عبدالخالق حسين

" العربة الفارغة أكثر ضجيجاً وجلبة من العربة الممتلئة، وهكذا رؤوس الناس " برنارد شو

كان يوم الخميس 27/11/2008 يوماً تاريخياً حاسماً في تاريخ العراق، حيث صوت البرلمان العراقي بغالبيته المطلقة 149 (75%) بنعم للاتفاقية الأمنية العراقية-الأمريكية، مقابل 35 صوتاً بلا، من مجموع 198 حضروا الجلسة. وهكذا انتصر العقل على أولئك الذين أدمنوا على الضجيج العالي، وبالتالي انتصرت إرادة الشعب العراقي وقرر مواصلة مسيرته الحضارية في إلحاق الهزيمة بالإرهابيين وفلول البعث وعصابات الجريمة المنظمة، والشروع ببناء دولته العصرية الديمقراطية المزدهرة، بدلاً من التوجه نحو النموذج الصومالي المدمر الذي أراد له أعداءه. وبهذه المناسبة التاريخية السعيدة، نهنئ شعبنا وقادته السياسيين من العقلاء الشرفاء، وجميع الذين سعوا لتمرير الاتفاقية، وكل الخيرين النبلاء من أصدقاء شعبنا بهذا النصر العظيم.

كما وأقدم التعازي الحارة إلى أعداء شعبنا من حكام إيران وسوريا وذيولهما في العراق وخارجه من فلول صغار البعث القدامى والجدد المتسترين تحت مختلف الواجهات والتنظيمات السياسية وبأسماء دينية مثل التيار الصدري وغيره. وأعزي أيضاً اليسار الطفولي المتطرف الذي التقى مع اليمين المتطرف عند حوافر الفرس على حد تعبير لينين. فجميع هؤلاء استماتوا في محاولاتهم اليائسة لمنع تمرير الاتفاقية ولكن جميع سهامهم ردت إلى نحورهم. لذا ننصح هؤلاء جميعاً، وعطفاً عليهم ورحمة بأنفسهم، أن يعيدوا النظر في مواقفهم بأن لا يقفوا حجر عثرة أمام مسار التاريخ، لأنه كما أكدنا لهم مراراً وتكراراً أن الديمقراطية في العراق كالقدر المكتوب، لا تراجع عنها، بل محكوم عليها تاريخياً بالنجاح ومهما بدت الصعوبات وتعاظمت التضحيات. فالمعركة هي معركة مصير بين معسكرين، معسكر أنصار الحياة والديمقراطية من جهة، وبين معسكر دعاة الموت وعودة حكم الفاشية من جهة أخرى، وفي نهاية المطاف سيكون النصر إلى جانب الحياة والديمقراطية وفق منطق حتمية التاريخ.

لقد حاول نواب التيار الصدري، وحلفاؤهم من البعثيين القدامى والجدد، في عدة جلسات عرقلة عملية التصويت في البرلمان بشتى الوسائل غير المشروعة، عن طريق إثارة أعمال الشغب داخل البرلمان، دون أي احترام لقدسية المكان باعتباره مقر الجمعية الوطنية لسن القوانين باسم الشعب، مستغلين سماحة وصبر هيئة رئاسة البرلمان وتحمل بقية النواب لسوء سلوكهم، فأساءوا إلى الأعراف والآداب البرلمانية المتبعة في العالم، وإلى الديمقراطية والحرية، وتصرفوا كصبيان جانحين، فتمادوا في غيهم في إثارة الضجيج والصخب والضرب على المكاتب ورفع شعارات مضرة بالمصلحة الوطنية مثل (كلا... كلا.. للاتفاقية) مع ترديد هتاف كاذب ومنافق (نعم نعم للعراق) المفضوح بالقصد والنوايا الشريرة، أي أنه قول حق أريد به باطل. إن لجوء هؤلاء النواب إلى إثارة الضجيج والجلبة في البرلمان لعرقلة التصويت على الاتفاقية لدليل واضح على فراغهم الفكري وخوائهم العقلي وانهيارهم الاخلاقي، لذا مثلهم كمثل العربات الفارغة المذكورة في مقولة جورج برناردشو أعلاه.

إن الانتصار الساحق في تصويت أعضاء البرلمان لصالح الاتفاقية لهو دليل واضح على النضج السياسي الذي أبداه السياسيون العراقيون، وفوز للقوى المعتدلة وإعادة اصطفاف القوى السياسية في العراق وسيرها الحثيث نحو الاعتدال، وتهميش العناصر الراديكالية المتطرفة التي تريد بالعراق شراً مثل التيار الصدري، والمتعاطفين مع فلول البعث الساقط.

فبعد كل الكوارث التي مرت على العراق بسبب هؤلاء المتطرفين من حملة الأيديولوجيات الشمولية المدمرة، بدأ الشارع العراقي وقادته السياسيون ينتبهون إلى اللعبة القذرة التي تريد بالعراق شراً، والمخاطر المميتة التي تحيق به، والساعون لجعله ساحة للحروب الأهلية الطاحنة كما حصل في الصومال عندما طالبت فئة تزايدت بالوطنية، فغامرت بمستقل البلاد، مطالبة بإخراج القوات الأمريكية والدولية منه، ونجحت في مساعيها، فحصلت حروب أهلية ماحقة خلال العشرين سنة الماضية، وصارت البلاد بلا دولة، تعيث فيها لوردات الحروب وعصابات الجريمة المنظمة التي لم ينحصر شرهم على الشعب الصومالي المغلوب على أمره وحده، بل تجاوزت هذه الشرور في عمليات القرصنة البحرية إلى كل دول العالم.

يجب على الشعب العراقي وسياسييه العقلاء أن يستخلصوا الدروس والعبر من تاريخهم الحافل بالنكبات، والتخلي عن العنجهية والعنتريات الفارغة في معاداة الدولة العظمى، أمريكا خاصة، والدول الغربية عامة. إنها فرصة ذهبية أن التقت مصلحة الدولة العظمى بمصلحة شعبنا، ولن نمل من تكرار القول أنه إذا كانت أمريكا تسعى وراء مصالحها، فلماذا لا يسعى العراقيون وراء مصالحهم أيضاً واستثمار علاقة أمريكا لصالح شعبنا وهو يمر في أخطر مراحل تاريخه.

لقد أثبتت التجارب أن معاداة أمريكا والغرب لا تجلب لنا سوى الدمار الشامل. قارنوا أيها السادة بين حكام الدول الخليجية التي تعاملت مع الغرب بالحكمة والعقلانية، فتعايشت معه بسلام، وبذلك استفادت من خبراته ومساعداته وفق سياسة المصالح المشتركة، حيث استثمرت ثرواتها في بناء بلدانها، وتحويل الصحارى إلى غابات وارفة، بينما استثمرت الحكومات الوطنجية والثورجية العراقية ثروات البلاد والعباد في الحروب والدمار الشامل فأحالوا العراق من بلاد كانت تسمى ببلاد السواد لكثافة غابات نخيله إلى صحارى جرداء ومصدراً للعواصف الرملية. قليل من العقل أيها السادة، كفانا الصخب والضجيج و(العنتريات التي ما قتلت ذبابة) كما قال المرحوم نزار قباني.

لقد تعاملت القوى السياسية التي تقود السلطة، بكل صبر وحكمة في سبيل إرضاء وكسب معظم الكتل السياسية، التي استغلت الفرصة لابتزاز الحكومة، فطرحت شروطاً للمقايضة لا علاقة لها أصلاً بالاتفاقية الأمنية، مثل مطالبتهم بالإصلاح السياسي، وإطلاق سراح بعض المعتقلين المتهمين بجرائم الإرهاب ضد الشعب، وأعلنوا أنهم سوف لن يصوتوا للاتفاقية بحجة أنها تمس بالسيادة الوطنية ما لم تستجب الحكومة لمطالبهم. وبالتالي ومن أجل تحقيق وحدة القوى السياسية ومشاركة الجميع في العملية السياسية المصيرية دون عزل أية جهة، استجابت الحكومة لشروطهم. ولكن وكما تساءل الدكتور عزيز الحاج في مقال له في هذا الخصوص أنه (.. ما العلاقة بين مقترحات سياسية عن إطلاق سراح المعتقلين، وبين الاتفاقية؟ هل الاتفاقية مع السيادة؟ إنْ نعم، فلِمَ التعطيل؟ وإذا كانت ضدها، فما معنى محاولات المقايضة؟!). ومن هنا نعرف أن بكاءهم على السيادة الوطنية ليس أكثر من دموع التماسيح.

أما شرطهم، بإجراء استفتاء شعبي على الاتفاقية بعد سبعة أشهر من الآن، فالغرض منه هو إنقاذ ماء الوجه لاتخاذه كمخرج لهم للتصويت على الاتفاقية، والإدعاء بأنهم صوتوا لأن الحكومة استجابت لجميع مطالبهم. فليكن، المهم أن حصل شبه إجماع على التصويت لصالح الاتفاقية. أما الذين صوتوا ضدها فإرادتهم ليست بأيديهم، فالتيار الصدري يستجيب لأوامر السيد علي خامنئي "الولي الفقيه" مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، وغايتهم إفشال الاتفاقية في جميع الأحوال. ونحن واثقون أن الجمهرة الواسعة من أبناء شعبنا هم أكثر وعياً وحرصاً على المصلحة الوطنية من بعض الكتل السياسية التي لن تمل من فرض الشروط تلو الشروط في المقايضات السياسية وتحت مختلف الذرائع لإيقاف عجلة التاريخ ولكن هيهات. وعليه، وإيماناً منا بالحكمة الجمعية لشعبنا وما مر به من معاناة بسبب السياسات الطائشة ومغامرات بعض السياسيين اللامسؤولة، فإننا نعتقد أن شعبنا سيصوت لصالح الاتفاقية في الاستفتاء المرتقب. ولكن السؤال هو: إذا ما صوت شعبنا في صالح الاتفاقية، فهل سيسكت أصحاب نظرية المؤامرة من الطعن بالنتائج؟ جوابنا هو كلا، إذ كما طعنوا بنتائج الانتخابات البرلمانية السابقة، فلابد وأن يستمروا في الطعن في نتائج الاستفتاء ما لم تكن النتائج مطابقة لرغباتهم، أي ضد الاتفاقية، وعندئذ فقط سيؤكدون صحته بأغلظ الأيمان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع الكاتب: http://www.sotaliraq.com/Dr-Abdulkhaliq-Hussein.html