1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

محاولة لتفسير التخندق الطائفي في الانتخابات

يرى د. عبد الخالق حسين أن أخطر ما يهدد الشعب هو الإعلام المضلل، خاصة في زمن التقنية المعلوماتية المتطورة حيث يسهل صنع الإشاعات تمريرها بخلط الزيف مع الحقيقة كما يدس السم بالعسل، وإخراج الإشاعة وكأنها حقيقة لا شك فيها.

للأسف الشديد، ليس هناك إنسان محصن ضد تصديق الإشاعة والتشويش بشكل مطلق ومهما أوتي من معرفة وحذر. ففي كثير من الأحيان استلم إشاعات كيدية من شخصيات أكاديمية مرموقة تؤمن بصحتها، ولكن ما أن أقدم لهم أدلة تثبت بطلانها حتى ويغيروا آراءهم ويعربوا عن أسفهم لتعميمها. وعلى سبيل المثال، استلمتُ مرة إشاعة بعثها أستاذ أكاديمي محترم، مفادها أن 50% من سكان محافظة البصرة مصابون بالسرطان بسبب التلوث باليورانيوم نتيجة القصف الأمريكي!.

فقلت للأستاذ، أن تعداد سكان البصرة في حدود مليونين نسمة، وهذا يعني أن هناك نحو مليون إصابة بالسرطان في هذه المحافظة، وإذا ما أخذنا تردي الخدمات الصحية في نظر الاعتبار، فبعد 5 سنوات سيموت نحو مليون نسمة وستظهر إصابات جديدة في نحو 50% في المليون الباقي من السكان، وهكذا فخلال 20 أو 30 سنة سينقرض أهل البصرة عن آخرهم. ولو كان التقرير المزعوم صحيحاً، لأثار اهتمام منظمة الصحة الدولية (WHO). وسألتُ: هل تتفق هذه الأرقام مع المنهج العلمي في البحوث العلمية؟

والجميل، أن الأستاذ أنتبه فوراً إلى هذه الملاحظة واعترف بأن هذا لا بد وأن يكون من صنع جهات مغرضة، وما أكثرها في زمننا هذا، زمن الخديعة. بينما تقارير أخرى تؤكد أن نسبة الإصابة بالسرطان في العراق لا تختلف عما في البلدان الأخرى، وما هذه الحملة إلا لأغراض سياسية كيدية. ولابد أن يتذكر القراء الكرام الفرية ألأخرى التي تم تعميمها على نطاق واسع، ونالت اهتمام الأكاديميين، مفادها، أن حكومة المالكي "الصفوية العميلة الفاسدة" تعاقدت مع الاتحاد الأوربي لجعل العراق مكباً للنفايات النووية الأوربية!. فإذا كان الأكاديمي يمكن استدراجه لتصديق الافتراءات والإشاعات حتى في القضايا العلمية، فكيف بالإشاعات السياسية التسقيطية مع الناس العاديين؟

(حقائق جديدة عن طبيعة الشخصية العراقية)

مناسبة هذه المقدمة أني قرأت مقالاً للأكاديمي في علم النفس، الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح، عن الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة التي جرت يوم 30/4/2014، بعنوان: (الطائفية والعشائرية واللاأبالية..هي الفائزة!)، وعنوان ثانوي: (حقائق جديدة عن طبيعة الشخصية العراقية). والجدير بالذكر أن السيد الكاتب قد رشح نفسه ضمن (التحالف المدني الديمقراطي)، الذي ضم طيفاً عريضاً من المثقفين والأكاديميين وأصحاب الكفاءات، ومن مختلف الاتجاهات السياسية، يجمعهم التمسك بالعلمانية والديمقراطية، وتبني الكفاءة، هدفهم، كما أعلنوا في حملتهم الانتخابية، إخراج العراق من مأزق المحاصصة الطائفية والعشائرية، والقضاء على الإرهاب والفساد والبطالة والفقر... وغيره من المشاكل السياسية والاجتماعية المتراكمة.

ويبدو أن الدكتور صالح متشائم من فوزه، لذلك استبق الإعلان الرسمي النهائي للنتائج الانتخابية معتمداً على النتائج الأولية، فكتب مقاله هذا ليبرر فشله في حالة عدم فوزه.

طبعاً من حق الكاتب أن يكتب ما يشاء ضمن ما يبيح له قانون الصحافة وحرية التعبير والنشر، ومن حقه أيضاً أن ينتقد الناخبين الذين صوتوا لقوائم الأحزاب الدينية والأثنية والعشائرية، ولكن في هذه الحالة يحق لنا أيضاً كقراء، أن ننتقده على تحليلاته وآرائه السياسية، ورغم أنه حاول جاهداً إضفاء صفة العلمية والأكاديمية على آرائه هذه، إلا إنها تبقى آراء سياسية وشخصية، وليست حقائق علمية مطلقة غير قابلة للنقد والنقاش.

الملاحظ أن موقف أ.د.قاسم حسين صالح من نتائج الانتخابات لا يختلف كثيراً عن موقف السياسي الداعية، مثل السيد طارق الهاشمي، إلا في أسلوب التعبير. فالكاتب لأكاديمي هنا يصف معظم الناخبين الذين لم يصوتوا لقائمته بالجهل والطائفية والعشائرية واللاأبالية، وحتى باللاوطنية، فيقول:

((وفيما كان المفروض ان تجري هذه الانتخابات تحت شعار (الوطن أولا) فإنها جرت تحت معادلة (ضد او مع المالكي)..وتفيد المؤشرات (التي ستثبتها النتائج الرسمية) أن الغالبية من جماهير الشيعة اختارت المالكي، والغالبية من جماهير السنّة اختارت من هو ضده، فيما الأقلية اختارت (الوطن!)... فعلى ماذا يدل هذا؟))

ويتوصل إلى الاستنتاجات التالية:

((- ان الشعور بالانتماء للوطن قد مات عند نصف العراقيين العرب!،

- ان الغالبية المطلقة في النصف الثاني من العراقيين العرب تتحكم بهم الطائفية والعشائرية،

- ان المتبقي الذي لا يتجاوز المليون عراقي عربي يتمتعون بالنضج السياسي والوعي الانتخابي.

- ان العراقيين في الخارج.. قد طلّقوا العراق!.)).

"أحكام مجحفة بحق العراقيين"

أعتقد أن هذه الأحكام مجحفة بحق العراقيين، ومجافية للحقيقة كان على الكاتب الأكاديمي تجنبها. فهو في هذه الحالة لا يختلف عن السياسي الذي يعتبر تحالفه وحده هو لصالح الوطن، أما القوائم الأخرى فهي ضد الوطن. وبطبيعة الحال فالذي يقف ضد الوطن هو خائن، وهذه التهمة شنيعة تشبه تهمة التكفيريين لكل من لا يسير على سكتهم.

فمثلاً السيد طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية المُقال، والمطلوب للقضاء بتهم الإرهاب، والمحكوم بعدة أحكام بالإعدام، وكما نقلت مواقع الانترنت من تغريدته: "وصف العراقيين الذين انتخبوا رئيس الوزراء نوري المالكي بأنهم اما فاسدون مثله، او جهلة مغفلون انطلت عليهم أكاذيب المالكي."

نحن لا نعتب على السيد طارق الهاشمي على أقواله تلك، لأنه سياسي ذو أغراض سياسية معينة ضد خصومه السياسيين، ولم يضفِ صفات علمية أكاديمية على أقواله، فمن غير المتوقع أن يقول غير ذلك وهو محكوم عليه بالإعدام بتهمة الإرهاب، ولكن من حقنا أن نعاتب الأكاديمي أ.د. قاسم حسين صالح، ونناقشه على ما كتبه، خاصة في وصفه لعراقيي الخارج بأنهم طلقوا العراق، وأن مليون عراقي فقط من مجموع العشرين مليون الذين يحق لهم التصويت هم وطنيون!

فتفسيره للنتائج الانتخابية وتخندق الناخبين في الطائفية والعشائرية غير دقيق. نعم هناك تخندق طائفي وأثني وعشائري ومناطقي، ولكن لهذا التخندق أسباب موضوعية كان على الباحث الأكاديمي تفسيرها علمياً لا إطلاق أحكام اعتباطية وتجريد الناس من الوطنية.

أسباب التخندق الطائفي والعرقي

في رأيي ، إن سبب هذا التخندق هو 40 سنة من الظلم والجور والقتل على الهوية المذهبية والأثنية، ونشر المقابر الحماعية، والتشريد بسبب الانتماء المذهبي والعرقي. كذلك النظام البعثي البدوي هو الذي قاد حملة إحياء العشائرية والقبلية، ناهيك عن حملة التهجير القسري لنحو مليون شيعي من مختلف القوميات بتهمة التبعية الإيرانية لأسباب طائفية بحتة. وحكم البعث هو الذي رفع شعار (لا شيعة بعد اليوم)، وقصف أضرحة أئمتهم، وأساء إلى مقدساتهم المذهبية، وقتل رموزهم الدينية. كما ويواجه المواطن الشيعي من كل القوميات اليوم حرب الإبادة الجماعية بسبب هويته المذهبية، إضافة إلى حملة التشكيك في دونه وقوميته وعراقيته.

يطالب بعض المعلقين نسيان الماضي، وأن صدام وحكمه قد ولىّ. ولكن ماذا عما يجري الآن من القتل على الهوية، وحرب الإبادة الجماعية، وحتى التهديد بقطع مياه دجلة والفرات عن الوسط والجنوب لقتل الشيعة عطشاً ؟ وفعلاً قبل أيام قامت فلول البعث (داعش) بغلق بوابات سدة الفلوجة لتنفيذ هذا التهديد، ولم يفتحوا السدة إلا بعد أن غرقت مدنهم. ألا يعني هذا أن الشيعي مهدد لكونه شيعي؟ فكيف والحالة هذه تريد منه ألا يتحصن بالخندق المذهبي؟ وكيف تريد من المواطن الكردي أن يصوت لقائمتك وليس لمرشحي أحزابه الكردستانية، وهو الذي تعرض للأنفال وحرب الغازات السامة في حلبجة؟

لذلك فمن الطبيعي، وبدافع غريزة حب البقاء (الداروينية)، وجد المواطن نجاته في التخندق بالعشيرة والمذهب والأحزاب الدينية والقومية. أما الكلام عن مساوئ الطائفية فقد سمعه من حكم البعث الصدامي أيضاً، وكذلك يسمعه الآن من "داعش" وهي تشن عليه حرب الإبادة وتصفه بأقذر الصفات اللاإنسانية. فكثير ممن يحاربون الطائفية قولاً إلا إنهم يمارسونها عملاً وبغطاء علماني. فالبعثيون علمانيون في الظاهر ولكنهم من أشد غلاة الطائفيين.

ولدينا مثال آخر يؤكد أن التخندق بالطائفة والقومية هو بدافع غريزة حب البقاء، ولأن الإنسان العراقي مهدد بالقتل على الهوية المذهبية والأثنية، والمثال هو انفصال الشيوعيين الأكراد عن الحزب الشيوعي العراقي، وتشكيلهم لحزبهم الشيوعي الخاص بهم (الحزب الشيوعي الكردستاني). وهذا دليل على أن الشعور بالانتماء القومي (الأثني) أقوى عندهم من الانتماء الطبقي. ونفس الكلام ينطبق على الذين تخندقوا بالأحزاب الدينية.

خلاصة القول، إن التخندق بالطائفة والعشيرة والأحزاب الدينية والقومية لها أسبابها الموضوعية، وسيبقى إلى أجل غير معلوم طالما بقي المواطن العراقي مهدداً بالقتل على الهوية المذهبية القومية، ولا يمكن التخلص منه بإلقاء المواعظ والإرشاد عليه، على طريقة وعاظ السلاطين.