1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

نحو.. عقل عراقي جــــــديد

سهيل أحمد بهجت

أثبتت التجربة العراقية التي خاض غمارها العراقيون خلال السنوات الماضية أن التحالفات السياسية الطائفية و العرقية و المناطقية لا يمكن أن تبني نظاما سليما و مستقرا، و مهما وعدنا هؤلاء المتاجرون بآلام و مآسي العراقيين بأن الاستقرار سيكون هو الهدف الذي سنصل إليه، كل هذا هو محض تخدير و افتراء لإلهاء العراقيين عن الفكرة الوطنية العراقية الخالصة، و مهما حاول رؤساء الكتل السياسية إطلاق تسميات العراق على قوائمهم فهم لا يستطيعون نفي الحقيقة الساطعة في أنهم يفتتون العراق و شعبه بدل أن يكونوا سبب ارتباط و وحدة يكون شعارها الحرية و الديمقراطية و حقوق الفرد على أساس الانتماء الوطني.

لا بد للمواطن من وعي جديد يقوم على فكرة مبسطة و لكنها في الوقت نفسه ذات مضمون فلسفي عميق، هذه الفكرة تقوم على أساس أن الانتماء إلى العراق و الالتزام بقوانينه هو المعيار الحقيقي لقياس نزاهة الإنسان و مدى فاعليته الإيجابية لهذا الشعب و البلد، بينما نجد كل طرف من كل حزب يرفع شعارات "التقوى"، "الورع"، "كثرة البكاء و الخشوع"، "ختمات القرآن"!! هذا إن كان طائفيا و "النضال"، "حشود الجماهير"، "عهود الوفاء للبطل القومي" إن كان عرقيا قوميا، و الحقيقة أن كلا الطرفين سوف لن يحل مشكلة الكهرباء و الماء و فقدان الخدمات و تفشي الأمراض، لسبب بسيط هو أن هذه الأحزاب لا تملك أي برنامج سياسي و المواطن ليس أبدا جزءا من الهم السياسي، فالمواطن مفقود و ضائع، بينما نجد "الأمة القومية العربية و غير العربية" و "الأمة الإسلامية" و غيرها من الخرافات و الدجل و الشعوذة هو ما يسوق إلى الساحة.

و ما دامت أحزابنا في غالبها طائفية أو قومية فإن المؤكد أنها ستجر أرجل الجيران الإقليميين إلى التدخل حتى في أتفه الأمور السياسية و الاجتماعية، بل و حتى التصارع مع الآخرين على أرض العراق بأموال العراقيين و دمائهم، من هنا كان حتما على العراقيين أن يقرروا في المستقبل في أن يتخلوا عن كل هؤلاء الجالبين للدمار و الذين يقدمون الآن ملايين الدولارات إلى البعثيين بينما أبناء المقابر الجماعية و ضحايا الحروب و المعتقلات يعانون لحد هذه اللحظة، فسواءٌ كانت العمامة سوداء أو بيضاء أو أي لون آخر، فهي ما دامت تحمل هذه العقلية الشعاراتية فإنها من المستحيل أن تخلق تغييرا جذريا للشعب العراقي، فبينما ينتفخ بطل قومي في احتفال قومي – رغم أن أهم إنجازاته هو خلق طبقية فظيعة – يتبختر بطل من نوع آخر طائفي ليذرف على جده الإمام الحسين دموع التماسيح بينما هو يحضر إبنه لوراثة الزعامة على الطريقة الأموية السفيانية كافرا بكل القيم الديمقراطية و لأن حكم الشعب يعني وقوفا بوجه "الحكم الإلهي"، و حينما يلقي خطابا أو يشترك أحد المسؤولين التابعين له في أي اجتماع نجد أكواما من الزهور و الورود أمام هذا المسؤول بينما أبناء الشعب يشمّون الروائح الكريهة بسبب فشل الحكومة، مثل هذه النماذج ينبغي أن لا تكون قدوة للعراقيين كونها فئوية و هي نقيض الثقافة الوطنية "الإنســـــــــانــــــية" التي تجعل من الإنسان المقياس الأوحد لكل شيء، فكل حقيقة نسبية إلا كونه إنسانا.

لكن بناء هكذا ثقافة و وعي يحتاج جهودا جبارة ليس من الإعلاميين و المثقفين و السياسيين فحسب، بل مساهمة أساسية من رجال الدين الإصلاحيين، و يعنيني ها هنا الإصلاح داخل المذهب الشيعي الذي ينتمي إليه غالبية العراقيين، هذا الإصلاح و الذي يملك قرونا من استخدام الدين منفصلا عن الدولة يمثل فرصة و تراثا جديرا بالبحث و الدراسة، فطالما كان الدين فكرة جماعة و ليس فكرا يعتني بالفرد فإننا سنبقى نعاني من استغلال الحلال و الحرام للسياسة مع أن الحلية و الحرمة هما أمران نسبيان يخضعان لموقف و حالة الفرد الذي يقرر كونه منفصلا عن عقل الفقيه ما إذا كان من الضروري اتخاذ هذا الموقف أو ذاك، بينما نجد أيضا أن التجربة التركية "العلمانية" في دولة ذات غالبية مسلمة – سنية – استطاعت أن تؤلف تفاهما و انسجاما بين الدين كشعور فردي شخصي اجتهادي مسالم و دولة تتعامل مع المواطنين على أساس القانون و المساواة مما فتح أبواب و آفاق التطور أمام تركيا كأمة و دولة.

لكننا في العراق نعاني من تشوهات فكرية لأسباب مختلفة، لكن أحد أهم الأسباب هو اتخاذ الدين ذريعة لخلق الصبر و القناعة لدى المواطن على تقصير حكومة لدولة غنية و تملك موارد هائلة، و المؤسف هو أن هناك من أشباه المثقفين و الكتاب من يروج لفكرة الأقاليم القومية و الطائفية و ينظر إلى العراقي الآخر على أنه عدو يجب الحذر منه، و كلما أمعنت الطوائف و القوميات في اتخاذ مواقف كهذه بداعي الخوف أو احتياطا للمستقبل، كلما كانت النتيجة انهيارا أكبر و ضعفا للدولة و الأقاليم في آن واحد، لكن لو سعى كل طرف إلى مزيد من التلاقح الفكري و توفير الحرية لكل الناس و لكل فرد كلما كان ذلك سببا في خلق مزيد من الثقة و الطمأنينة و رسوخ القانون.

مواضيع ذات صلة