1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

مات بطل روايتي.. ولم اكتبها بعد

عبدالمنعم الاعسم

باقر مسير الزيدي.. ثم الناصري.. ثم، الساخر منا جميعا بمن فينا هو نفسه.. مات قبيل ان ينتصف يناير 2009 في اقتراح مؤسف كان قد قدمه منذ زمن طويل حين كان يفاجئنا، نحن الذين عملنا معه في لعبة الحياة والسياسة والصحافة والضياع، بالقول: ما اهمية هذه الحياة إذا لم تر القاهرة؟ فمات بنيف وستين من دون ان يضع خطوة واحدة خارج الحدود، وطبعا، دون ان يرى تلك المدينة التي كان يعرف حاراتها واسماء مخاتيرها ومثقفيها وصحفها، ربما اكثر من اي مواطن فيها، لحد كنا نتعامل معه كممثل للجالية المصرية بيننا نحن افراد شلته، فالاجدى-كما كان يقول- ان لا نعيش اكثر مما تتيحه لنا سهرة او جلسة مقهى او قراءة صحيفة مصرية على كورنيش، نضير ما يتاح للمخلوقات الاخرى من فرص.

باقر الناصري كان اول شخص زارني في منزلي، او قل زرته، يوم اطلق سراحي من سجن السلمان، وكنت محاذرا ومرتابا ممن هم يتخاطفون من امام نافذتي، فكيف به وقد طرق الباب ليلتقيني. كان ناصري الانتماء والاتجاه في زمن كان الناصريون يمسكون بالسلطة عام 1965. قال لي آنذاك: لقد عرفت عنك الكثير، لا يهمك، يمكنك ان تعتمد عليّ، ساكون معك.

لكن علاقتي مع باقر الناصري فرشت نفسها، بعد سنوات، على سطح اكثر سعة من صداقة اتخذت لنفسها اعتبارات الجيرة والسياسة والثقافة، فقد دخل في حافظتي ووجداني كفارس مؤتمن، او شريك وفيّ، قذفت به الحياة الى اوراقي وسنواتي التي امتدت الى ورق كثير وانتظار طويل ومخيف، وامتد معها هذا الانسان الوفي كذاكرة كنت احوج ما اكون اليها من اي شئ.

همس ابنه عليّ في اذني: "كان يحبك كثيرا" وانا احضر مجلس عزائه في مدينة الحرية، غير مصدق، بل لا اريد ان اصدق ان باقر مسير يمكن ان يهزمه الموت، هكذا، حتى حين نقل لي الصديق جمال العتابي النبأ بالهاتف لم اكن املك آنذاك غير هواء ساخن يخرج من احشائي الى حلقي، من دون صوت.

هل يمكن لموظف، مديد الخدمة، في اعرق مكتبة بغدادية عامة ان لا يكون قارئا؟ يمكن ذلك، لكن باقر مسير الزيدي الذي ادمن العلاقة بالكتاب اصبح نفسه كتابا مفتوحا بالنسبة لي ولكل من يعرفه، ومن الكتاب الى دورة الصحافة، انتقل كما مجرى الماء، لكن كوميديا العراق السوداء سدت بوجهه الطريق، فقبل بالعوز هاربا من جادة تزيدت حوافرها، ولاذ بالفكاهة من نفسه ومن الحياة.

ويوم غادرتُ العراق، مضطرا ومهموما، الى المنفى ودعني الناصري بقوله: هل لا زلت على عهدك ان تكتب عني؟ ضحكتُ، وقلت له: "هل لا زلت تمزح حتى في لحظة ننذبح فيها؟" وبعد ان عدت بعد ثلاثين سنة، اكتشف ان الوقت مضى على حاجته لمن يكتب عنه، كان اكثر استعدادا للمصالحة مع الاقدار والموجودات، ثم اكتشفت ان القصاصات والهوامش التي احتفظت بها له تصلح ان تكون تخطيطا لبطل رواية، فرحل قبل ان اكتبها.. يا لفجيعة الكتابة .

ــــــــــــــــــــــ

كلام مفيد:

"ممدوح، لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكرني بما ينقصني من رغبةٍ في الضحك".

محمود درويش يرثي ممدوح عدوان