1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

مـــــا هي العلمانية من منظور خصومـــهــا؟؟

سهيل احمد بهجت

تحت هذا العنوان سنبدأ في البحث عن مفهوم كلمة "علمنة" و "علمانية" أو "Secularism" حسب المصطلح الإنكليزي المتداول و الذي يعني فصل الدين عن السياسة ـ العلمانية الجزئية حسب عبد الوهاب المسيري ـ و تعني لدى البعض الآخر فصل العالم المادي الزمني عن عالم الدين و الغيب ـ العلمانية الشاملة حسب المسيري مرة أخرى ـ و الحقيقة هي أن العلمانية لا تعني الإلحاد و الوقوف ضد الدين، و إن كانت توفر للمواطن الحرية لإظهار قبوله أو رفضه للدين، لكن المشكلة في العالم الإسلامي تكمن في أن أنظمة دكتاتورية استبدادية كنظام ناصر و صدام و القذافي و مبارك تعلن علمانيت ها و تواجه المعارضين المؤمنين بالدين بشعار العلمانية في خلط واضح بين العلمانية الإيجابية ـ الحيادية ـ و بين المناهج الإلحادية التي واجهت الدين بالعنف، كالشيوعيين و الماركسيين في الاتحاد السوفيتي و الصين و عبد الناصر و صدام و البعث في العراق.

هذه المواجهة شوهت العلمانية في الوعي الجمعي لهذه المجتمعات و جعلت الكثيرين لا يفرقون أو لا يميزون بين العلمانية كطريقة أو منهج للتسامح و تقبل الآخر و بين الموقف العقائدي و الفكري في رفض أو قبول الدين أو دين معين، فالعلمانية ليست ضرورية للتعايش بين الإيمان و الإلحاد فحسب بل في تعايش الأديان مع بعضها البعض و كان إدراك أهمية العلمانية خلال الحرب الدينية خلال القرنين 16 و 17 أحد أهم أسباب توجه المجتمعات الغربية إلى تبني العلمانية كمنهج لنظام الحياة، و سنرى كيف أن ظواهر الإلحاد و العنصرية القومية جاءت نتيجة تحولات فكرية رافقت نشوء العلمانية و لم تكن نتاجا مباشرا لها، بالتالي فإن العلمانية تقدم أفضل الموجود و هي لا تدعي أنها كاملة كما أن العلمانية هي صنع إنساني بحت و ليست نتاجا "شيطانيا" كما يصورها وعاظ السلاطين أو سلاطين الوعاظ "الولي الفقيه"، إنها بالأحرى وسيلة لتستمر الحياة السلمية.

نبدأ مناقشة العلمانية من خلال نظرة خصومها إليها، و ليكن النموذج الأكثر طرحا هنا هو ما كتبه المرحوم عبد الوهاب المسيري في نقد العلمانية و توابعها التنويرية و الحداثية و الرأسمالية، فالرجل قام بنقد موسع لمفهوم العلمانية و خلال قراءتنا لنقده نجد أن الرجل اعتبر كل ما هو غربي (ســـــلبيا) و العلمانية هي إحدى هذه السلبيات، و لنبدأ مع أطروحاته بكتاب ((العلمانية تحت المجهر)) و الذي ألفه مناصفة مع الدكتور عزيز العظم ـ الصادر عن دار الفكر دمشق و دار الفكر المعاصر بيروت 2000 يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري:

و كان معنى المصطلح ـ أي العلمنة ـ في البداية محدود الدلالة و لا يتسم بأي نوع من أنواع الشمول أو الإبهام، إذ تمت الإشارة إلى "علمنة" ممتلكات الكنيسة و حسب. بمعنى "نقلها إلى سلطات غير دينية"، أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة. و في فرنسا، في القرن الثامن عشر، أصبحت الكلمة تعني (من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية) "المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة". أما من وجهة نظر مجموعة المفكرين الفرنسيين المدافعين عن مثل الإستنارة و العقلانية المادية و المعروفين باسم "الفلاسفة" (فيلسوف Philosophes) (و يشار إليهم أيضا باسم "الموسوعيين")، فإن الكلمة كانت تعني "المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة" و لكن المجال الدلالي للكلمة اتسع، و بدأت الكلمة تتجه نحو مزيد من التركيب و الإبهام على يد جون هوليوك John Holyooke (1817 ـ 1906 ) أول من صك المصطلح بمعناه الحديث و حوله إلى أحد أهم المصطلحات في الخطاب السياسي و الاجتماعي و الفلسفي الغربي. و قد حاول هوليوك أن يأتي بتعريف تصور أنه محايد تماما (ليست له علاقة بمصطلحات مثل "ملحد" أو "لا أدري"). فعرّف العلمانية بأنها: ((الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان، سواء بالقبول أو الرفض".." نهاية الاقتباس ـ العلمانية تحت المجهر ص 12 و أنظر أيضا كتابه العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية ج 1 ص 15

لقد حصر المسيري مسألة العلمانية و تطور معناها و مفهومها في مستوى النظر و كأن الموضوع كله متعلق بتطور فكري "نظري" بحت لا علاقة له بالتطور الاجتماعي و السياسي و حتى السايكولوجي الفردي، فالعلمانية ليست نتاجا مدرسيا بحتا و إن كان هذا ينطبق على جزء منها، فالإنسان لا يشك في حقيقة من الحقائق إلا عندما يرى أنها لم تعد عملية أو ليس في الإمكان الاستفادة منها بأي وجه من الوجوه، و أوروبا لم تشك في نزعتها الدينية إلا عندما وجدت أن الدين أصبح مشكلة بدلا من أن يكون حلا أو أن الدين أصبح سببا في انقسام الناس لا عامل وحدة و تناغم، فعدى أن المسيحية كانت قد أصبحت في القرون الوسطى لعبة في أيدي الملوك فكان أن أخرج الملك الإنكليزي هنري الثامن بلاده من الكنيسة الكاثوليكية بسبب رغبته في الطلاق من زوجته و لأن الكنيسة الكاثوليكية كانت ترفض الطلاق إلا لعلة الزنا، و لأن ملوكا آخرين شنوا حروبا باسم الحفاظ على "الدين القويم"، إظافة إلى ذلك كانت فضائح رجال الدين و استغلالهم للدين قد بلغ أوجه، كل هذه الأسباب و غيرها كانت عاملا نفسيا قبل أن نركز على العامل العقلي و النتاج الأكاديمي البحثي، و إذا كان المسيري يرى أن هذا الحديث لم يعد محايدا بمجرد إبعاد الدين عن المعادلة، و لكن اختيار جون لوك لحل مشاكل الإنسان بالوسائل المادية لا تعني إلا أن العالم المادي بدوره لا يمكنه التدخل في شؤون الدين كون الدين متعلق بالروح و بسبب تنوع الظاهرة الدينية، فلو اعترف النظام العام بدور أساسي للدين في إدارة حياة الإنسان فإن السؤال الذي سيطرح نفسه و بقوة هو "ماذا عن الحل الإسلامي"؟ و أيضا "ماذا عن الحلول اليهودية و المسيحية"؟ و كل دين سيطرح سؤاله المشروع عن دوره في تنظيم حياة الفرد و المجتمع و إدارة النظام العام و ننتهي بكارثة حقيقية.

يقول المرحوم عبد الوهاب المسيري:

و الحديث عن "إصلاح حال الإنسان" ليس حديثا محايدا، كما قد يبدو لأول وهلة، فهو يفترض وجود نموذج متكامل و رؤية شاملة (للإنسان و الكون) و منظومة معرفية قيمية يمكن "إصلاح حال الإنسان" حسبها. و هنا يحق لنا أن نسأل: هل مثل هذه المنظومة "تضاف" إلى العلمانية أم أنها جزء لا يتجزأ منها؟ فإن كانت تضاف إليها فمن أي مصدر نستقيها؟ و هل الأمر متروك لكل إنسان أو مجتمع أن يختار مثل هذه المنظومة؟ و إن كان جزءا عضويا من العلمانية، أي النموذج الكامن وراء المصطلح، فهل حدد هوليوك السمات و الملامح الأساسية لهذا النموذج؟ أعتقد أن الإجابة عن مثل هذا السؤال الأخير بالنفي أو الإيجاب سيكون أمرا صعبا، فهوليوك لا يتصدى بصراحة و وضوح لقضية القيمة (هل هي قيم مادية)؟ أو قضية المعرفة (هل مصدرها الحواس فحسب)؟ و هو يتحدث عن سمات الإنسان دون تعريف للسمات الأساسية لما يشكل جوهر الإنسان الذي ستتم العملية الإصلاحية عليه و باسمه (هل هو إنسان طبيعي / مادي).." العلمانية تحت المجهر ص 13

يحاول المسيري طرح إشكالية يستطيع من خلالها نقض المنظومة الغربية العلمانية التي يرى أنها هي التي صنعت مصطلح "علمنة" و "علمانية" كما سنرى في كتابه حول العلمانية الشاملة و الجزئية، فالمشكلة هنا حسب رأيه تكمن في النقطتين الأساسيتين و هما "تعريف ماهية الإنسان" و "مصادر المعرفة" و من خلال هاتين النقطتين و بشكل نظري كلي ـ حيث أنه سيناقش تطور مفهوم العلمانية تاريخيا بمنهجية بعيدة عن التحقيق العلمي ـ سيحاول نقض العلمانية التي لا يرى إلا أنها مجرد "مفاهيم و قيم غربية" تصدّر إلينا على أنها "مفاهيم و قيم إنسانية" و يريد بالتالي إقامة "حداثة" و "تنوير" و "تطوير" منتج من ثقافتنا نحن "عربية إسلامية حسب المسيري"!! و هو ما نشك أن يتم دون الدخول مرة أخرى في المجال المعرفي الغربي الذي تجاوز الغرب و أصبح عالميا بالفعل، و المسيري نفسه يؤكد ضرورة بعض جوانب من العلمانية الجزئية كالفصل بين الدين و بعض جوانب إدارة الدولة "المصدر نفسه ص 16" و "العلمانية الشاملة و العلمانية الجزئية ج 1 ص 17 ـ 18 حيث يشير إلى وجود نوع من العلمانية في الإسلام" و لكن هذه العملية الجزئية أو التي تجتزيء الحقيقة غير فعالة إذ تصبح علمانية محدودة كهذه مجرد قناع لهيمنة فكرة دينية أو قومية.