1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

هل نرتقي بضربة حذاء؟

بلقيس حميد حسن



تهلل العالم العربي, وانفرجت أسارير مذيعي الفضائيات , بسبب ما فعله أحد الصحفيين العراقيين أمام الكاميرا بمؤتمر صحفي كان به الرئيس الامريكي يودع العراق بعد الاتفاقية الموقعة بين الطرفين ..
العرب يفرحون بضربة الحذاء وكأنها قد حررت فلسطين واستعادت الكرامة العربية المهدورة , يفرحون ويتراسلون ويكلمون بعضهم بالتلفونات وكأنه عيد جديد , وربما سيتذكرونه ويؤرخون له ليحتفلوا به , وقد يسمونه "عيد الحذاء العربي" حتى وان كان ذلك الحذاء مصنوعا في ايطاليا , لأن المهم هو من ضرب الحذاء ووجهه الى رأس الرئيس الامريكي , وليس من صنعه وأعده ُ للاستعمال . بعض العرب حوّل الحدث الى ظاهرة ربانية, بحيث استغرب وسبح لله, لأن الحذاء لم يتوجه الى العلم العراقي, إنما الى العلم الأمريكي ويعلل السبب بالحماية الإلهية التي قامت بها عبارة " الله اكبر " المكتوبة على العلم العراقي فهي الحارسة, الدافعة عنه كل ضرر, لكنه يتناسى ان تحت ذات العبارة اندحر الجيش العراقي في عدة حروب ومعارك, وتحت هذه العبارة دُمر العراق, وقتلت الملايين تحته وعاد الشعب الى ماقبل مائة عام او الى ماقبل الكهرباء والماء النظيف والمعقم ..
اليوم تطور العرب من كونهم ظاهرة صوتية كما اسماهم عبد الله القصيمي , وهو عربي من السعودية , الى ظاهرة قندرية او نعلية ..
فأي مثال سيء للعراقيين أعطى هذا الحدث امام العالم.
لست هنا في مجال الدفاع عن الرئيس الأمريكي, فما ارتكبه الجنود الأمريكان في العراق من انتهاك لحقوق الانسان , وموقف الولايات المتحدة من جرائم اسرائيل والفيتو الدائم, الحامي لها, يؤكد على عدم عدالة السياسة الامريكية , انما اطرح رأيي في الحدث لصالح الأخلاق الحضارية التي لا بد ان يتحلى بها من يدعيها , فكما استنكرنا التصرفات الهمجية لبعض جنود قوات الاحتلال في العراق, لا بد وان نتوقف عند تصرفنا ومدى توافقه مع الحضارة الانسانية المنشودة .
حتما سيقول لي بعض العرب السعداء بضربة الحذاء هذه, لماذا تستكثرين على هذا الصحفي ضربة حذاء وهناك في البرلمانات الأوروبية والغربية المتحضرة, يضرب بعض النواب, نوابا اخرين بأي شيء يقع امام اعينهم ساعة غضب.
والجواب هو اننا كعراقيين , أمامنا تحديات جمة, في عالم يسبقنا ويخلفنا وراءه, طريقنا نحو البناء عسير , نحتاج به ان نثبت فهمنا للحضارة من كل جوانبها, وأولها بناء الانسان الحضاري, فالحضارة ليست بنايات , واسمنت, وجسور وآليات تسير في الشوارع , إنما هي اخلاق, وروح, ومحبة, وفنون, وثقافة , وآداب وحوار, فبعد كل الدمار الذي تسببته حروب صدام حسين ودكتاتوريته, وبعد كل الجرائم والحصارات والأزمات التي أذلت الشعب العراقي , وبعد كل ما قدمناه من شهداء وضحايا, نسلك اليوم سلوك الرعاع, لنثبت للعالم اننا غير أهل للحوار, وأننا أحفاد حفاة ٍ لا زالوا يعتبرون الحذاء شيئا طارئا عليهم, يمكن خلعه في اوقات الغضب واستعماله بديلا عن اللسان او العقل .
حزينة اقول, اننا رغم كل ما حصل ويحصل لنا من خراب وتراجع وهجرة باتجاه الغرب, ورغم كل ما ابتلينا به من فساد إداري, وتعصب ديني وطائفي وقومي , واعاقات, وامراض, وضياع أمال وأزمات , ولا زال اغلبيتنا موهوما بعنتريات مخجلة , تعطي للأجيال المقبلة مثلا مبتذلا لا يفتخر به اي عاقل..
هناك مثل عربي ينسونه العرب دائما, ألا وهو
" الحلم سيد الأخلاق" وينسون أيضا
" كاد الحليم أن يكون نبيا "
والحلم لغويا هو عكس الطيش .. وقيل في حديث نبوي شريف " ليس الشديد بالصرعة, انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "
فمن أين أتى فرح العرب بتصرف الصحفي الذي ليس فيه اي رائحة للحلم وحسن التصرف ؟ وعلى اي سند يمجدون سوء الفعل ذاك , والذي حتما هو مشترى ومدفوع له من جهات مشبوهة لا تريد للعراق ولشعبه سوى المزيد من السمعة السيئة والإحتقار امام الشعوب.
قد تبـيـح الحرب كل سلاح, لكن الذي حصل لم يكن في ساحة حرب , انما في جلسة من المفترض انها توديع دبلوماسي لضيف حتى وان كان عدوا لدودا , فمتى أباحت الاخلاق العربية إهانة من هو في بيتنا, حتى وان كان عدوا لدودا ؟وأين الفرق بين العسكرية والدبلوماسية ؟ ومانفع كل ما جاء به المجتمع الدولي من قوانين واعراف تحاول تقريب وجهات النظر بين الشعوب وصولا الى السلام والتعايش فيما بينها؟ كما لابد من تذكر امر هام وهو ان الصحفيين هم من نخبة ابناء المجتمع اي من المتعلمين الذين يعتمدون في مهنتهم على الحوار والمنطق, فان كانت نخبة المجتمع تتعامل بالحذاء, فماذا تركنا للرعاع بعد؟
والسؤال الأخير هو, هل يجب على العالم عزل العرب - والعراقيين خاصة - من المحافل الدولية ؟ او انه سيكون على جميع العراقيين والعرب المساهمين في مؤتمرات عالمية مهما كان نوعها نزع أحذيتهم قبل الدخول الى القاعات, تحسبا لضربات ٍ تعرقل اعمال البشر المؤتمرين, فتبعد الخارجين عن الأخلاق الحضارية بهمجيتهم من الإستفادة مما يقدمه المجتمع الدولي كافة, ام ان العالم سيتعامل معنا على أننا قوم أدنى من ان نتحاور بالعقل واللسان؟ ترى ماذا سيفعلون الان ؟ وماسنفعل لو كنا مكانهم ؟