1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

من دولة العشيرة إلى دولة القانون

سهيل أحمد بهجت

حينما يعيش أي مجتمع من المجتمعات حالة الانغلاق و هيمنة الحزب و الفكر الأوحد و حتى التفسير الأوحد للدين، تبدأ أنماط من الشذوذ الجنسي و العقلي و الاجتماعي بالبروز كنتيجة طبيعية لحالة الانغلاق الذهني و حتى الأخلاقي و تنشأ علاقات اجتماعية سلبية – كالزواج من الأقارب السائدة في مناطق عشائرية – و من المفارقات التي توجد في مناطق من هذا التصنيف الذي يذكرنا بأجواء هيمنة البعث القومي، هو أن السلطة المهيمنة ترفع الكثير الكثير من الشعارات "التقدمية" و حقوق المرأة و كرامتها و الحريات الفردية، إلا أن هذه السلطة القومية نفسها تقتل المرأة – باسم العرف العشائري – و تدعم التطرف الديني و تنمّيه لأن هذا الإسلام المصنع حكوميا هو الدرع الحقيقي لهيمنة الدكتاتورية و الخطاب القومجي الذي يفتت الوحدة الوطنية العراقية.

من هنا نجد أن إحدى المدارس و حينما تأتي المعلمة لتدرس الطلبة المراهقين عن جسم الإنسان فإنها تشرح كل شيء بشكل ممتاز و لكن ما أن يصل الطلاب إلى موضوع "الأعضاء التناسلية" حتى تطلب المعلمة من الطلاب تجاوز تلك الصفحات لأنها "لا أخلاقية" أو قد تثير الأقاويل، إن هذه القصة الحقيقية هي قطرة من بحر التخلف العقلي و الأخلاقي الذي نعيشه و المؤلم أيضا أن كل هذا التخلف قد تم دمغه بالمقدس فأصبح الشخص العلمي و الحداثي – فاجرا فاسقا ملحدا – و يتناسى رجال الدين "السنة خصوصا" آلاف الآيات و الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الجنس و العلاقات كشأن إنساني ضروري، و هذا الجهل بالأشياء أوقع الكثير من الناس في مشاكل صحية و اجتماعية بل و حتى أدى بالبعض إلى أن يصبح ضحية عملية استغلال جنسي لا أخلاقي و أن تقتل المرأة حتى لمجرد الشك.

إن المعرفة هي شيء قائم بذاته بمعنى أن الاطلاع و الثقافة لا تخضع لآليات الحلال و الحرام بل إن الفقه و كتب الفقهاء تحوي شرحا مفصلا للعلاقات بين الرجل و المرأة و هو بالتالي نقيض الواقع العشائري القائم على ثقافة "العيب و العار" إذ المهم في هذا المجتمع المتخلف أن تكون مـــــــــثاليا و أخــــــلاقيا أمام أعين الناس و المجتمع بينما لا بأس بكل الممارسات إذا كانت تتم في الخفاء، و هذا هو مكمن الخطر، ففي بلاد الغرب يستطيع الإنسان أن يميز بكل سهولة بين المحافظ أخلاقيا و بين المنحل و الشاذ أخلاقيا، أما في بلداننا – و العراق من شماله إلى جنوبه جزء منها – فإن الأمور تتطلب الحذر الشديد و الاحتياط، بل إن إرهابيين كانوا يصلون و يصومون ثم في الوقت نفسه يذبحون الناس و يتعاطون الشذوذ مع بعضهم البعض، ترى هل من مقياس أخلاقي لمجتمع تنحصر كل أخلاقه في "العـار" و "عري الرجل و المرأة"؟

إن النظام العشائري يعمل أو يكون مفيدا بوجه من الوجوه حينما لا تكون هناك دولة أو قانون أو نظـام، لكن حينما نسعى إلى بناء دولة حديثة أساسها المواطنة و الحقوق فإن العشائرية تصبح وبالا و مصيبة إن لم تكن بالأحرى كارثة حقيقية، فالعشيرة تتعصب لأبناءها سواء كانوا أشخاصا إيجابيين أو سلبيين، ملتزمين بالقانون أو قطاع طرق و لصوصا، بينما في دولة القانون و المساواة الأمر مختلف تماما، فلا قداسة لأحد و لا مكانة إلا بمقدار رضوخه للقانون، من هنا نجد أن دول و أنظمة الشرق الأوسط، باستثناء تركـــــيا و إسرائيل، قائمة على ذات العقل العشائري الذي تحدثنا عنه قبل قليل، فالدكتاتور و من وراءه الأقلية الحاكمة هم أناس يتمتعون بكل الصلاحيات دون أي خوف من أن تتناولهم العدالة، بينما الفقراء يرزحون تحت أكثر القوانين ظلما و إجحافا.

إن مجتمعاتنا ستبقى تتفاخر بوقوفها بوجه القانون، لأن العقل المهيمن هو عقل البدوي الريفي الذي يرى في الدولة و النظام خطرا على عقله الفوضوي، بالتالي فالشاطر هو ذلك الذي يخدع الحكومة و منفذي قوانينها، بل إن الحاكم نفسه قد يكون من ضمن منتجات هذه البيئة، و صدام حسين خير نموذج للدكتاتور الذي كان ينظر إلى بلده و كل البلدان الأخرى بمنطق "هذا ربعنا و هذا ربعهم"، و بالتأكيد أن دولة تقوم على أكتاف "ناس من العصر الحجري" و ثقافة الحلال و الحرام التي تطاولت فامتدت من كونها شأنا شخصيا لتصبح قانونا يحكم دولة بأكملها ليجعلها جزءا من العالم المتخلف.

Website: www.sohel-writer.i8.com

Email: sohel_writer72@yahoo.com