1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

نرى القذى في عين الغرب و لا نرى العود في عيننا

سهيل أحمد بهجت

يشكل العقل الشرقي المريض و المصاب بعبادة الأنا المتعالية – اتخذ إلهه هواه – أحد أهم أسباب تخلف الشرق و عقدته المتمثلة في تضخم الأنا، و هناك عشرات الأمثلة و الأنماط المتكررة في شريحة أو نخبة المثقفين في العالم الإسلامي، و المرحوم عبد الوهاب المسيري – صاحب المؤلفات و المصنفات و أشهرها موسوعته حول اليهود – هو خير مثال أو نموذج نستطيع الاستشهاد به، و نحن بصدد تأليف كتاب يحوي جزء منه نقدا لكثير من أفكار هذا الرجل الذي كنت أرجو لو أنه كان حيا ليرد على ما يوجه له من نقد و أرجو أن يقوم معجبوه و مقلدوه بهذا الدور.

كتب المسيري في حياته الكثير الكثير عن الغرب العلماني الرأسمالي و عن اليهودية و الصهيونية و محنة الشرق في تحوله إلى التغريب و خضوعه للاستعمار الغربي، لكن الرجل و مثل كثير من مفكرينا و فلاسفتنا قفز الرجل على كل الآفات و الدكتاتوريات و الأمراض الأخلاقية و النفسية و الاجتماعية و النزعات القومية و الطائفية التي عاشها و يعيشها شرقنا الإسلامي، و من ضمن ما يكرره على الدوام هو ادعائه أن الغرب أصبح يعيش حالة من الروتين و النمطية المتكررة كنتيجة طبيعية للعلمنة الشاملة و خلق منطق يقوم على أن الإنسان هو مركز الكون و نتيجة ذلك أن هذا المنطق نفسه يزيح الإنسان من هذا المركز، و الحقيقة أن هذا القول و إن كان صادقا في ظاهره إلا أن الباحث سيجد فيه كثيرا من التحامل و اللا واقعية، فالإنسان كإنسان سيبقى مخلوقا ناقصا كون النقص و السلب جزءا من كونه إنسانا، فالمسيري – و هو ليس استثناءا من الحالة الفكرية التي نعيشها – يريد لنا أن نعثر معه على ذلك الإنسان السـوبرمان الخارق الذي لا يخطيء و لا يعيش الروتين و لا يكون فقيرا جدا ولا غنيا جدا و لا جاهلا و لا.. إلى غير ذلك من الخيالات الأفلاطونية و فقدان مشروع بديل لهذه التجربة الغربية، و يبدو لي أن المسيري رغم تمسكه في أواخر حياته بالمنهج الديني الإسلامي إلا أن نقده للغرب بقي انعكاسا واضحا لإلتزامه الماركسي الشيوعي و معروف أن الفكر الماركسي يبحث عن مجرد تبريرات للاستمرار في الصراع مع الغرب.

إن الإنسان و في كل زمان يعيش حالات من أنماط معينة تفرض نفسها على المجتمع، ففي عصور ما قبل العلمانية كنظام حديث للحكم سنجد أن المجتمعات الدينية – الإسلامية – المسيحية – اليهودية و غيرها من الأديان، خلقت مجتمعات ذات أنماط مكررة أو بعبارة أخرى فإن أفراد هذه المجتمعات "المتدينين" هم تكرار متواصل من حيث نمط العيش و الإيمان و الطقوس و حتى الأسماء و النعوت و الألقاب، و هذا موجود في كل التجارب الدينية، فمثلا نجد أن دينا من هذه الأديان يحرص على إطلاق أسماء محددة بين أفراده، فبين المسلمين يكثر اسم محمد و علي و عمر و بين المسيحيين يتكرر يسوع أو بولس أو بطرس و بين اليهود نجد العازر و يهوذا و إسحاق و هكذا، فالنمطية تكاد تكون صفة ملازمة للإنسان الذي هو كائن محدد و مقيد بنمط من الحياة و الشكل و القسمات التي و إن اختلفت قليلا من مكان إلى آخر فإنها تبقى متقاربة، فأغلب المجتمعات تعيش ذات الروتين مع اختلاف في نمط و درجة الحياة المادية و المداخيل، فالعلمانية الغربية جاءت لتقلب صورة من الظلم و الهيمنة باسم الغيب، و إذا كانت كفة العقل تطرفت لصالح المادية الإلحادية – النمط السوفيتي و الصيني و النازي و البعثي – فإن ذلك في الغالب كان مرده إلى رد الفعل الذي نتج عن الكم الهائل من الظلم الذي كان يبرر عبر الوسائل الدينية و باسم الله.

إن جعل الإنسان مركزا للكون لا يعني أنه لا يستوحي وجوده في المركز من أثر إلهي أو فوق طبيعي، و لكن مركزية الإنسان جاءت كنتيجة للإلغاء الذي كان يمحو إنسانية الإنسان بحجة و بتبرير من مركزية فكرة "الإله"، فالإله خلق الإنسان ليكون الإنسان غاية نفسه، و ما الآيات و الأحاديث التي تخبرنا بأن الله غني عن صلاتنا و عباداتنا إلا دليل منطقي على واجب توجه الإنسان إلى نفسه للإرتقاء بهذه الذات و الوصول بها إلى الحرية، فأي النمطيتين أفضليا ترى؟ ذلك الذي يعمل بشكل متكرر في مصنع للروبوتات و أجهزة غزو الفضاء و الأدوات الطبية؟ أم ذلك الشرقي الذي "يعمل بشكل متكرر" في بيع بضعة أرغفة أو جمع القمامة – و بشكل يهدد الصحة العامة – أو العمل كخادم أو خادمة أو .. أو..

إن هذا تبرير واضح من المرحوم المسيري – و هو نموذجنا عن المثقف الشرقي – للتخلف و الجهل و الاستبداد و الطبقية التي نعيشها، إنه أشبه بذلك العامي الجاهل الذي قال مجادلا في إحدى المقاهي:

ــ أنظروا إلى الغرب كيف جلب لهم الانحلال الأيدز..."!! فقال له أحد الشطار ضاحكا:

ــ و ماذا لو جاء هذا المرض إلى بلادنا..؟ بالتأكيد سيقضي علينا جميعا قبل أن نعرف ما هو هذا المرض.."

إن تبرير الجهل و الخرافة و الاستبداد لهو في رأيي من أقوى أسباب التخلف، هذا إن لم يكن هو التخلف بعينه، ففي القرون الوسطى و حين كان الغربي يجهل الإسلام و المسلمين و يعتبرنا أمة وثنية، كان ضعيفا و مهزوزا أمام "الإستعمار الإسلامي" لبلدان العالم الروماني المسيحي، و لكن ما أن بدأ الإنسان الغربي و بعد الحروب "الصليبية"، كما يسميها المسلمون المعاصرون، بنزع رداء الخوف و الكراهية و راح يبحث و يقرأ هذه الحضارة، حتى أصبح أقوى منها و خاض غمار البحار، بينما انطوى المسلمون و همشوا أنفسهم بفضل "السلفية" و الحرص على ميراث مزعوم للمسلمين، و طالما بقينا "مسيريين" نحمل الآخرين تبعات أخطاءنا و أفعالنا و لا نرى في أنفسنا إلا ملائكة لا تخطيء و أن الآخرين هم شياطين مرجومة ملعونة، فإننا سنبقى أسرى التخلف و الجهل و الاستبداد، و ما أمثال الدكتور المسيري إلا جزء أساسي من المرض الكبير الذي نعانيه.