1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

هل العراق بحاجة ماسة إلى جبهة ديمقراطية واسعة؟

د كاظم حبيب

إن المتابعة الدقيقة والمستمرة لما يجري على الساحة السياسية العراقية خلال الفترة التي أعقبت إسقاط النظام الدكتاتوري الفاشي حتى الآن تؤكد بما لا يقبل الشك أن العراق بحاجة إلى ضمان مسألتين مهمتين, وهما:

1 . إنه بحاجة إلى قوى سياسية يسارية ذات نهج ديمقراطي تناضل من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة في المواطنة ورفض التمييز بمختلف أشكاله وصور ظهوره ومكافحة البطالة وتحسين ظروف العمل وحل المسألة الزراعية وتعجيل التوجه صوب التصنيع وبناء قاعدة اقتصادية متينة تستند إلى الموارد الأولية المتوفرة في البلاد, ومنها بشكل خاص النفط الخام والغاز الطبيعي, ومن أجل بناء المجتمع المدني الديمقراطي والدولة المدنية الديمقراطية التي تستند إلى الحياة والمؤسسات الدستورية والبرلمانية والفصل بين السلطات والتداول السلمي الديمقراطي البرلماني للسلطة. وهو بحاجة إلى قوى يسارية متآلفة ومتحالفة وقادرة على تشكيل رقم مهم مؤثر في الحياة السياسية العراقية لا تبقى تتحرك على هامش الحياة السياسية وتكتفي بالتثقيف العام للمجتمع أو تتحرك في مكانها. كما أن من المفروض أن تدرك جميع قوى اليسار في العراق بأن كلاً منها على انفراد غير قادر على تحقيق نتائج إيجابية كبيرة, سواء أكان على صعيد الانتخابات العامة, أم على مستوى مجالس المحافظات, أم على صعيد تحقيق أهداف الفئات الاجتماعية الكادحة المنتجة للخيرات المادية والفقيرة والمعوزة لتقديم الدعم والمساعدة لها للخروج من حالة الكفاف أو العيش تحت خطر الفقر الدولي المحدد للدول النامية أو البطالة الهادرة للكرامة.

2 . ولكن الساحة السياسية العراقية بحاجة ماسة حقاً إلى أكثر من ذلك , إنها بحاجة إلى قوى ديمقراطية أخرى أيضاً, إلى أحزاب سياسية وطنية ديمقراطية قادرة على تعبئة قوى الوسط ويسار ويمين الوسط في إطار الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة وغيرها من الفئات الاجتماعية, وبمعنى أخر, فالعراق بحاجة إلى أحزاب وطنية ديمقراطية يمكن أن تلتقي في جبهة عريضة مع أحزاب اليسار الوطنية بسبب أهدافهما الوطنية العامة المشتركة وبسبب سعيهما المشترك لصالح إقامة الدولة الديمقراطية البرلمانية والمجتمع المدني الديمقراطي القائم على أساس الحياة الدستورية والدولة المؤسسية والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة.

إن الطبقة الوسطى في العراق تتكون لتوها مجدداً بعد أن غيبت عملياً ما يقرب من أربعة عقود وفي الكثير من المجالات الاقتصادية والحياة السياسية, رغم أنها لا تزال ضعيفة وبعيدة عن المجال الصناعي الحديث والذي كما يبدو أنها سياسة مقصودة يراد بها إضعاف الطبقة الوسطى الصناعية وإبقاء البلد خاضعاً لموارد النفط المالية والاستيراد من الخارج وأن يبقى مكشوفاً لها, إضافة إلى إبقاء المجتمع العراقي مجتمعاً عشائرياً استخراجياً واستهلاكياً غير منتج للسلع الزراعية والصناعية يستهلك دخله القومي دون أن يعظّم الثروة الوطنية ويحقق التراكم المنشود وبما يسهم في تغيير بنية الاقتصاد الوطني وبنية الدخل القومي والبنية الاجتماعية وكذلك الوعي الاجتماعي والديني في البلاد. إنها سياسة خطرة لا يمكن مواجهتها إلا بتحالف القوى الديمقراطية من مختلف الفئات الاجتماعية وعلى مستوى العراق كله.

إلا أن هذا التوجه نحو قوى اليسار والقوى الديمقراطية الأخرى باعتبارها قوى سياسية وأحزاب وطنية غير كاف لمواجهة تحالفات سياسية يمينية, سواء أكانت إسلامية سياسية طائفية أم قومية, ما لم يجر التحرك على عدة اتجاهات أساسية في المجتمع العراقي, وهي:

أ . نحو منظمات المجتمع المدني الديمقراطية مثل النقابات العمالية والمهنية الكثيرة في العراق والجمعيات العاملة في مجالات الفنون والآداب والموسيقى والغناء والثقافة بشكل عام للتأثير الإيجابي عليها للمشاركة في الحياة العامة والانتخابات مع بقائها مستقلة من حيث المبدأ سياسياً.

ب . التوجه صوب الشبيبة العراقية, من النساء والرجال, التي تشكل نسبة عالية من سكان العراق والتي يهمها أن تعيش في أجواء الحرية والديمقراطية ورفع القيود المحددة لحركتها ونشاطاتها المتنوعة وضمان توفير كل مستلزمات تطورها الفكري والاجتماعي والفني والرياضي...الخ.

ج . التوجه صوب النساء العراقيات اللواتي حُرمن من الكثير من حقوقهن المشروعة والعادلة في الدستور أولاً, وفي الحياة العملية والممارسة اليومية ثانياً, وخضوعهن لإجراءات وعادات وتقاليد بالية تحط من مكانة ودور واستقلالية شخصية المرأة وكأنها إنسان من الدرجة الثانية.

إن النساء في العراق يشكلن قوة كبيرة فهن أكثر من نصف المجتمع ويهيمن على نسبة كبيرة منهن الجهل والأمية والخشية من التقاليد والعادات ومن الرجل, إضافة إلى دور المؤسسات الدينية والكثير من شيوخ الدين في تعميق هذه الوجهة السلبية في حياة المرأة. نحن بحاجة إلى توعية تنويرية في المجتمع النسوي العراقي, بحاجة إلى رفع الغشاوة عن عيون وعقول الغالبية العظمى منهن, علينا أن نبدأ مجدداً في العمل الدؤوب لتغيير واقع المرأة ووعيها ودورها في المجتمع وفي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية, إنها المهمة الكبيرة التي يفترض أن تنهض بها القوى الديمقراطية لأن غيرها من القوى لا يريد للمرأة غير الحالة الراهنة أو أكثر غوصاً في الجهل والأمية ومزيداً من الاختفاء وراء الحجاب.

د . وعلى القوى الديمقراطية أن تتوجه صوب أتباع القوميات الأخرى وأتباع الأديان الأخرى أيضاً, هذه الجماعات السكانية تعاني اليوم من التمييز في المواطنة وفي التعامل اليومي والتي تواجه أخطار الموت على أيدي القوى الإرهابية المتطرفة والطائفية المقيتة, رغم أن قوى الإرهاب تلاحق الشعب العراقي كله, ولكن هناك نية مبيتة لدى الأوساط الإسلامية السياسية الإرهابية والكثير من القوى الطائفية المتطرفة التي تسعى إلى "تنظيف العراق!" من أتباع هذه القوميات وأتباع الأديان الأخرى. وعلينا أن نلاحظ ذلك بوضوح كبير, إذ ما جرى مع المسيحيين والصابئة المندائيين أو الإيزيديين المقيمين في الأقضية والنواحي التابعة لمحافظة الموصل إدارياً يمكن أن يتكرر في كل لحظة. إننا إذ نعمل بحرص ومسؤولية للحفاظ على حياة هؤلاء الناس, نحافظ في الوقت نفسه على التنوع الرائع في الحياة القومية والدينية في العراق, فهو موزائيك جميل وينبغي منع تفليشه.

هـ . إن العمل في هذه الأوساط الاجتماعية والفئات العمرية المختلفة يستوجب صياغة شعارات تمس مصالحهم الآنية وحاجاتهم المشروعة الراهنة والابتعاد عن تلك الأهداف المستقبلية التي يفترض أن يتضمنها برنامج حزب سياسي يساري أو ديمقراطي بشكل عام, إذ أن البرنامج مطروح للنقاش وعلى المجتمع كله ويمكن ترويجه باستمرار , في حين أن البرنامج الانتخابي يفترض أن يتضمن ما هو راهن وعملي يوضع في المقدمة من الحملة الانتخابية والتحري عن السبل في كسب هؤلاء الناس للمطالبة بتحقيق تلك الأهداف, مثل الكهرباء أو الماء أو النقل أو العمل أو تنظيف الشوارع وتخليص الناس من أكوام القمامة وتعمير الشوارع المدمرة وإقامة ساحات للرياضة أو توفير ملاعب للأطفال أو تأمين الكتب الدراسية أو تنظيم القبول في الجامعات والكليات والبعثات الدراسية والزمالات التي تمس الطلبة مباشرة وعائلاتهم لمنع استخدام أساليب غير نظيفة, أو استعادة بناء مجلس الخدمة العامة لتجنب المحسوبية والمنسوبية والمحاصة الطائفية, أو مكافحة الفساد المالي والإداري ابتداء من نشاط الرئاسات الثلاث ومجلسي الوزراء والوزراء والوزارات والمؤسسات ومجالس المحافظات, وتنظيم التجارة الخارجية والداخلية والرقابة على النوعية من خلال هيئة المقاييس وضبط أسعار السلع وسبل تنظيم الدعم الحكومي والكوبونات للعائلات الكادحة والمحتاجة فقط....الخ.

و . ولا بد من خوض نقاش واسع مع برامج القوى الأخرى, وخاصة برامج قوى الإسلام السياسية الحاكمة, التي "ذرعت بالجنة" وعمدت إلى إعطاء الانطباع بأنها ستجعل "الهور مرگ والزور خواشيگ" والعشاء لم يكن في حقيقة الأمر سوى "الخباز", إن على القوى الديمقراطية أن تقدم البراهين, وهي ساطعة على ما يعانيه الناس في مقابل الوعود من جهة, وكيف تعيش الفئة الحاكمة برفاهية وكهرباء مستمر من جهة أخرى. .

إن الانتخابات القادمة تستوجب تكثيف العمل المشترك لكل القوى الديمقراطية والعلمانية العراقية من أجل بناء جبهة سياسية واسعة أو تحالف واسع لصالح خوض الانتخابات والتي ستكون قاعدة وأساساً جيداً لبناء التحالف الاستراتيجي المنشود, إن النجاحات الصغيرة هي التي تخلق أرضية مشتركة لنجاحات أكبر وعلاقات أمتن وتقرب تدريجاً من الفهم المتبادل لما يحتاجه العراق خلال الفترة القادمة.

لنعمل من أجل رفع الهمم لتحقيق ما عجزنا عن تحقيقه حتى الآن رغم الجهود المبذولة والتي كما يبدو لم تكن كافية, كما جاء في مقالة العزيز الدكتور حسان عاكف, عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي. إن إدراك المصاعب التي تواجه تحقيق مثل هذه العملية لا يمنع من العمل من أجلها, بل يتطلب المزيد من الجهد ومن الجميع لضمان الوصول بأقرب فرصة ممكنة لتحقيق ذلك, وأن نستمر في الحفاظ عليه وتطويره وليس نسيانه بعد الانتهاء من الانتخابات أياً كانت النتائج التي يمكن أن يخرج بها تحالف القوى الديمقراطية العراقية. من المفيد أن يستعيد تحالف "مدنيون" دوره ويتوسع مع قوى ديمقراطية أخرى ليصبح قادراً على التأثير الإيجابي في الانتخابات القادمة.

المسيرة طويلة والمهمات كثيرة ومعقدة, ولكنها تستحق وتستوجب بذل المزيد من الجهد لصالح تأمين مستلزمات تحقيقها ولو على مراحل.