1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

"ليس كل الغزاة قساة"

ثامر مراد

كان الليل قد أسدل ستائره على المنطقة التي بقيت أسكنها لوحدي على الرغم من هجرة غالبية السكان طلبا للحياة والتخلص من القذائف التي كانت تزلزل الشارع الطويل الذي كنت ساكنا على أحد جوانبه المخيفة.شارع ستين هو المكان الذي تحول الى جحيم أو مصيدة للموت على القاصي والداني في زمن تحول فيه قتل ألأنسان الى قضية بسيطة جدا لاتكلف شيء سوى الضغط على الزناد-كما يحدث في أفلام العصابات في تكساس-.لم أستطع الرحيل كما فعل أقراني لسبب بسيط وهو أنني أعاني المشقة في توفير لقمة العيش لعائلتي علاوة على هذا لايوجد مكان كي أرحل ناحيته.أستسلمت لقدري وخاطبت زوجتي من أن الله سوف لن ينسانا كما أن الموت يأتي الينا في أي زمان ومكان أذن فلنمت هنا في وطننا الصغير هذا-أقصد الشقة- التي حصلنا عليها بشق ألأنفس ..وتعاهدنا على الموت فيها.كانت زوجتي قد فهمت ماكنت أرمي اليه وتعرف الظرف المعيشي الذي أرزح تحت طائله.وأتخذنا القرار النهائي بالبقاء مهما كان الظرف القاسي الخطر الذي قد يؤدي الى دمار عائلتنا الصغيرة.لم نعد نهتم لأزيز الرصاص الذي كان يقض ليالينا على مدار الشهور والسنين العجاف التي كنا نعيشها..لقد أمنا بالقدر وأن ساعة الموت ان جاءت فلا أحد يستطيع ردها حتى لو كنا في بروج مشيدة.حينما كان الليل يزحف نحو الشارع نهرع الى المكوث في الشقة ونغلق ألأبواب التي تمزقت بالرصاص الطائش المتطاير كل ألأوقات ..لاتوجد كهرباء على مدار ألأيام والشهور والسنين..فكانت –اللاله- أو المصباح النفطي هو رفيقنا الوحيد في كل ألأزمنة الصعبة وليالي الشتاء الباردة.كنت ألف جسدي بالبطانية وأجلس مع أطفالي الصغار في زاوية من زوايا الغرفة الصغيرة نستمع الى ألأصوات المرعبة التي تطلقها القاذفات والبنادق من كل ألأتجاهات.كان ألأطفال يرتجفون في حضني كطيور صغيرة جدا جاءت الى الحياة على التو.كنت أهدئهم واحاول أن اقول لهم بأن تلك الطلقات ماهي الا عرسا في الطرف ألأخر من المدينة عندها تهدأ نفوسهم القلقة ويحاولون النوم على صوت البنادق في كل مكان.وفي ليلة من الليالي الباردة واذا الباب يقرع بصوت عنيف وكأن الطارق جاء خصيصا ليقتلع الباب- الذي لايحتاج لكل ذالك الطرق المتواصل لينقلع من ألأساس-.نظرت الى زوجتي التي كانت قد تسمرت في مكانها شاحبة وكأن لسان حالها يقول لي"وأخيرا جاء الموت الذي كنا ننتظره كل هذة الشهور-.وقبل أن افتح الباب كان-الباب قد أنفتح بسبب الدفعه القوية التي وجهها له –زائر الليل الغازي الباحث عن ألأرهاب في كل مكان على حد قوله-.وعلى حين غره أزدحمت الشقة بجنود مدججين بالسلاح يتكلمون ويصرخون بلهجة بالكاد أكاد أميز كلمة أوكلمتين من كلامهم.بحثوا في كل مكان..في الدولاب الوحيد..تحت ألأريكة المتهرئه..داخل المرافق الصحية الصغيرة جدا.عندما تأكدوا من عدم وجود أي أرهابي صاح أحدهم بشكل هستيري –كلير- وفهمت فيما بعد أنه يقصد بأن المكان خال أو نظيف من الخطر...ثم تراجع الى الوراء ووقف قرب الجدار بينما بقي ألأخرين يحرسون كل الطرق المؤدية الى الشقة. تقدم أخر يكاد رأسه يلامس سقف الشقة المنخفض نسبيا.دون أن يستأذن جلس على ألأريكة الوحيدة وأشار بيده لي كي أجلس قربه بيد أنني جلست على ألأرض خوفا من تهشم ألأريكة-التي أعرف حالتها الضعيفة والتي رافقتني كل تلك السنوات الطويلة.بدأ يتحدث بلغة بطيئة جدا كي افهمه وعندما عجزت عن الفهم تقدم رجل أخر وراح يشرح لي وله ما كان يدور من حديث بيننا.سألني عن حياتي وعن بقائي في هذا المكان المهجور وعن الطعام وكل شيء.بعد تقدم الحوار بيننا شعرت بالأطمئنان ورحت أشرح له كل المعاناة التي تواجهني في هذا المكان المقفر-بعد أن كان يوما ما من أشد المناطق أزدحاما-.

توقف عن الكلام قليلا وراح يدير نظراته في كل أرجاء الغرفة الصغيرة وعلى حين غره قال بتواضع : أنا عطشان هل تقدم لي قليلا من الماء أشعر بعطش شديد".نظرت الى زوجتي التي كانت تجلس القرفصاء في الزاوية البعيدة من الغرفة والهلع التام قد سيطر عليها تماما.أمرتها أن تجلب القنينة الوحيدة من الماء-وهي ماتعادل لتر ونصف-.نهضت بأحترام وقدمتها له.مسك القنينة بيده دون أن يشرب منها.قال بهدوء :أذا شربت هذا الماء هل سيبقى لكم بعض الماء للصباح؟بالمناسبة كان الماء مقطوعا.قلت له بصدق:" كلا هذه القنينة هي الوحيدة التي نملكها هذه الليلة". قال:أذا لماذا تقدمها لي؟ أنت غير مجبور على هذا..تستطيع أن تقول ليس لدينا ماء وسأفهم الوضع بكل رحابة صدر.قلت على الفور:أنت ضيفي ألأن ونحن العرب نكرم الضيف حتى لو أضطررنا للتخلي عن الشيء الوحيد الذي نملكه".أعاد القنينة لي وهو يقول: المعذرة..أردت التأكد مما كان يقوله التاريخ عنكم .قبل أن نأتي الى بلدكم اعطوننا محاضرات كثيرة عن بعض تقاليدكم وعاداتكم كي لانرتكب حماقات..منها اذا قدم لنا عراقي شيء يجب أن ناخذه كي لانهين المقابل وبعض ألأشياء ألأخرى.أنا مكلف بواجب وعلي القيام به مهما كانت الظروف..أعرف أنك تعتبرنا غزاة وهذا من حقك..ولكن منذ هذه اللحظة أرجو أن تعتبرني صديق..كأنسان وليس كمقاتل جاء من أرض بعيدة..من يدري قد أكون ذا فائدة لك يوما ما .." أخرج ورقة صغيرة مدون عليها رقم هاتف قدمها لي وهو يقول" أحتفظ بهذه الورقة ولاتخرجها لأي أحد الا أذا أزعجك جندي أمريكي يوما ما وقل له أن يتصل بي فورا".أخذت الورقة الصغيرة بيد مرتجفة ووضعتها في جيبي.بعد قليل راح يتحدث في الجهاز المعلق على كتفه وفي غضون لحظات بدأ جنود أخرين يدخلون الشقة وهم يحملون مايقرب من خمسة وأربعون صندوقا من المياه المعقمة.نظر الي مبتسما وهويقول:هذه المياه هدية لك لأنك قدمت لي القنينة الوحيدة التي تملكها..سأذهب ألأن واذا احتجت الى اي شيء سوف نأتي فورا لتقديم المساعدة لك."وفي لمح البصر كانوا جميعا قد غادروا الشقة.نظرت اليهم من النافذه كانوا يتحركون في قافلة كبيرة ..نظرت الى صناديق الماء ورحت أردد مع نفسي بحزن دفين"أي زمن هذا الذي يستعطف فيه غازي قدم من وراء البحار كي يهبني ماءا وانا أبن دجلة والفرات..أي زمن هذا الذي نستجدي فيه الماء ونحن بلاد مابين الرافدين ..من هو السؤول.. الزمن أم حماقة الحكام..أم حظنا العاثر في أروقة التاريخ المتعثر."غطيت رأسي في البطانية وأنا أتصبب عرقا وحياءا من التاريخ بينما راحت زوجتي ترتب الصناديق داخل المطبخ الصغير .

." أعطوني صناديق ماء بهذا الحجم "..