1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

لماذا ينأى المثقفون العراقيون بأنفسهم عما يجري

لدى العراق الكثير من الطاقات البشرية المثقفة والمتخصصة في مختلف المجالات العلمية والتقنية، لكن أغلبها مهاجرة ومشردة خارج البلاد ومن يعود منهم ليساهم في بناء وطنه لا يعطي الفرصة ويتم تهميشه حسب رأي د. لبيب سلطان.

منذ عام 2003 لم يتمكن المثقفون العراقيون من قول كلمتهم بعد عما يجري أو ما إذا كان يجب أن يجري في بلدهم الذي كانوا على مدى عقود كاملة بين حلم وإرادة حقيقية للرجوع للمساهمة في بنائه بعد انفضاض الديكتاتورية الصدامية التي صارعوها لعقود طويلة ورفض لماهية البعث والظاهرة الصدامية. هناك المئات بل الألوف من المثقفين والأختصاصيين الوطنيين العراقيين في الخارج الذبن كان ينبغي ان يلعبوا دورا في بناء العراق الجديد – ولا تجد لهم اليوم أثرا في العراق، البلد الذي يكاد يخلو اليوم من أية طاقات بشرية محترفة بأي مجال ( لم أر شخصيا وعلى مدى خمس سنين أن التلفزيون والقنوات قد استضافت شخصية عراقية واحدة تحس أنها متخصصة محترفة لعملها قادرة على التخطيط والبناء والتطويرفي مجالها – مقارنة بما نشاهده من طاقات مصرية مثلا على القنوات) وهذه نتيجة لتدمير طاقات المجتمع العراقي البشرية وعزله على يد النظام الصدامي ولعقود طويلة بحروبه و بتدمير الطبقة المتوسطة وتجويعها وإذلالها، والمؤسسات الفكرية أو الحكومية تم صبغها بصبغة الولاء بدل الوطنية والاحتراف وعزلها عن مجاراة التطور المدني و الدولي.

هناك الكثير من المثقفين الصامتين رغم ان لديهم الكثير مما يجب ان يقولوه أو عمله لمساعدة مجتمع شبه مدمر بقيمه الأعتبارية أو المؤسساتية على مستوى الحكومة أو بناء مجموعة القيم لتطويرالشخصية العراقية الفردية أو الجمعية. إن كل مايراه العراقيون ويسمعونه اليوم هو روزخونية خرافية من أحاديث دينية أو انفاس طائفية أو من أعضاء بالبرلمان انتخبوا لكونهم سنة أوشيعة، لا لخبير في البيئة أو التخطيط الحضري أو الأجتماعي أو الشؤون الدولية – فهؤلاء لا يوجد منهم في العراق، ان وجدوا فهم بثقافة القرون الوسطى الصدامية – يحمد هذا ويذم ذاك ولا يؤمنون بالعلم وأدواته بل بالتطبيل وأدواته.

الفساد والتبعية

شخصيا، أنا واحد من المثقفين المنزوين في العراق، رجعت من الولايات المتحدة قبل 5 سنوات إلى العراق لأقدم ما استطيع، ويلومني الجميع كوني صامت. أحمل صفتين إحداهما كوني أعمل في مجال حقوق الأنسان وتطوير المجتمع المدني وكنت أراسل منظمة هامة في الولايات المتحدة لتطويرمفاهيم المجتمع المدني في العراق للسنوات التي سبقت اسقاط صدام وضمت المئات من أهم عقول وطاقات المثقفين العراقيين وتدعى (المنظمة الوطنية للمجنمع المدني في العراق) واني رجعت لأعمل منفردا في تطوير مجال الطاقة المتجددة "والشمسية تحديدا، ونجحت في ذلك بخطوة نادرة لا يمكن اعتبارها قياسا في ظروف العراق الحالية رغم كوني أستاذ سابق للهندسة الكهربائية في جامعة كاليفورنيا – وفي هذه الولاية لا يعني الأستاذ "مدرسا" كونها ولاية تكنولوجية وبكون الأستاذ أقرب إلى مدير مشاريع لشركات تكنولوجية جديدة منه إلى مدرس –وكالقاعدة الجارية يحارب في العراق من يعمل أو يتصرف بصدق ويحارب اليوم من 20 جهة بين من يريد رشوة (من أعلى الهرم لأدناه) ومن يريد ان يكون ذلك باسم تيار اسلامي أو بعضهم يظنني رجل أعمال وآخرون يعتبرونني مجرد حالم يؤمن بأن هناك مجالا لأصلاح البين في العراق – وهذا يبدو لي أقرب للحقيقة .

صفتي الأولى هي وحالي حال المئات من المثقفين العراقيين الذين فيها – كنا نحلم ببناء عراق جديد مزدهربعد السقوط - وجلهم غادر العراق منذ عقود كونهم اما يساريون أو مثقفون وكلاهما التقيا بنقطة واحدة وبعد عقود من التطوروالنقد والتحليل - تبني المفاهيم الليبرالية لبناء الدولة المدنية الغير مؤدلجة (لا شيوعية ولا دينية ولا قومية) وجعل تطوير المجتمع على أساس حقوق الفرد (وليس الجماعة) والأعتراف بشخصنة الفرد وحقوقه وخصوصيته كأساس للمجتمع المدني ودولة مدنية كنا نصيغها في أذهاننا لبناء العراق الجديد –وهي حقائق قد وصل اليها أغلب المثقفين العراقيين بعد مراجعاتهم لكامل تجاربهم السابقة – سواء شيوعيين أم ماركسيين أم مستقلين أو تكنوقراط أو اسلاميين متنورين–من خلال تحليلاتهم لمعاناة الوضع في العراق وماأنجز من تطور مدني في بلدان إقامتهم.

عدم استغلال الطاقات المتوفرة

هذه التجربة الهائلة المتراكمة لدى المثقفين العراقيين هي بالضبط ما كان يجب أن يشكل نقطة البدء عند الشروع لبناء العراق الجديد لتجنيبه الوقوع مما نراه اليوم من الأصطفاف الطائفي البالي المصبوغ بمؤسسات منتخبة طائفيا كالبرلمان أو تشكيلة الحكومة العراقية الغير كفوءة – والتي استندت على أساس المحاصصة وليس على أسس بناء المؤسسات الوطنية للدولة. لقد أمتنع العراق عن استغلال طاقته البشرية الوحيدة المتوفرة لبناء مستقبله ومؤسساته -وهذه حقيقة واضحة اليوم في العراق.

اعتقد أني أوصلت القارئ للنقطة الأساس "امتناع العراق عن استغلال طاقته البشرية الوحيدة المتوفرة لديه من مثقفيه" هل فعلا يحتاج المجتمع العراقي لخدمات مثقفيه وكوادره ونخبه المتخصصة المتبعثرة في الخارج أو في الداخل ومنذ عقود؟ هذا هو جوهر الموضوع- والجواب نعم ولا بآن واحد . نعم لأن مثقفي وأختصاصيي البلد تكاد تكون الأداة الوحيدة لانقاذه من بؤس الأفتقار لدولة ومؤسسات فاعلة مدنية وكفوءة ووطنية .

وكلا- العراق لايحتاج لهم إطلاقا – لأنهم غير طائفيين. وللأجابة على النقطة التي بدأت منها – لماذا إذن النأي عما يجري والنأي لما يجب ان يجري - فكما كابد المثقفون والمتنورون في العراق من حرب صدام عليهم سواء فاليوم – حرب ضروس أخرى عليهم في ظل قيام دويلات الطوائف ( وزارات أو مجالس محافظات طائفية بحتة) تقوم ضد بناء مجتمع أو دولة عصرية – فهي لهم صراع المصالح - والمثقف هو عدوهم - و تجري حرب ظالمة على عراقيي الداخل من المثقفين والعلمانيين والليبرالين وتخرج جموع جديدة منهم اليوم خارج العراق كما كان الوضع عهد صدام.

والسؤال هو –هل الوضع ميؤوس منه لإخراج العراق من محنته؟ وهل يمكن لمثقفيه ان يدخلوا لساحته من جديد ليضعوه على قدميه أم ان المثقف " منفي دائم وغير مرغوب به " سواء وقت النظام السابق أوالنظام الحالي – وهل من مخرج؟ هذا ما أحاول الأجابة عنه، في الجزء القادم، هذا إذا ما قررت أن أبقى نائيا بنفسي"كما يدعوني البعض ودفعني لكتابة هذه المقالة" والنأي هنا هو عن الواقع المر المعقد الذي رأيته في العراق – البلد الذي غادرته بعمر 19 عاما بوعي ورجعت إليه بعمر 57 عاما لأساهم بما استطيع لبنائه – وأنا يتم دعوتي بالعراقي "غشيم" –لأني رجعت حالما، فهل هم محقون؟ هذا ماسأجيب عليه في الجزء التالي إذا نويت ان لا أنأى بنفسي .

د. لبيب سلطان