1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

متوسط ساخن ومتغير

يتحدث المفكر العربي الدكتور مهند العزاوي أن تراجع الرئيس الأمريكي باراك اوباما عن توجيه ضربة عسكرية لسوريا ساهم بشكل مباشر في تعزيز النفوذ الروسي في المياه العربية الدافئة.

يدخل الحوض الأطلسي في منعطف حرب اقليمية دولية خصوصا بعد ان وضعت الحروب الخاصة اوزارها في سوريا ولبنان والعراق، وبات مشهد الحرب المذهبية هو السائد، بعد تمدد الوكيل الإقليمي على حساب الجغرافيا والسياسة والاقتصاد والاجتماع، بما يتسق مع المعايير الدولية القانونية والعسكرية والأمنية، وأصبحت تلك الرقع الحمراء لا تتسق بالمفاهيم الدولية المبنية على القانون والنسق الدولي والمصالح، وتشهد المنطقة سعي محموم لوراثة التركة الاميركية في الشرق الأوسط، بعد استدارة اوباما وإعطاء ظهره للأحداث السياسية الخطيرة التي تنذر بتفكك المنطقة واندثار الجغرافيا السياسية التي بنت على أساسها، وبلا شك أن حافة الحرب والمناورة الاميركية بعزم اوباما توجيه ضربة عسكرية الى سوريا، مكن الغريم التقليدي الروسي من تأمين وصوله الى المنطقة وفرض شروطه وفق قواعد اللعبة الخاصة به، وبسط نفوذه في المتوسط والذي يبلغ سبع قطع بحرية وتصل عشرة خلال الايام القادمة، وهذا الحضور هو الاول من نوعه بعد الحروب الخاصة التي تمر بها المنطقة .

قرار مثير للجدل

تراجع الرئيس الاميركي اوباما عن قراره بتوجيه ضربة جوية للنظام السوري بعد المبادرة الروسية المثيرة للجدل، وكان قد صرح اوباما بأنه عازم على توجبه ضربة محدودة ضد النظام السوري (( لتأديبه ، ضربة محدودة وبنطاق محدود وبمثابة ضربة عقابية، بل أنها عملية جراحية دقيقة )) وبلا شك تلك المصطلحات التي استخدمها الرئيس الاميركي غريبة لا تتسق بالقيم القانونية والحربية والسياسية، وكذلك المفاهيم الإستراتيجية، ولم تشهد مسارح الحروب هكذا سيناريو هش ومثير للتساؤل، وقد صرح مسؤولون دفاعيون امريكيون بالأمس بان سفينة حربية أمريكية سادسة تعمل الان في شرق البحر المتوسط قرب خمس مدمرات أمريكية مزودة بصواريخ كروز، يمكن أن توجه قريبا ضد سوريا في اطار ضربة”محدودة ودقيقة ”وتحتفظ البحرية الامريكية عادة بثلاث مدمرات في البحر المتوسط، ولكنها أبقت مدمرتين إضافيتين هناك في نهاية مهمتهما مع تطور الوضع في سوريا خلال الاسبوع الأخير، وأن كل مدمرة من المدمرات الخمس تحمل ما يقدر بستة وثلاثين صاروخ "توماهوك " او اكثر بمجمل 200 صاروخ. وقدر "بيرون كالان " المحلل في مؤسسة "كابيتل الفا بارتينرز" أن شن هجوم محدود على سوريا سيتطلب مابين 200 و 300 صاروخ توماهوك تقريبا بالمقارنة مع نحو 221 صاروخا استخدمت في العملية الليبية، وتم تأجيل توجيه الضربة لإشعار اخر.

الدب الروسي والزحف نحو المتوسط

تؤكد الوقائع والحقائق ان السياسة الروسية تثبت نجاحا واضح المعالم، باستخدام أدوات إقليمية وعربية منها، وقد أتقنت سياسة الوصول الى المنطقة باستخدام منصة الصراع المذهبي المتعطش لتصدير ثورته، بعد احتكامه على ثلاث انظمة سياسية في العراق ولبنان وسوريا، هذا يعيدنا إلى زمن الحرب الباردة والمعسكرات والتحالفات. وتمكنت روسيا وبذكاء كبير من توظيف القوة العسكرية النظامية وقدراتها، والقوة اللامتناظرة المكتسبة، وطموح إيران الزاحف، وغياب العرب عن مسرح الصراع والقرار السياسي، وانتهازية الغرب، وضعف أميركا وانعطافها عن الشرق الأوسط، إلى رسم خارطة وجود جديد في المتوسط والحصول على نفوذ قوي يفوق نفوذ اوربا وأميركا فيه، وقد أعلن القائد العام للقوات البحرية الروسية، الأميرال "فيكتور تشيركوف" قبل ايام أن بلاده ستواصل تعزيز أسطولها في البحر الأبيض المتوسط، وستقوم روسيا بتعزيز مجموعتها في البحر الأبيض المتوسط حتى يكون لها اكتفاء ذاتي في مسائل تنفيذ الأهداف المطروحة أمامها. وشدد تشيركوف على ان التشكيل العملياتي الروسي في شرق البحر الأبيض المتوسط يضم حالياً 7 سفن حربية، وستنضم إليها قريباً 3 سفن أخرى، هي عبارة عن طراد صاروخي وسفينة إنزال كبيرة وسفينة حراسة، وهذا اكبر حضور عسكري روسي في المتوسط يؤكد حالة الحرب الباردة .

مردودات استراتيجية سلبية

اعطت مناورة ""حافة الحرب "" للرئيس الاميركي اوباما مردودات استراتيجية سلبية، ترتقي للهزيمة السياسية والعسكرية، وقد طرح الخبراء سؤال محير عن قيمة اعلان ضربة عسكرية محدودة وبنطاق محدود، استنفرت موارد الآخرين وحفزتهم على المجازفة والاستحواذ الاستراتيجي؟ على أثرها حققت روسيا الوصول السياسي والعسكري الآمن للمياه الدافئة المتوسطية، خصوصا بعد مقارنة الوجود العسكري الروسي الذي سيصل الى عشر قطعات بحرية مقابل ست قطعات بحرية أميركية. ولعل قرار اوباما المزاجي ادى الى تفكيك الحلف السياسي والعسكري الاميركي البريطاني، وانقسام النسق الأوربي بين مؤيد ومعارض، وظهور مزاج شعبي منقسم بين مؤيد ورافض، واستمرار الحرب في سوريا والعراق بطابع طائفي، والذي ينذر بعواقب وخيمة على السلم والآمن الدولي والإقليمي. وبنفس الوقت أعطى ضوء اخضر لإيران بالاستمرار في تمددها السياسي والعسكري والأمني بالجوار العربي، وتطوير ملفها النووي، وكذلك منح زر اطلاق اسلحة الدمار الشامل دون رادع دولي لأي دولة تمتلكه، وانهيار المنظومة الأممية التي تعاني من سبات عميق، وأضحى موقف حلفاء اميركا ضعيف للغاية في المنطقة، إذن هل هو قرار مزاجي ام رد فعل غير محسوب جاء بعواقب وخيمة استراتيجيا ام هو سوء تقدير في اتخاذ وصنع القرار .

تبقى كافة الاحتمالات مفتوحة في المنطقة في ظل تداخل العوامل الثابتة والمتغيرة، وصراع الاستراتيجيات وحروب الأفكار، ومزج القدرة العسكرية النظامية مع القوة اللامتناظرة، وغياب القانون وتطويعه سياسيا، وبات مشروع حرق الدول واضح المعالم، ويظهر للعيان ملامح خارطة سياسية جديدة للشرق الاوسط اكثر سخونة واتقاد مما هي عليه. ولم تعمل الأطراف المتمركزة والدول الكبرى وفق فلسفة النسق الدولي، بل اتجهت كل دولة لرسم مساراتها بعيدا عن القانون والشرعية الدولية، مما يوحي للقارئ والمتابع بان كرة الثلج الحربية تكبر وتتسع ومن الصعب التكهن والتنبوء اين ستقف وماذا ستخلف، والحقيقة الحالية هي ان المتوسط اصبح منصة صراع دولي وإقليمي ملتهبة تنذر بمتغيرات في معادلة القوى.

د. مهند العزاوي ـ مفكر عربي من العراق

الخميس‏، 19‏ أيلول‏، 2013