1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

هل كانت ثورة 14 تموز حتمية؟ 1

د عبد الخالق حسين

لو لم يتم اغتيال ثورة 14 تموز في الانقلاب الدموي يوم 8 شباط 1963، ولو سمح لها بمواصلة مسيرتها في تنفيذ برنامجها الإصلاحي في التنمية البشرية والاقتصادية، والسياسية والثقافية والعدالة الاجتماعية والمساواة بين أطياف الشعب العراقي، لما تساءلنا اليوم، هل كانت ثورة 14 تموز حتمية أو ضرورية؟

فبعد أن تم اغتيالها، وما حصل بعد ذلك من كوارث، راح كثيرون يتساءلون فيما لو كانت ثورة تموز ضرورية، ويلومونها، ويحملونها مسؤولية جميع الفواجع التي نزلت على العراق فيما بعد، بدلاً من إلقاء اللوم على الانقلابيين الذين قاموا باغتيال الثورة وإجهاض مسيرتها الحضارية. فلو لم تحصل جريمة 8 شباط 1963 لحققت الثورة معظم مشاريعها التي وعدت بها، وفعلاً استجابت حكومة الثورة بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، لمعظم استحقاقات التاريخ المتراكمة، وأنجزت خلال عمرها القصير، معظم برنامجها العمراني الذي وضعته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، إضافة إلى تحقيق الكثير من برامج الأحزاب المنضوية في جبهة الإتحاد الوطني، وخاصة برنامج الحزب الوطني الديمقراطي، ويشهد بذلك المؤرخ حنا بطاطو في كتابه عن تاريخ العراق الحديث.

ذكرنا في ندوات سابقة احتفاءً بهذه المناسبة، أن ما حدث يوم 14 تموز 1958 كان ثورة وليس انقلاباً، وذلك بشهادة أكاديميين عالميين مثل المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسون، والمؤرخ بطاطو وغيرهما.

وإذا سلمنا بأن ما حدث في ذلك اليوم كان ثورة، فهناك حقيقة أخرى تبرز لنا في صالح الحدث، وهي أن الثورات لا يمكن تفجيرها بفرمان من أحد أو حسب الرغبات، وإنما هي وليدة الظروف الموضوعية، تحصل إذا ما توفرت لها العوامل الذاتية، أي أدوات التنفيذ، التنظيم والقيادة. وكانت هذه العوامل الذاتية متوفرة في تنظيمين كبيرين، كانا يتمتعان بشعبية واسعة، وهما: الجناح العسكري، بتنظيم الضباط الأحرار، والتنظيم السياسي المدني، المتمثل في أحزاب جبهة الاتحادي الوطني، إضافة إلى تعبئة الجماهير نفسياً وشعورها العارم بالحاجة إلى التغيير الثوري.

والسؤل التالي هو، ما هي الظروف الموضوعية التي نمت في رحمها ثورة 14 تموز 1958؟

للإجابة على هذا السؤال نحتاج إلى مراجعة سريعة لتاريخ العراق الحديث والتأمل في الموروث الاجتماعي للشعب العراقي.

العداء المستفحل بين الشعب والحكومة

لسوء حضه، ورث العهد الملكي عداءً ضده منذ ولادته. وهذا العداء بين الشعب العراقي والحكومات العراقية المتعاقبة لم يكن جديداً، بل له جذوره التاريخية الضاربة في العمق منذ التاريخ المدون، وتذمر الحكام من العراقيين وتمرداتهم على الحكام، منذ الاسكندر المقدوني، ومروراً بحكم الحجاج في العهد الأموي وما تلته من عهود، وبالأخص في العهد العثماني الذي دام أربعة قرون من المظالم والانحطاط الحضاري، والذي أوصل الشعب العراقي إلى حافة الانقراض قبيل الحرب العالمية الأولى وتحريره من الاستعمار العثماني على أيدي البريطانيين ومن ثم ولادة الدولة العراقية الحديثقة.

لذلك فالعداء للحكومة تجذر عبر الأجيال في وعي الشعب وصار جزءً لا يتجزأ من ثقافته الشعبية، أي موروثه الاجتماعي (culture). وعليه فمن الطبيعي إذا ما تبنى الشعب العراقي العداء ضد حكومات العهد الملكي ومنذ ولادة الدولة العراقية الحديثة عام 1921، خاصة وأن هذه الولادة تمت على يد القابلة البريطانية، أي الاستعمار "الكافر". ولذلك أيضاً، شئنا أم أبينا، فقد وصم الشعب العراقي العهد الملكي بأنه عميل للاستعمار، بغض النظر عما قدمه هذا العهد من منجزات للشعب العراقي رغم ظروف التخلف والشح المادي والافتقار إلى الخبرات البشرية. وقد اتفق في هذا العداء لحكومات العهد الملكي جميع شرائح الشعب، من الأحزاب السياسية المعارضة، والمثقفين (الانتلجنسيا) ورجال الدين، إضافة إلى جماهير الشعب الفقيرة، إلى درجة أن اعتبر الولاء للحكومة خيانة وطنية، والعداء لها شهادة بالوطنية!!.

وبالمقابل، ولقصر نظرها، وافتقارها إلى الحكمة والحنكة السياسية، كانت الحكومات المتعاقبة تقوم بدورها الفعال في تغذية وتأجيج هذا العداء، وسنأتي لبيان ذلك لاحقاً.

هل كان العهد الملكي مستقراً ومزدهراً؟

كثير من المثقفين والمعلقين المهتمين بالشأن العراقي يرددون بمناسبة وبدونها، وخاصة بعد أن حصل ما حصل من كوارث فيما بعد، أن العهد الملكي كان عهد الديمقراطية والاستقرار والازدهار لولا ثورة 14 تموز التي اقتلعت النبتة الديمقراطية الطرية، وفتحت عهداً جديداً من الدمار والخراب وسلسلة الانقلابات العسكرية وعدم الاستقرار. فمدى صحة ذلك؟

ولنكن منصفين، نقول نعم كانت بدايات تأسيس الدولة العراقية الحديثة واعدة بمستقبل زاهر، ويعود الفضل في ذلك كما أعتقد بالدرجة الأولى إلى حكمة وحنكة المرحوم الملك فيصل الأول، وخبرته التي اكتسبها من تجربته الفاشلة في سوريا. فكان الرجل يتمتع بشخصية كارزماتية جذابة، ومؤثرة، وبزعامة روحية، فكان يحظى باحترام مختلف القيادات، السياسية والدينية والعشائرية، وكان يلتقي بقيادات المعارضة ويشرح لهم المصاعب التي تواجهها الدولة الفتية، ويعدهم بالاستجابة لمطالبهم وتحقيق طموحاتهم في الاستقلال الناجز وبمستقبل زاهر، وبأن الخير قادم على شرط أن لا يقوموا بأي عمل عنفي يزعزع أمن واستقرار الدولة. وكان الرجل متفهما بعمق لمشاكل العراق، ذكرها في مذكرة له وزعها على رجالات الحكم عام 1933، مبيناً فيها مشاكل الشعب العراقي والصراعات بين مكوناته وتفشي التذمر بينها من الحكومة، وعدم تجانسها، واقترح الحلول المطلوبة لتحويل هذه المكونات المتصارعة إلى شعب متجانس ومتماسك. وفعلاً سارت الأمور في عهده بسلام ماعدا المجزرة المروعة التي ارتكبها الفريق بكر صدقي ضد الآثوريين في غياب الملك، واستنكرها الملك بشدة، ويُعتقد أن كان لها دور في موته المفاجئ والمبكر من شدة الانفعال.

كان الصراع عنيفاً ليس بين أفراد النخبة الحاكمة وبين المعارضة الوطنية فحسب، بل وحتى بين رجال الحكم أنفسهم. وكان الملك فيصل الأول عبارة عن صمام أمان ومركز الجذب يجذب إليه القيادات المتنافرة، يمنع الصدام فيما بينهم، محافظاً على تماسكهم الشكلي على الأقل. ولكن لسوء حظ الشعب العراقي أن الملك المؤسس توفي في وقت مبكر بعد أشهر من كتابة مذكرته المشار إليها. ومنذ وفاته، لم ير العراق أي استقرار حتى هذه الساعة، إذ انفرط العقد بين قادة الكتل الحاكمة مثل ياسين الهاشمي ورشيد عالي الكيلاني، ونوري السعيد، وحكمت سليمان وغيرهم،، فبدأت الصراعات الدموية فيما بينهم تظهر على السطح بعد وفاة الملك، فما أن يترأس الوزارة أحدهم حتى ويتآمر الآخرون على الحكومة، فيحركون العشائر ضدها في انتفاضات عشائرية مسلحة هنا وهناك مما تضطر الحكومة بمواجهتها بالقسوة المفرطة. وهذه المسائل مدونة في كتب تاريخ العراق الحديث ومذكرات أقطاب ذلك العهد.

ومن نتائج هذه الصراعات بعد وفاة الملك المؤسس، تدشين عهد الانقلابات التي بدأت بانقلاب بكر صدقي عام 1936، وما تلاه من انقلابات عسكرية أخرى. كذلك شهدت البلاد سلسلة من الانتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية، والتمردات العشائرية المسلحة طوال تاريخ العهد الملكي، وكانت الحكومة تواجهها جميعاً بالبطش المفرط وإصدار القرارات التعسفية بمصادرة الحريات العامة، وملء السجون بالمعتقلين السياسيين، كما وتم قتل متظاهرين أمام السفارة البريطانية عام 1946، وقتل أكثر من أربعين من عمال النفط المضربين في مجزرة كاور باغي في كركوك في العام نفسه، إضافة إلى قتل متظاهرين في شوارع بغداد في وثبة كانون 1948 التي حوكم وأعدم على أثرها قادة الحزب الشيوعي العراقي عام 1949. وفي انتفاضة تشرين 1952 أستشهد متظاهرون. كما وقتلت الشرطة بأمر من السلطات العليا عشرات السجناء السياسيين بالرصاص في سجن الكوت وسجن بغداد المركزي عام 1953، لا لشيء إلا لأنهم اضربوا عن الطعام احتجاجاً على سوء أوضاعهم داخل السجن.

ومن الأدلة الأخرى على عدم الاستقرار في العهد الملكي، أن تألف في ذلك العهد 16 مجلساً نيابياً، أستكمل مجلس نيابي واحد فقط دورته الاعتيادية وهي أربعة أعوام. كما وأُعلِنت الأحكام العرفية 16 مرة بين عامي 1921-1958، أي نحو 50% من العهد الملكي كان تحت الحكم العرفي العسكري، إضافة إلى انتهاكات ضد الدستور مثل إسقاط الجنسية عن العديد من المعارضين من مختلف الاتجاهات السياسية، كما وتفشت ظاهرة التعذيب على أيدي أجهزة الأمن وغيرها من الانتهاكات مثل قيامه بإعدام قيادة الحزب الشيوعي العراقي دون أي مبرر إلا بسبب الاختلاف الأيديولوجي ورغم ادعاء النظام بالديمقراطية الليبرالية.

نستنتج من كل ما تقدم أن عهداً لازمته كل هذه الفوضى الدائمة لا يمكن أن نسميه بعهد الديمقراطية والاستقرار والازدهار.