1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

مخاطر تحويل العراق إلى مأتم دائم

د. عبدالخالق حسين


يبدو أن حكامنا الجدد مصممون على تحويل العراق إلى مأتم دائم، ليس فيه للإنسان العراقي المقموع والمقهور دوماً أي مجال للفرح والبهجة والترفيه والترويح عن النفس. فهذا الشعب معروف بميله للحزن، والحالة هذه هي ليست جديدة، بل وليدة للظروف الموضوعية منذ فجر التاريخ، حيث كان وادي الرافيدين ساحة للحروب والغزوات والكوارث والفياضانات والأوبئة. وما واقعة الطف في كربلاء وتداعياتها اللاحقة إلا حلقة من سلسلة متواصلة من النكبات، والتي اتخذت رمزاً لإحيائها كل عام لتكريس الحزن والمأساة، حيث يتفنن قراء الروضة الحسينية على إبكاء الجمهور.

وبما إن الفن هو مرآة المجتمع تعكس حالته النفسية والاجتماعية، لذلك نلحظ طابع الحزن هذا واضحاً في معظم الأغاني العراقية، وخاصة الفولكرية، مثل الأبوذية والنايل، والتي تثير في الإنسان مشاعر الكآبة والرغبة في البكاء. وقد أشار عالم الاجتماع العراقي الراحل علي الوردي إلى هذه الخاصية في الأغاني العراقية، وعلق في أحد كتبه قائلاً، أن من يستمع إلى هذه الأغاني لأول وهلة من غير العراقيين، يعتقد أن الطاعون قد أهلك العراقيين، ولم يترك أحداً منهم سوى المغني وحده، فراح يندب حظه العاثر صارخاً بألم (متعوِّد على الصدعات خايب يا كلبي= يا قلبي).

كما ونجد حتى اسماء بعض المطربين تدل على المأساة العراقية الدائمة، وعلى سبيل المثال، المطرب الريفي العراقي، سلمان المنكوب، ولا يخفىَ أن المنكوب مشتق من النكبة، وقانا الله شرها، وهو إسم على مسمى كما تشير كلمات إحدى أغانيه التي يقول فيها: ( أمِّرَّنْ بالمنازل، منازلهم خلية - أي فارغة-، وكلها وين أهلنا، تكول اكطعو بيه- أي أسأل الدار أين الأهل، فتجيب أنهم فارقوها وانقطعوا عنها). ويذكر الوردي قصة طريفة حصلت له في هذا الخصوص عندما كان طالباً يدرس في أمريكا في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، فيقول أنه ذهب يوماً لزيارة صديق عراقي يسكن مع عائلة أمريكية. فلما وصل البيت لم يجد صديقه، إلا إن صاحبة الدار دعته إلى الجلوس إلى أن يحضر الصديق. وإثناء تبادل الأحاديث، سأل الوردي صاحبة الدار عن أحوال صديقه، فأجابت أنه إنسان لطيف المعشر ولكن فيه عادة جداً غريبة وهي أنه عندما يذهب إلى الحمام ليستحم يبكي بصوت عال دون انقطاع إلى أن يخرج!! فاستغرب الوردي من هذا الكلام، ولما سأل صديقه فيما بعد، تبين أنه لم يبكِ بل كان يغني (أبوذية)!!

وقد صارت نزعة الكآبة هذه ملازمة للإنسان العراقي حتى عندما يضحك في مناسبات نادرة، فلابد وأن يقول بعد كل ضحكة: (الله يعديها علينا بالسلامة.. إنشاء الله ضحكة خير!!). فهو في هذه الحالة قلق جداً لأنه ارتكب مخالفة الضحك!، ولا بد من أن يحصل له في اليوم التالي ما لا يسره ليدفع ثمن هذه الضحكة!! وإذا ما صادف أن حصل له شيء مؤسف، فسرعان ما يوعزه إلى تلك الضحكة ليقول، ألم أقل لكم أن ضحكة البارحة سوف لن تتعدى بسلام!!
ثم جاء نظام البعث الفاشي الصدامي، وخلال 35 سنة من حكمه الجائر وحروبه العبثية، الداخلية والخارجية، وحروب إسقاطه وتداعياتها، شملت النكبة جميع العراقيين بلا استثناء، إذ نادراً ما تجد عائلة دون أن يكون قد أصابها مكروه بفقد واحد أو أكثر من أبنائها. ولهذه الأسباب، نعتقد أن معظم العراقيين يعانون الآن من مشاكل نفسية وخاصة داء الكآبة (Melancholia). لذا فالمطلوب من المسؤولين، وبعد أن تحرر العراق من نظام الفاشية والمقابر الجماعية، معالجة هذه الحالة السوداوية الكئيبة التي تعتبر بحق، مشكلة اجتماعية كبيرة وخطيرة لها عواقب وخيمة على سلوك الإنسان العراقي. فبسبب غياب التناول العلمي لهذه المشكلة، صار المواطن العراقي فريسة سهلة للدجالين والمشعوذين والنصابين، وتحول العراق إلى بيئة خصبة لتفشي الخرافة والشعوذة والدجل وتفاقم الأمراض النفسية ومنها تصاعد وتيرة العنف والانتحار.
ولكن مع الأسف الشديد، أن المسؤولين، وبدلاً من الاعتماد على علماء النفس والاجتماع في معالجة هذه الحالة المأساوية، نراهم على العكس تماماً، إذ يساهمون في تفاقم المأساة وتعقيدها وترسيخها في المجتمع العراقي، ولهذا السلوك عواقب خطيرة وكبيرة على الجيل الحالي والأجيال القادمة.
إذ قرأنا قبل أيام تقريراً لراديو سوا، بعنوان: (المالكي يقرر إغلاق الملاهي الليلية في العراق) جاء فيه: " قرر رئيس الوزراء نوري المالكي إغلاق النوادي الليلية، أو ما يعرف بـ "الملاهي" في العراق بدعوى أنها تخرج عن الأطر الأخلاقية التي نص عليها الدستور العراقي. وقال الناطق باسم خطة فرض القانون اللواء قاسم عطا لـ "راديو سوا": "هذا يتعارض مع ما جاء في المادة 38 في الدستور العراقي، نعم هناك حرية للرأي والتعبير، ولكن هناك قيما متعارفا عليها وآدابا ونظاما. قد يحاول البعض إقامة حفلات في الملاهي الليلية والنوادي الليلة بعيدة عن القيم والأعراف والأخلاق، هذه ممنوعة". وأكد عطا أن أوامر المالكي استثنت من ذلك الحفلات التي تقام في فنادق الدرجة الأولى والنوادي المصرح لها.) (تقرير راديو سوا، في 30/9/2008).
أعتقد أن الذين أشاروا على السيد المالكي باتخاذ هذا القرار هم على خطأ كبير، يجهلون أبسط مبادئ علم النفس وعلم الاجتماع والطبيعة البشرية، وكان عليهم أن يستشيروا المتخصصين في هذه المجالات قبل إصدار مثل هذا القرار المجحف بحق المجتمع والذي له مردود معكوس للمقاصد المعلنة من أجلها، كما وأراد هؤلاء تمرير قرارهم باسم المالكي ليتحمل هو وحده وزره.
والجدير بالذكر أن قرار إغلاق الملاهي الليلية في العراق قد بدأها المقبور صدام حسين فيما سمي بـ"الحملة الإيمانية" في التسعينات من القرن المنصرم عندما تصاعدت الموجة الدينية فأراد توظيفها لصالحه، ولكن كانت لعبة مكشوفة ومفضوحة. وبعد سقوط حكم البعث، قامت مليشيات الأحزاب الدينية، الشيعية والسنية، بإغلاق دور السينما ومحلات بيع الخمور ودكاكين بيع الأقراص المدمجة للموسيقى والغناء، وقد طبقت أوامرها القراقوشية تلك عن طريق التفجيرات وقتل الأبرياء، متعكزة على القيم والأعراف والأخلاق. والآن تقوم الحكومة بتحويل أعمال المليشيات الإرهابية إلى قرارات رسمية حكومية ملزم العمل بها وبنفس الذريعة "القيم والأعراف والأخلاق".
والشيء بالشيء يذكر، فمنذ سقوط حكم البعث قبل خمس سنوات، قامت مليشيات الأحزاب الإسلامية بمطاردة الأقليات الدينية وقتل العديد من أفرادها وفرض الإتاوة عليها بدفع الجزية لقاء إقامتهم في بلاد المسلمين!! والمعروف أن هذه الأقليات هم أهل العراق الأصليين منذ فجر التاريخ. والغريب أن يقوم البرلمان العراقي بعد ذلك بتحويل هذه الأعمال الهمجية إلى قانون عندما ألغت المادة 50 من قانون إنتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، الخاصة بمشاركة الأقليات في هذه المجالس. وهذا يدل على إن الحكومة والبرلمان ينفذان قرارات المليشيات الحزبية.

وفيما يخص قرار إغلاق النوادي الليلية في العراق نقول، أن الإنسان في كل مكان وزمان يحتاج إلى أوقات للترويح عن الضغوط النفسية التي يتعرض لها إثناء العمل. ولذلك نجد في المجتمعات المتحضرة، نوادي ليلية وكباريهات ومسارح ودور السينما، إضافة إلى القنوات التلفزيونية والإذاعية، تخصص الكثير من برامجها الفنية الترفيهية المتنوعة للفكاهة والكوميديا والغناء والرقص والموسيقى على مختلف أنواعها، الغرض منها الترفيه عن الإنسان، وهي بمثابة صمامات الأمان للتخفيف من الضغوط النفسية التي يتعرض لها الإنسان إثناء ساعات العمل. وقد أثبت العلم أن هذه الوسائل الترفيهية هي عبارة عن علاج نفسي لا يستغني عنها أي إنسان في أي مجتمع كان. فالبرامج الترفيهية هي ليست لقتل الوقت ولن تتعارض مع الآداب كما يتصور المتزمتون، بل هي وسائل ضرورية، لها وظيفة اجتماعية وعلاجية وإنسانية، لإزالة الضغوط النفسية عن المشاهدين والحفاظ على التوزان النفسي وسلامة الشخصية. وهذه الفكرة لم تأت اعتباطاً، بل هي نتيجة دراسات لعلماء متخصصين في هذه المجالات عبر عقود من السنين، ومقارنات بين المجتمعات المتفتحة والمجتمعات المقهورة الخاضعة للقوانين القسرية المتزمتة. إذ كما قال الفيلسوف الألماني نيتشة: " في كل انسان حقيقي يختبئ طفل صغير يبحث عن المرح" وقال أيضاً عن الموسيقى: " لولا الموسيقى لكانت الحياة ضربا من العبث".

وكالعادة في مثل هذه الحالات، وكما جاء في تصريح الناطق الرسمي للحكومة العراقية، أن القرار اعتمد على المادة 38 (ربما المقصود هنا المادة 36) في الدستور العراقي قائلاً أن (إقامة حفلات في الملاهي والنوادي الليلية بعيدة عن القيم والأعراف والأخلاق، ...") ولكن الغريب في القرار أنه استثنى " ... الحفلات التي تقام في فنادق الدرجة الأولى والنوادي المصرح لها" أي أستثنى الأثرياء من هذا القرار، وخص به فقط ذوي الدخل المحدود الذين ليس بإمكانهم الذهاب إلى فنادق الخمس نجوم. وهذا يعني أن ما جاء في في الدستور العراقي لحماية الاخلاق والآداب لا يشمل الأغنياء، بل يشمل شريحة معينة من المجتمع العراقي. وهذا التفسير للمادة خطأ في رأينا لأن فيه تحيّز للطبقة الغنية وإجحاف بحق الطبقة الوسطى. كذلك من الجدير بالذكر أن تفسير أي مادة من مواد الدستور قابل للتأويل والاجتهاد، وتوظيف الدين والإخلاق والآداب والأعراف سيفاً مسلطاً من قبل الحكام على رقاب الشعب عمل خطير جداً يمكن في النهاية أن يصادر جميع الحقوق وتحت ذات الذريعة، فهذه القيم هي الأخرى قابلة لسوء الفهم والتفسير الخاطئ .

كذلك أود أن أؤكد للمسؤولين أني لست من رواد الملاهي والنوادي الليلية، رغم أني أعيش في بلاد تحكمها قوانين عادلة مبنية على أسس علمية، أبعد ما تكون عن التزمت، وتحترم فيها حرية الفرد في جميع المجالات، ولكني أرى من واجبي كمواطن عراقي حريص على سلامة أبناء شعبه وكل شعوب العالم، تنبيه المسؤولين على خطورة مثل هذا القرار على الشعب، وأن النوادي الليلية هي وسائل ترفيهية بريئة وليس فيها أي تعارض مع القيم والأعراف والأخلاق العامة، بل هي وسائل ضرورية للترويح عن الإنسان . وهناك دراسات أثبتت أن المجتمعات التي تمنع الوسائل الترفيهية البريئة بدوافع التزمت الديني، تتفشى فيها الجريمة ونزعة النفاق والازدواجية وداء الكآبة والعنف والفساد والعقد النفسية وغيرها من الأمراض النفسية والاجتماعية. فمن حق الناس أن يتمتعوا بقسط من وقتهم ليعيشوه كما يشاؤون. فالحياة ليست فقط عبادة وصلاة وصيام ولطم ومواكب عزاء. إن الحرية الشخصية ضمن المعقول، حق أقرته الشرائع الدينية والوضعية.

ومما يجدر ذكره أني سمعت من صديق مقيم في دولة الإمارات أنه عندما سمح المرحوم الشيخ زايد بفتح الحانات للمشروبات الكحولية في أبو ظبي، اعترض عليه بعض المتزمتين، متعكزين على الدين والأخلاق والأعراف، فرد عليهم قائلاً، أننا بنينا جوامع كثيرة، كما وسمحنا بفتح الحانات، والإنسان مخير، فمن شاء فاليذهب إلى الجامع ومن شاء فإلى الحانة ، وفي نهاية المطاف، فالإنسان هو وحده المسؤول أمام الله يوم الحساب عن أعماله خاصة تلك التي لا تضر بالآخرين، ولا تسيئ بالآداب العامة.

وهناك آيات كثيرة تؤكد هذه الحقوق حتى ولو كانت النوادي الليلية تتعارض مع التعاليم الدينية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: "فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" "لا اكراه في الدين..." "وما أنت عليهم بجبار ـ أي رفض مبدأ الفرض والوصاية" "انا أهديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " "لست عليهم بمسيطر ـ أي رفض مبدأ القوة والاكراه" إلى آخره. ونفهم من كل هذه الآيات أن منع الناس من التمتع بأوقات فراغهم في الترفيه عن أنفسهم وحسب إرادتهم مسألة مخالفة، ليس لشرائع حقوق الإنسان الوضعية فحسب، بل وحتى للتعاليم السماوية.

كما وأحذر المسؤولين من مغبة هذه القرارات القسرية المجحفة باسم الدين والأخلاق والأعراف والآداب، لأن سيكون لهذه القرارات ردود أفعال مدمرة، ليس ضد الأحزاب الإسلامية فحسب، بل ضد الإسلام نفسه، لأنه سيؤدي إلى نفور الناس من الدين، والتطرف نحو الاتجاه الآخر المعادي للدين. وهذا ما حصل في إيران نتيجة سياسة حكم الملالي المتمزمتين. فهناك استطلاعات رأي من جهات غربية محايدة تؤكد أن الشعب الإيراني هو أقل جميع الشعوب الإسلامية تدنيا، وفيه أعلى نسبة في العالم من المدمنين على المخدرات، وأعلى نسبة في ممارسة البغاء. وهذا يعني ان القوانين القسرية المخالفة للطبيعة البشرية تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة منها، وأن فرض النظام الإسلامي بالقوة فشل في نشر الفضيلة ودعمها، بل صار عاملاً في نشر الرذيلة.

خلاصة القول، نظراً لتعرض المجتمع العراقي إلى سلسلة متواصلة من الكوارث خلال قرون والتي بلغت الذروة خلال الأربعة عقود الماضية، فإنه يعاني من أمراض نفسية كثيرة وبالأخص داء الكآبة وتفشي العنف. والعلاج في هذه الحالة ليس بحرمان الإنسان من التمتع البريئ خلال أوقات فراغه باسم الإخلاق، بل يجب السماح له بالتمتع بجميع وسائل المتعة البريئة من أجل كسر هذه الحلقة المفرغة، وإلا فإن الضغط يؤدي إلى الانفجار ويقود إلى الإنهيار وإلى عواقب وخيمة.