1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

مجيد الطائي:مات الكيمياوي.... ولازلت حيّاً

قد أجد نفسي مصداقاً للشطر الثاني لبيت الشعر المنسوب للإمام علي (ع)

وكم من صحيح مات بغير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

لكني لست سـقيماً بالمعنى المتعارف عن الأمراض وسـلب العافية

وتراني وكأني أجاهد نفسي لأتهرب من ذكريات ذلك اليوم , ذكريات ماحمله القدرفي يوم شطر حياتي الى مرحلة ماقبل ( الكيمياوي) وما بعد ( الكيمياوي )

بل الحق عليّ أن أعترف إني لأقف عاجزاً عن ترجمة أهوال ذلك اليوم في كلمات وسطور وأكاد أدعي أن الإنس والجن لن يستطيعوا وإن إجتمعوا على أن يأتوا بما ينبأ عن كل حقيقة مجازر ( الكيمياوي )

قد أقول أنه فضيع .. فضيع بكل عمق الفضاعة من معنى الكلمة

بل هو أفضع مما يتصوره أي أحد ...

بل هو ألأفضع مطلقاً

ولذا أستميح عذراً كل من أصيب بسـموم ( الكيمياوي ) والشهداء منهم في جبال الشـمال وأهوار الجنوب وكل الشهداء وذويهم أستميحهم أن أستنطق اليوم قلمي العاجز , فأنا كنت أسـتشعر في اعماق وجداني أن موت ( الكيمياوي ) سوف يستنطقني

كان المغلوب على أمرهم السـتضعفين من الرجال والولدان من الذين لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا , كانوا يتندرون بقهقهات المقهور بنكتة ( سـوداء ) مفادها

أن الطاغية الصغير عدي عندما كان يملك نادي الرشيد أستنفذ كل مالدبه وهو يرى فريقه يخسر أمام نادي الزوراء الهدف الثالث اتصل بالطاغية الكبيرصدام يطلب نجدة فريقه

فأحابه الشيطان : إسحب جماعتك للخلف واضرب ( كيمياوي )

وأنا كنت ممن كان ازلام النطام يأتمرون بهم ليقتلوهم أو يطمّونا في غياهب السجون أو قد نكون طعما للـ ( تيزاب ) او أسماك نهر دجلة التي تقمصت كل أنواعها ثوب سمك القرش

فخرجت من بيتنا في مدينة الثورة (الصـدر ) وأنا خائفاً أترقب مهاجراً الى الله ورسوله لأجد في شمال العراق مع مجاهدي المقاومة مراغماً كثيراً وسـٍعة وكنا نعمل كل مافي وسعنا لنتخلص من كابوس العصابة الإجرامية التي كانت جاثمة على صدر بلدنا الحبيب

كانت مدينة حلبجة تعيش أياماً إستثنائية

وعند سفوح جبال قره داغ كان الطقس منعشاً بنسـيم قدوم الربيع , والأزهار والأعشاب وهي ترقص على أنغام زقزقة العصافيرتبدوا ضاحكةً مستبشرة وكأنها لاتدري ماذا سيحل بها وبنا وبكل شي

فتلاشت أغنية العصافيربهدير الطائرات المقاتلة التي ترهب كل أحد بل ترهب كل ما له حياة , ورمتنا بصاروخين احدهما شاء الرحمن ان لاينفجر والذي أنفجر كان على بعد 200 م تقريباً

وأنبعث منه غازاً أبيضاً وبدأ ينشر بجناحيه حتى أخذ علينا أقطار ألأرض وآفاق السماء ولات في ذلك اليوم حين مناص إلاّ لطف اللطيف الخبير

شيئاً فشـيئاً بدأ الإحسـاس بالإعياء يتملك كل جوارحي وتقيأت كل ما في معدتي وكل ما في فوقها وما تحتها وكأني أريد أن ألفظ أحشائي وأستفرغت شيئاً أبيض اللون حتى ظننت انها القاضية

لم أعد أعرف ماذا أشكي فعيوني تحرقني بآلامها وكنت أتوقع أن ينفجر رأسـي في أي لحظة لكنه للأسـف لم يفعلها وياليته فعلها وكنت نسـياً منسياً وكلما كنت أتمكن من فتح عيني كنت أشاهد مذهولاً أن المخاط ينزل من أنفي ليختلط بالسوائل التي تجري من فمي بلا وعي مني ولم أكن أشعر بحرارة البول وهو ينزل على أفخاذي وفقدت السيطرة على كل شيء وأما رئتي فكانت تحشرج بأنغام مخيفة ومزعجة ومن يومها لم يكن البلغم ليفارقني البته فقد أخرجت في ليلتها أكثر من حجم رئتي من البلغم وقصباتي تتهيح بسـعال يهتز معها كل كياني

لقد كان الموت يأتيني من كل مكان ولسـت بميت

هل تتصورون أني وفقت أن أصيب حقيقة ألأمر

أني أقسـم صادقاً أن الحقيقة أدهى وأمر

المركز الصحي التابع للبيشمركة والقريب منا كان متواضعاً جدا.ً

دورة المضادات الحيوية التي اعطانا إياها الطبيب هناك لم تكتمل وأخرجونا من هناك الى المجهول

بقينا أشهر ونحن ننتظر الفرج أن يأتينا الدليل الكردي لنجد منفذ الى إيران والحرب لازالت قائمة وألأنفال تقضم القرى تباعاً

وجاءت البشرى وجاء الدليل وسرنا في شمال العراق ليالياً وأياماً ورأينا مالاعين رأت وسمعنا من القرى التي دمرتها عمليات أنفال صدام ما لاأذن سمعت ولعله لم يكن ليخطر على بال بشر وشاهدنا كيف هي حياة المهربين ( القجقجية ) وحبونا على الجليد وبتنا الليلتين الأخيرتين على الجليد بلا مهاد ولاغواش

ونجتاز الحدود من اعلى نقطة في الشمال ودخلت الجمهورية الإسلامية التي كنت وأغلب الشعب العراقي يتعاطف معها رغم إننا أكرهنا الطاغية لمحاربتها وكنا مصداقاً لقول الفرزدق الشاعر قلوبنا معها وسيوفنا عليها

أكثر ماعرفته في أيران هو مستشفياتها وأخيراً دخلت مسـتشفى ( بيمارستان بقية الله ) المتخصص للحالات الصعبة من المصابين بسموم ( الكيمياوي)

كان قسم منهم من حرس الثورة ( ألسـباه) أو التعبئة ( البسـيج ) وكانوا مفعمين بالإيمان ويحسبهم الجاهل أصحاءلايحبون أن يشكو بثهم وحزنهم إلا الى الله ولازالت كلمات صديقي الشهيد أحمد مؤمني تتردد في أعماق وجداني وهو يحدثني غن فضاعة ( الكيمياوي ) حيث بعد غيبوبة 50 يوما ًوجد نفسه وقد أسريَ به من الفاو الى مستشـفيات النمسـا وكان يردد فينا : إنها الفتنة التي هي أشد من القتل في سبيل الله.. إنها رسالة حب الله فهنيأً لكم هذا القربان الى الله

وكان منهم الجنود الإيرانين وهم على مايبدو أقل ايماناً وصبراً

وبعد أن أعيت الأطباء ألأيرانيون السبل أرسلوني الى مستشفيات ألمانيا وتحسنت حالتي قليلاً وأنا شاكراً لله وأجاهد أن أوطن نفسي لأتيقن أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا وتعلمت أن أتوكل عليه وحده وكان كما عهدته ينشـر علىّ الطمأنينة والسـلام كلما كانت الدنيا تأخذ مني مأخذها

عدت الى إيران بتقرير من المستشفى الألماني ما ملخصه أن حالتي غير قابلة للشفاء

ولكني كنت أعلم في أعماق وجداني أن مع العسـر يسـراً إن مع العسر يسراً

فجاءت الأنباء أن هناك نجاحاً في عمليات زراعة الرئة في الدول المتقدمة وجئت مرة أخرى الى المانيافي مدينة إسـن حيث اكبر المسـتشفيات المتخصصة لأمراض الجهاز التنفسـي

وسجلت عندهم رقماً قياسياً ...

وأرجوكم أن تصدقوني ... وإن لم تفعلوا فانا لدي الأدلة والوثائق التي تثبت:

انني دخلت هذه المستشفى المتخصصة يوم 10/10/1990 وخرجت منها في شباط عام 1996 أي بعد مايقارب خمس سنوات ونصف قضيتها وأكاد أن أكون وحيداً بين دهاليز المستشفى الموحشة وتصك أسماعي آهات الآلام المعطرة بروائح التعقيم والمطهرات

لكنني تعلمت أن أستشـعر الطمأنينة بذكر الله وإنتظار الفرج وبعد هذا الإنتظار الطويل بسب قلة المتبرعين بالأعضاء وبسب القوانين المتشددة بهذا الخصوص بعد هذا الأنتظار والصبر جاء الفرج ولعله بسب دعاء والديّ والذين كانوا معي في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا أشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى

جاء الفرج عندما إتصلوا بي من مستشفى الجامعة في مدينة هانوفر لأنهم وجدوا رئة من متبرع تناسبني من حيث فصيلة الدم وكبر الرئة وكل الفحوصات الدقيقة الأخرى

وأجريت العملية بنجاح وخرجت الى البيت وكان عليّ أن أعيد بناء جسمي الذي أصبح هزيلاً جداً وعليّ ايضاً أن أتناول ولمدى حياتي الأدوية التي تخفّض مناعة الجسم لكي لآيرفض جسمي الرئة التي اسـتقبلها من شخص غريب وأدوية أخرى لمنع التاثيرات الجانبية لهذه الأدوية

ورجعت الى الحياة الطبيعية نسبياً من جديد ومارست بعض النشاطات الشخصية والأجتماعية ولم أنسى أن أمارس حقي في التعبير عن الرأي في فضح جرائم الطاغية صدام وكنت ضيفاً على بعض المدارس الألمانية ليسـالني الطلبة عن العراق الذي شغل العالم بانباءه وتظاهرت ضد حروب أمريكا كلها وأعلنت ذائماً تضامني مع مأساة فلسطين وفرحت مع الفرحين بإنتصار المقاومة في لبنان ,

مع كل هذا كان عليّ أن أبقى تحت المراقبة الطبية بشكل مكثف

وصحتي بين مد وجزر أصبت بمرض السكري بسبب مضاعفات الأدوية وبسبب ( الكيمياوي) كان لابد أن تجرى عملية لعيوني ومرة اخرى عملية كبرى ودقيقة لعيوني وهي زرع القرنية لأن قرنية عيني لم تعد قابلة للعلاج من جراء تأثرها بسـموم ( الكيمياؤي) وساءت صحتي كثيراً بعد سفري الى العراق لأرجع الى نفس المستشفى في مدينة إسـن وبقيت في إنعاش مستمر باجهزة التنفس الصناعية بخرطومها الطويل والقناع الملتصق على وجهي حتى في أوقات صلواتي ألاّ في اوقات الطعام وفقدت القدرة على الكلام والحركة إلا بالكاد وهزلت أشد مايكون الهزال وحالتي الصحية أصبحت الأسوء في تأريحها ولكن هذه المرة كانت معي عائلتي التي شـملتني بمحبتها وكان بجانبي الأصدقاء وأدخلني الأطباء في قائمة العمليات المستعجلة

وظن الجميع كما ظننت أن اجنحة الموت تخطف عند رأسي بإلحاح وبلا ملل

وبلغت القلوب الحناجر وانا أسلمت القياد مطلقاً لله الواحد القهار

وفي ليلة اليوم الأول من ربيع 2007 جاءني طبيب القسم ليس كعادته فبادرته بالسؤال هل وجدتم رئة أخرى لي قال نعم وعليك أن تهياً نفسك وجاءت سيارة الإسعاف لتأخذني الى مستشفى الجامعة

وقبل ان تغلق ابواب غرفة العمليات كانت نظرات زوجتي تلاحقني وكنت أرى فيها بريق الأمل برحمة الله الواسعة رغم توشحها بالحزن بأن هذه قد تكون هي آخر النظرات وأنا حي أرزق

ولازالت بحمد الله حي أرزق ومات ( الكيمياوي )

وأملي أن أبقى حي ارزق عند ربي مع الذين قتلوا في سبيل الله فرحين بما أتهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم أن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون

مجـيد حبيب الطائي