1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

لماذا نريد تعليماً عالياً على غرار الجامعات الأمريكية والغربية؟

يثمّن أ.د. محمد الربيعي مستوى أداء الجامعات الأمريكية ويرى في دعوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي علي الأديب لإنشاء جامعة أمريكية في بغداد، دعوة مخلصة هادفة يمكن نتشكل نقلة نوعية في التعليم العراقي.

لكي يستعيد العراق عظمته التاريخية يحتاج الى جامعة من نوع جديد، وبالتحديد يحتاج الى جامعة أمريكية ودولية جديدة من شأنها أن تقود الطريق لتعليم عالي متفوق في العراق في العقود المقبلة. وقيّم الاديب ألجامعات الامريكية (والغربية عموما) تقييما جيدا واصفا اياها بأنها توفر تعليما متكاملا وتخرج طلبة يتمتعون بقابليات ومهارات عديدة منها التفكير النقدي، والابتكار ويتميزون بالبراعة في التوليف والتحليل ويتعاطفون مع الآخرين، ولهم القدرة على التكيف في مجتمع متنوع الثقافات.

اعجبني تقييم الاديب للجامعات الامريكية لذا قررتُ ان اغتنم هذه الفرصة التي اتاحها مقاله لابداء الرأي. وقبل ان ادخل صلب الموضوع أحب ان احذر من دعوة اي جامعة امريكية لمجرد انها امريكية، فالتجارب الحديثة لوجود الجامعات الأمريكية في المنطقة لا تمنحنا ثقة بانها ستقدم ما هو أفضل مما تقدمه الجامعات العربية، وبالتحديد لا الجامعات الأمريكية في قطر والخليج، ولا في السليمانية استطاعت ان تصل الى مصاف الجامعة الأمريكية في بيروت او إلى تلك التي في بلدها، ولهذا أسباب عديدة قد اعود لها في المستقبل.

تعتبر الولايات المتحدة اكبر دولة للتعليم العالي ولربما افضل دولة في نوعية التعليم. توجد فيها حوالي 4000 مؤسسة تعليم عالي تضم أكثر من 17 مليون طالب و41% من هذه المؤسسات تمثل كليات مجتمعية تدرس لمدة سنتين و20% تمثل نسبة الكليات الاولية، ولا تمثل المؤسسات الجامعية التي تمنح شهادة البكلوريوس الا 18% من هذا المجموع منها 15% تمنح شهادة الماجستير و6% فقط تمنح شهادة الدكتوراه ونصف هذه الجامعات (3%) يطلق عليها بالجامعات ذات القاعدة البحثية.

جامعة تخرّج رؤساء

تتميز الجامعات الامريكية باختلاف المهمات فيما بينها، فعلى سبيل المثال تعتبر جامعة ييل (Yale)من أفضل الجامعات في العالم ، و مهمتها اولا هو تخريج قادة للولايات المتحدة وللعالم، وثانيا تطوير ونشر والحفاظ على المعرفة والثقافة المجتمعية (Culture). استطاعت ييل ان تخرج 530 عضو كونغرس بضمنهم الرؤساء بوش الاب وفورد وكلنتن وبوش الابن وهي بهذا تكون قد نفذت مهمتها الاولى. اما المهمة الثانية فيبدو ان نشر المعرفة ينطبق على معظم مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة الا ان المحافظة على المعرفة والثقافة وتطويرهما فلا يشاركها في هذه المهمة الا 1% من هذه المؤسسات.

المثال الثاني على الجامعات المتميزة في امريكا هو معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك) (California Institute of Technology)ومهمته هي توسيع نطاق المعرفة وافادة المجتمع من خلال اجراء البحوث المتكاملة والتعليم. كالتك ليس بجامعة وانما معهد صغير يدرّس فيه حوالي 400 مدرس وفيه 2000 طالب لكلا الدراسات الاولية والعليا، ومع ذلك فان المعهد يفتخر بحصول علمائه على 31 جائزة نوبل، ممثلا بذلك اعلى مساهمة لاغناء المعرفة من قبل اية مؤسسة بنفس الحجم . ويتميز المعهد بمواضيع محددة هي الطيران والفضاء وعلوم الحياة والفيزياء. كالتك يمكن ان يكون مثالا نحتذي به لانشاء مؤسسة جامعية تهتم بمواضيع رائدة كالمياه، وبيولوجيا النخيل، والنفط، وتضم خيرة من العلماء في هذه المجالات يهتمون بالبحوث العالمية الرائدة ويندمجون بالعلم العالمي وبمؤسساته.

اما جامعة هارفرد (Harvard)فتعتبر من اعرق وافضل جامعات العالم الا انها لاتضم الا حوالي 6500 طالب ويعتبر برنامجا الطب والتجارة من احسن البرامج المماثلة في الجامعات الامريكية. تخرج من هارفرد 8 رؤساء أمريكيين بضمنهم روزفلت وكندي، وفيها عمل أو يعمل حاليا 48 عالم من الحاصلين على جائزة نوبل. قوة هارفرد الأساسية تكمن في قدراتها المادية فهي تمتلك اكبر الاوقاف المالية في العالم. اما غاية الجامعة فهي ببساطة "انتاج المعرفة وفتح اذهان الطلاب على هذه المعرفة وتمكينهم من الاستفادة القصوى من الفرص التربوية" ، ولتحقيق هذه الغاية تقوم الجامعة بتشجيع الطلاب على احترام الرأي المغاير والافكار الجديدة وعلى التعبير الحر والتفكير النقدي والى السعي لتحقيق التفوق من خلال روحية عالية من التعاون المثمر، وتشجع طلابها على تحمل المسؤلية والمشاركة الجماعية واكتشاف قدراتهم وتطويرها، كل هذا من اجل تكوين اشخاص لهم قدرات الاكتشاف والقيادة والتحدي والتخليق.

الا يكفي هذا من مهمات لكي تترشح الجامعة بكل جدارة للتصدر؟ يتضح ان هدف جامعة هارفرد هو صناعة الانسان وليس مجرد تعليم الطلاب طب وهندسة وآداب وفنون كما تفعل معظم الجامعات. ما استذكره من زيارتي الاولى وفي مقتبل حياتي الاكاديمية لاستاذي المرحوم البروفسور فخري البزاز الذي كان يحتل كرسي التطور البيولوجي في جامعة هارفارد انه اخذني للاطلاع على قسمه واول ما فعل هو ان اراني مفتخرا بقيم واصول الجامعة مكاتب جوار مكتبه كان يعمل فيها بعض من الحاصلين على جوائز نوبل كجيمس واتسون، وتوماس ولر، وفرتز لبمان، وكونارد بلوخ. فكان ان انتابني شعور بالاعجاب بعضمة هؤلاء الذين هم من نتاج ثقافة البحث والتحري والاكتشاف، والتراث والاخلاق العلمية للجامعة، وليس كنتيجة لقابلياتهم العقلية فقط. على سبيل المثال لم يكن فرتز لبمان الا رجلا فاشلا بلا مستقبل قبل ان تشحذ هارفرد قابلياته ليتم له اكتشاف واحد من اهم الانزيمات في صناعة البروتينات.

جامعة برنستن خرجت25 عالما حاز على جائزة نوبل

المثال الاخير هو جامعة برنستن (Princeton)وهي الجامعة الاولى في الولايات المتحدة. في الوقت الحاضر لا يتعدى عدد طلبتها 7500 طالبا منهم حوالي 2500 يدرسون دراسات عليا. لا تمتلك الجامعة اي من اكثر الدراسات رغبة بها في الولايات المتحدة وهي الطب والقانون والتجارة، ومع ذلك فهي من افضل الجامعات في العالم، والسبب انها تتبنى نظام تعليمي من اكثر الانظمة صرامة وباستخدام موارد محدودة استطاعت من خلالها انتاج 25 من الحائزين على جائزة نوبل (17 منهم في الفيزياء) و 12 من الفائزين بجائزة فيلدز (والتي تعتبر جائزة نوبل في الرياضيات).

ومن هنا نرى ان مهمات الجامعات تختلف باختلاف تراكيبها ونشأتها واهدافها فنرى جامعة ييل تركز على مهمة انتاج قادة بينما تفضل كالتك ان يكون طلبتها من ذوي الارادات القوية والمثابرة الفائقة في حل المشاكل وتركز خاصة على أولئك الذين يتمتعون بمواهب موسيقية فذة.

من هذه الامثلة وغيرها ما يتوفر لنا حول نظام التعليم الجامعي في الولايات المتحدة، نرى ان الجامعات المختلفة لها مهمات مختلفة وبالتالي لها نظم تشغيلية مختلفة تتمتع بميزات فردية. الجامعات في العراق يجب عليها ان تتميز بعضها عن البعض الاخر في مهماتها وفي مواضيعها وان يكون لها خصوصيات كالجامعات الحرة لكي تستطيع ان تسّخر امكانياتها المحدودة لتحقيق اهداف قليلة توصلها الى مصاف الجامعات العالمية المتميزة. ليس لكل الجامعات ان تكون كما يقول المصريون "بتاع كلّو"، بل عليها ان تتعرف على امكانياتها وحاجة سوق العمل المحلي، واهتمامات اساتذتها وتوفر الاختصاصات العليا لكي تبني مشاريعها وتنتقي برامجها التعليمية والبحثية. الجامعات يجب ان تكون مراكز انتاج المعرفة ومراكز تعاون ومحبة بين منتسبيها يجمعهم هدف واحد وهو الرقي بجامعتهم لا يتصارعون بينهم لتحقيق أهدافهم الشخصية وإنما يتصارعون مع منتسبي الجامعات الأخرى في سبيل مصلحة جامعتهم.

ميزات الجامعات الأمريكية

تتميز الجامعات الأمريكية المتقدمة منها وعالية المستوى بخصائص قلما تتوفر للجامعات العراقية منها امتلاكها لموجودات ملموسة بما في ذلك المعدات والمختبرات الحديثة والمتطورة والشبكات الالكترونية والمرافق المكتبية وغيرها، ولها موارد بشرية غنية ذات مستويات عالية بما في ذلك أساتذتها وطلابها وموظفيها، وما الى ذلك. وللجامعات ثقافة اجتماعية مبنية على حب الأساتذة ومحبة الطلاب، ونظام اداري يعطي للأساتذة حق إدارة الجامعة بينما تمتع الجامعة بالاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وفيها تنمو وتزدهر الحريات الأكاديمية وحق التعبير وتمارس الإدارة الديمقراطية بشكل بناء. بهذه الطريقة تكون الجامعة مركزا لرعاية الذكاء والأذكياء والموهوبين وهو شئ لا يمكن حدوثه الا عندما تكون الجامعة مركز محبة وإخلاص وتفاني في العمل والبحث بحيث تكون كالمغناطيس لجذب الأساتذة والباحثين والطلاب الموهوبين. ولابد من الاعتراف هنا بأني عندما قررت الانتقال من جامعة برمنغهام في إنكلترا الى جامعة دبلن في جمهورية أيرلندا، كان المغناطيس هو العرض المغري والذي شمل التجهيزات المختبرية الراقية واموال البحث العلمي التي خصصت لي. هكذا تعمل الجامعات لتتبوأ أعلى المراكز ومن اجل تفوقها العلمي.

ويتفق عموما على ان الجامعة الرصينة ذات الطراز العالمي لها ثلاثة مزايا مهمة هي الجودة العالية للتعليم والتفوق في البحث العلمي ونشر المعرفة والمساهمات المتميزة في الثقافة والعلوم والحياة المدنية للمجتمع، وهي مزايا تتميز بها الجامعات الأمريكية الرائدة.

وهنا لابد لي من الإشارة الى دراسة ألدن ولن Alden and Lin, 2004)) التي تطرح عدد من خصائص الجامعة ذات الطراز العالمي، أهمها:

1- ذات اعتبار عالمي في البحث العلمي

2- ذات اعتبار عالمي في التدريس

3- تمتلك عددا من الباحثين المتميزين عالميا

4- معترف بتفوقها من قبل الجامعات العالمية الاخرى ومن المؤسسات خارج منظومة التعليم العالي

5- تمتلك عددا من الأقسام العلمية ذات المستوى العالمي المتميز

6- بالتركيز على البحوث الرائدة التي تتميز بها الجامعة تستطيع احراز السبقية في هذه المواضيع

7- تبتكر افكارا رائدة وتنتج بحوثا اصيلة وتطبيقية بكثرة

8- تجذب افضل الطلبة وتنتج افضل الخريجين

9- تنتج بحوثا رائدة وتحصل على أفضل الجوائز العالمية

10- يمكنها من جذب أفضل الأساتذة والباحثين العالميين للعمل فيها

11- تجذب اكبر الأعداد من طلبة الدراسات العليا

12- تجذب اكبر الأعداد من الطلبة الأجانب

13- عالمية في سوقها وعملها الاكاديمي من حيث الارتباطات العلمية وتبادل الاساتذة والطلبة والزائرين العلميين

14- تحصل على اموال عالية من جهات عديدة فيما عدا الدولة كالقطاع الخاص والصناعي والخيري

15- توفر لطلبتها واساتذتها بيئة اكاديمية وعلمية صحية وبارقى المستويات

16- تمتلك قيادة ادارية لها رؤية استراتيجية وخطط تطبيق

17- تخرج طلبة يحصلون على مستوى عالي جدا من الوظائف ذات النفوذ في الدولة والمجتمع

18- بصورة عامة لها تاريخ طويل من الناتج ذو المستوى المتميز

18- تقدم مساهمات متميزة للمجتمع وللحياة العصرية

19- تقارن دائما بنظيراتها من الجامعات ذات الطراز العالمي المتميز

20- عندها الثقة الكافية لوضع مشاريعها وخططها بدون الاعتماد على جهات خارجية

ما العمل في جامعات العراق؟

لكي يتحسن مستوى الجامعات العراقية لابد ان تدرس تجارب الجامعات الغربية لتتعرف على خصائص هذه الجامعات وسبل تبنى أساليبها وطرقها لغرض الوصول الى القمة. ولكن هذه المعارف وحدها لن تمكن الجامعات العراقية من تحقيق أهدافها الا بانتهاج النهج الذي وضعت علاماته أعلاه وهو نهج لابد وبالضرورة سيعتمد تطبيقه على تغيير جذري في نظامنا الإداري وثقافتنا الاجتماعية فالاستقلالية والحكم الذاتي للجامعات مسألة أساسية لكي تأخذ جامعاتنا طرقا مختلفة عن بعضها الآخر بحيث تتميز الواحدة عن الاخرى وهذا التميز سيدفع بها الى التنافس فيما بينها للحصول على الصدارة وطنيا وعالميا. اما الآن فالاختلافات شكلية والفروق نسبية، ولكن مع أهمية الاستقلالية لا يمكن للجامعات ان تتطور كثيرا اذا لم تتوفر لها قيادات إدارية وتربوية فائقة المعرفة. ولا ننسى ان الجامعات لا ترقى الا بقيمها وأصولها، ولا يكتمل تميزها إلا بتميز تقاليدها وهويتها.

ويبدو ان التخوف من إساءة استخدام الجامعات لاستقلاليتها يلعب دورا مهما في تمادي الدولة في فرض سيطرتها على الجامعات. في أمريكا والغرب يلعب سوق العمل وحاجة المجتمع كقوى أخلاقية ملزمة للجامعات في اختيار البرامج الأكاديمية وعدد طلبتها وتبرير وجودها، لذا لا تلعب حكومات هذه الدول الا دورا صغيرا جدا في تسيير التعليم العالي. قد يؤدي منح الاستقلالية كاملة ولكل الجامعات العراقية في الوقت الحاضر الى عكس ما نريده من تطور نتيجة تخلف الهيكل التنظيمي، ووجود وشائج من العلاقات الشخصية والسياسية والاجتماعية والدينية التي تلعب دورا مهما في تسيير الجامعات، ولان الثقافة السائدة في المجتمع العراقي لازالت هي ثقافة الوظيفة الرسمية والتسلسل الوظيفي الهرمي والتي تعتمد على اطاعة المسؤول الأعلى درجة من قبل المسؤول الاقل درجة.

الجامعات الامريكية تنعدم فيها ثقافة طاعة المسؤول فيستطيع اي طالب او استاذ من مسائلة عميد الكلية او رئيس الجامعة متى ما شاء من دون خوف، وفيها يتمتع الاستاذ باستقلالية شخصية تجعله يتعامل مع من يشاء، ويتنقل ويسافر متى ما شاء، وله ميزانية بحث خاصة به، ويحضر مؤتمرات ويشارك في ندوات متى ما شاء، ويعمل كاستشاري لمن يشاء، ويزور العراق متى ما شاء! ولا يطلب من رئيس الجامعة الموافقة على كل شاردة وواردة تحدث في الجامعة، ولا يتوقع من الطالب ان ينادي استاذه بدكتور او بروفسور، ولا تتوفر مقاعد امامية وثيرة في قاعات الجامعة لتحتضن المسؤولين، ولا ورودا بلاستيكية رخيصة تعيق من حركة ورؤية المحاضر. وهذا لا يحدث الا نتيجة شيوع ثقافة اكاديمية تعتمد على الشفافية والاحترام والمصلحة المتبادلة والاخلاص للعمل. لهذا اكرر ان للجامعة ان تتبنى وتنشر ثقافة اكاديمية داخلية تعتمد بالاساس على اشاعة الحريات الاكاديمية والثقة بالنفس واحترام الرأي الآخر والاخلاص في العمل والذود عن مصالح الجامعة لكي تتمكن من الوصول الى مستويات الجامعات الامريكية والغربية.

خلاصة القول ان ما على الجامعات العراقية التعلم من الجامعات الامريكية يكمن في جوهر المفاهيم التالية: جذب ورعاية المواهب، واذكاء شعلة التشوق للتفوق والتعلم، وبناء ثقافة وتراث اكاديمي خاص بالجامعة، واشاعة الحريات الاكاديمية، وارتباط بسوق العمل.