1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

هل من جدوى في الحوار مع البعث؟

د. عبد الخالق حسين

في مقالي السابق الموسوم ( هل سيعود البعث لحكم العراق؟ )، ورداً على سؤال: ماذا يعني البعث بالنسبة للإنسان العراقي؟ أجبت بقائمة من الجرائم البشعة التي ارتكبها هذا الحزب العنصري الفاشي الشرير بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة، الحزب الذي فاق في طائفيته وعنصريته وجرائمه ضد الإنسانية، جميع الأحزاب العنصرية في التاريخ، مثل النازي الألماني، والفاشي الإيطالي، والبريتوري العنصري في جنوب أفريقيا وغيرها من الأحزاب الفاشستية التي انتهت إلى مزبلة التاريخ. طبعاً من الصعوبة بمكان ذكر جميع جرائم البعث في مقالة واحدة، لذلك أتقدم بالشكر الجزيل للأخوة القراء الذين علقوا على مقالي المشار إليه، وذكروا ما غاب عني من جرائم البعث، وما أضافوا من أفكار، إذ أعتبر تعليقاتهم مكملة للمقال وغنية بالمعلومات. على أية حال، يمكن إيجاز معنى البعث في مخيلة المواطن العراقي بكلمتين: البعث يعني الدمار الشامل.

هل من جدوى في الحوار مع البعث؟

وتتمة لنقاشنا، نطرح السؤال التالي: هل من جدوى في الحوار مع البعث؟؟

بدءً أود التأكيد على إني لست ضد حوار الحكومة برئاسة السيد نوري المالكي أو غيره، مع أية جهة معارضة للوضع العراقي الجديد، سواء على مستوى الأفراد أو تنظيمات سياسية، على شرط توافر النوايا الصادقة لدى هذه الجهات لخدمة العراق وشعبه، حرصها على النظام الديمقراطي ودولة المواطنة، وأن سبب مواقفها المناهضة للوضع الجديد ناتج عن سوء الفهم وأزمة الثقة وتوجس الريبة من الآخر، خوفاً من حرمانها من حقوقها المشروعة في الوطن...الخ. ففي هذه الحالة يكون الحوار واجب وطني، لأنه الوسيلة الوحيدة لحل الصراع وإزالة سوء الفهم، وبناء الثقة ومد الجسور بين الأطراف المتصارعة وأبناء الشعب الواحد. لذلك نسأل: هل تتوفر هذه الشروط عند البعثيين أو أية فئة من الفئات المعارضة المسلحة؟

الجواب: كلا، ويمكن أن نستخلصه من البيانات والتصريحات التي أصدرتها جهات بعثية عديدة وليست جهة واحدة، ولحسن حظ شعبنا، أن هذه الجهات البعثية العديدة، لا تخلو من صراعات حادة فيما بينها على تركة الحزب المنحل، فكل جهة منها تتحدث باسم البعث في ردها على دعوة السيد المالكي للحوار.

فبالإضافة إلى رد السيد خضير المرشدي، الذي طرح نفسه كناطق رسمي باسم البعث، والذي جئنا على ذكره في مقالنا السابق، وصلنا بيان مطول من جهة بعثية أخرى، مؤرخ في 14/3/2009، وموَقَّع من قِبَل جماعة أطلقت على نفسها(لجنة التنسيق لكوادر المستقلين والبعثيين "غير المنظمين لأي جناح" الرافضين للاحتلال والمعارضين للعملية السياسية.)

فهذه الجماعة، ولكونها (رافضة للاحتلال ومعارضة للعملية السياسية) فقد نسفت الحوار من أساسه، إذنْ، ما جدوى أن تجري حواراً مع جهة لا تعترف بك؟

ولكن رغم سلبيات البيان المذكور ولهجة العنتريات المعهودة في بيانات البعثيين في مثل هذه الحالات، هناك أمور إيجابية فيه لصالح العراق الديمقراطي، تؤكد صحة ما قلناه في مداخلاتنا السابقة وهي أن البعث قد انتهى، إذ يؤكد البيان المذكور هذه الحقيقة فيقول:

"ـ أما بخصوص مسألة البعث والبعثيين، فمن الضروري أن نؤكد أولاً على الحقيقة التي يريد البعض ولغايات معروفة طمسها والتجاوز عليها رغم إنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وهي أن البعث كبنيان تنظيمي وفق المفهوم المألوف لم يبقى منه شيئاً سوى تجمعات معروفة ِلمَنْ تبقى من قادة الحزب و كبار مسؤولي النظام وأجهزته، محاطين بالبعض من مساعديهم وأقاربهم ومعارفهم في الخارج والبعض منهم في الداخل، وهؤلاء يتصارعون في تكتلات معروفة على تركة الحزب التي لم يبقى منها سوى الاسم لأجل استخدامه في إثبات وجودهم وتحقيق غاياتهم في البحث عن دور لهم في مسألة الحكم في العراق ومستقبله." ويستنتج البيان: "إذاً إن الغالبية من البعثيين، بل هم الأكثر عدداً والسواد الأعظم، ليس لهم ارتباط ببعث عزة الدوري ولا ببعث محمد يونس الأحمد ولا ببعث سوريا / فوزي الراوي أو مهدي العبيدي أو محمد رشاد الشيخ راضي، ولا بغيرهم من المتنافسين على تمثيل الحزب كقيادة بلا قواعد،...الخ" انتهى.

ومن هذا الكلام نقول: وشهد شاهد من أهلها بـ"أن البعث كبنيان تنظيمي وفق المفهوم المألوف لم يبقى منه شيئاً..". وكما اعترف البيان، أن الغرض من هذه المناورات والظهور بمظهر القوة والرفض، والإدعاء بأنهم قادرون على تحقيق الأمن والاستقرار في حالة مشاركتهم في السلطة والاستجابة لمطالبهم، هذه الإدعاءات ما هي إلا عملية خداع أو ما يسمى ب(بلف bluff)، الغرض منه "تحقيق غاياتهم في البحث عن دور لهم في مسألة الحكم في العراق ومستقبله"

لذلك ننصح حكومة السيد المالكي، أن تقف موقفاً حازماً ورافضاً لهؤلاء، وأن ترفض إجراء أي حوار معهم على أساس قيادات، بل يمكن قبول، وحتى تشجيع عودة البعثيين الذين لم تلطخ أيديهم بدماء العراقيين، كأفراد وليسوا كتنظيم سياسي وإعادتهم إلى وظائفهم. فهذه العملية هي جارية منذ مدة. وإني أتفق مع الأخ القارئ، المحامي حيدر المعموري، الذي علق على مقالي في موقع (عراق الغد) قائلاً: "مما لا يخفى على أحد أن البعثيين قد رجعوا للمراكز الحساسة بالحكومة ولكنهم يتصورون أنفسهم بعدين عن أنظار المسؤولين... وما تصريح السيد المالكي لإعادة قسم منهم لوظائفهم إلا لكشف وجودهم تحت مظلة الدولة، وحتى لا يتوهم أحد منهم انه نجا بأفعاله القذرة إبان حكم البعث القذر، حيث إن المالكي يؤكد بأسلوبه المتميز بإدارة دفة السلطة يؤكد انه ليس من المنطق أن كل بعثي قذر وان انتمى، وانه ليس كل واحد غير بعثي فانه نظيف وان لم ينتمِ..... والحق أقول أننا بحاجه لخبرات العراقيين الذين أبعدوا عن الوطن لأنهم بعثيون، وإذا رجعوا وهم متأكدين بأن أيديهم نظيفة فأهلا بهم، هذا وطنهم ولا احد يزايد على احد. أما إذا استشعرت منهم الحكومة أنهم يعملون وفق أجندة إعادة البعث للسلطة فعليها أن تقول لهم لا أهلا ولا سهلا وعليها أن تجتثهم .." أعتقد أن هذا التعليق يعكس شعور غالبية العراقيين في موقفهم من البعثيين وعودتهم إلى وظائفهم، إذ يريدون عودة المسالمين منهم كأفراد وليس كحزب، وأنا مع هذا الرأي جملة وتفصيلاً.

الموقف الشعبي من البعث

من المؤكد أن البعث لم ينته كحزب وتنظيم وكيان وأيديولوجيا وفكر فحسب، بل انتهى جماهيرياً أيضاً وصار مكروهاً ومنبوذاً من قبل الشعب العراقي، إلى حد أنه مجرد وصف أحد بالبعث يعتبره شتيمة قذرة ضده. ولذلك نرى حتى من يريد من أيتام البعث أن يدافع عن البعثيين، يبدأ مداخلته بأنه ضد البعثيين وضد صدام ويختلف مع عفلق في بعض أفكاره...الخ، ومن ثم يضع كلمة (ولكن) ليصب سمومه المعهودة ضد خصوم البعث.

أما بالنسبة للشعب العراقي، فيعتبر أي تقارب أو حوار مع البعث كتنظيم سياسي، أمراً مرفوضاً، وهنا مقتطف من تقرير موقع إيلاف يشهد بذلك، جاء فيه: [ الهيئة العليا لإجتثاث البعث تؤكد مواصلتها لمهامها، تحرك شعبي ويوم تظاهرات لإسقاط دعوة عودة البعثيين : بدأت أوساط شعبية وسياسية عراقية معارضة لدعوة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لعناصر النظام السابق بالعودة إلى العراق والانخراط في العملية السياسية حيث أعلن اليوم عن تشكيل الحركة الشعبية لاجتثاث البعث لتنظيم حركة احتجاجات وتظاهرات موحدة داخل العراق وخارجه للمطالبة فيما أكدت الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أنها غير معنية بالمواقف السياسية وهي تواصل عملها وفق الدستور والقوانين النافذة .....وقال مسؤول حكومي أن "العمل باسم حزب البعث أو تحت أي واجهة من واجهات حزب البعث هو أمر محظور دستوريا ولا يستطيع أحد أن يتجاوز هذا الموضوع لكن البعثيين كأفراد هم الآن يعملون في الحياة السياسية وفي الحقيقة قسم كبير من أعضاء البرلمان الحالي هم من البعثيين السابقين" . (أسامه مهدي، تقرير إيلاف، 16/3/2009).

الاستنتاج والمقترحات:

وبناءً على ما تقدم، نستنتج ما يلي:

أولاً، ليس هناك بعث كبنيان سياسي، بل هناك أفراد من بقايا قادة سابقين بلا قواعد ولا نفوذ، لذا يجب عدم فتح أي حوار معهم، فالبعث انتهى وإلى غير رجعة، وهؤلاء يتظاهرون بقيادة حزب، ولكنهم مجرد مخادعين لا وزن لهم، مستغلين الوضع الأمني، وروح التسامح والتساهل لدى السلطة، فيسعون لتحقيق مكاسب شخصية ومواقع لهم في السلطة دون استحقاق.

ثانياً، أما القواعد السابقة من جمهرة البعثيين، فلا تربطهم الآن أية علاقة تنظيمية بالبعث كتنظيم سياسي، لأن هكذا تنظيم غير موجود أصلاً، والمطلوب من جمهور البعث الذين لم تلطخ أيديهم بدماء الشعب، العودة إلى صفوف الشعب والاعتذار منه والتعهد له بدعم الديمقراطية. وبالمقابل نهيب بأبناء شعبنا وخاصة النشطاء السياسيين منهم، إبداء روح التسامح، وتجنب المكارثية وسياسة مطاردة السحرة witch hunt ، فهذه السياسة مرفوضة لأنها تستغل لتصفية حسابات، يتضرر منها الأبرياء.

ثالثاً، أية دعوة من السيد المالكي للحوار مع البعث كتنظيم سياسي، تفقده الشعبية التي اكتسبها بجدارة لتحقيقه مكاسب لا يستهان بها في الأمن ودحر الإرهاب وعصابات الجريمة المنظمة، ولكن من السهولة أن يفقد هذه الشعبية ويخسر حزبه مكانته إذا ما اعتقد أن الحوار مع البعث يزيده شعبية.

رابعاً، خلال السنوات الثلاث الماضية، أثبت السيد نوري المالكي جدارة في قيادة الدولة، و بدعم المخلصين من مختلف الأحزاب السياسية وجماهير الشعب له، ولكن المرحلة مازالت صعبة وهشة ولا تتحمل المعارضة من أجل المعارضة. لذا فالواجب الوطني يتطلب ترك الخلافات الثانوية والمصالح الشخصية والفئوية جانباً، وإعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية وذلك بتقديم المزيد من الدعم لحكومة المالكي في مواجهة الإرهاب والفساد الإداري وعصابات الجريمة المنظمة لتثبيت ما تحقق من مكتسبات في الأمن والاستقرار، والبدء بالإعمار، وأن تكون هذه العارضة مبنية على محاسبة المسؤولين على التقصير، وتوجيه النقد البناء لتحسين أداء الحكومة لا للهدم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدونة الكاتب: