1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

قانون الجنسية الجديد وبتطبيقات صدامية

د.عبدالخالق حسين

يردد الكثير من أبناء شعبنا مقولة: (ذهب صدام وبقيت الصدامية)، وهم على حق في ذلك، لأن الصدامية عقلية وسلوك ونهج وليس مجرد شخص اسمه صدام حسين. فبعد 35 سنة من حكم البعث الصدامي بالقبضة الحديدية، ومعاملة الناس كعبيد ومواطنين على درجات مختلفة، وحسب قربها من العائلة الحاكمة، صارت الصدامية متجذرة في سلوك البعض ومتفشية في مؤسسات الدولة والإدارة وحتى بعد أكثر من ستة أعوام من إسقاطها، إذ ثبت أنه من الصعوبة بمكان استئصالها بين يوم وليلة، وبالأخص من دوائر مديرية الجنسية العامة، ورغم إلغاء قانون الجنسية السابق وتشريع قانون جديد عام 2006.

لعل العراق هو البلد الوحيد في العالم الذي يحتاج فيه المواطن إلى شهادة الجنسية العراقية. فالجنسية العراقية (البطاقة الشخصية) وحدها لا تكفي بل تحتاج إلى شهادة من الحاكم الطائفي. وعلى هذا الأساس تم تقسيم أبناء العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، إلى مواطنين من درجتين: مواطنون من الدرجة الأولى وهم الذين كان أجدادهم يحملون الجنسية العثمانية، ومواطنون من الدرجة الثانية، الذين اضطرت الظروف أجدادهم ليقبلوا بالجنسية الإيرانية تهرباً من الخدمة العسكرية في الجيش العثماني.

من المعروف تاريخياً أن العراق وبحكم موقعه الجغرافي، كان ساحة لغزوات الجيوش الأجنبية وموجات الهجرة البشرية منذ فجر التاريخ. ولذلك يمتاز شعب العراق بكثرة التنوع الأثني والديني والمذهبي. فخلال الفترة ما بين أوائل القرن السادس عشر وأوائل القرن العشرين، وقع العراق، مرة تحت الاحتلال العثماني التركي وأخرى تحت الاحتلال الصفوي الفارسي، وكلاهما احتلال واستعمار في جميع الأحوال.

كذلك يعرف الناس أن الحكم التركي كان يفرض على العراقيين من حاملي الجنسية العثمانية، الخدمة العسكرية القاسية في الجيش العثماني، والذي كان في حالة حروب دائمة في بلاد القوقاز وأوربا. وكان من المؤكد أن الجندي الذي يدخل الجيش سوف لن يعود حياً إلى أهله، وكانوا يطلقون عليه (سفر بر). لذلك عمد بعض العراقيين العرب وخاصة التجار والأغنياء من الشيعة إلى الادعاء بأنهم إيرانيين وإنفاق الكثير من الأموال لإرضاء المختار والسلطات الفاسدة وجلب الشهود لإثبات ذلك. حيث كانت هناك اتفاقية بين الحكم العثماني والحكم الصفوي على عدم تجنيد العراقيين من أصل إيراني. وفي نفس الوقت كانت القنصلية الإيرانية تمنح الجنسية الإيرانية لكل من يرغب من العراقيين. وكان هذا العرض يعتبر في حينه فرصة ثمينة ونادرة أشبه بالفوز بالجائزة الكبرى (jackpot) باليانصيب الوطني اليوم. ولهذا السبب كان بعض العراقيين العرب وغيرهم، وخاصة من الشيعة، يقبلون بهذه الجنسية تخلصاً من شر الخدمة العسكرية. هذه الحقيقة باتت معروفة للقاصي والداني.

ولما تم احتلال العراق من قبل الجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، كان أبناء العشائر الشيعية، وبفتاوى رجال الدين، هم الذين قاوموا الإنكليز في حرب الجهاد، ومن ثم ثورة العشرين، وكبدوا الجيش البريطاني خسائر فادحة، وخلقوا المشاكل للإدارة البريطانية. والجدير بالذكر أن ثورة العشرين هي التي أرغمت الإنكليز على تأسيس الدولة العراقية، ولذلك ناصبوا العداء للشيعة، فأقاموا حكومة عملت على عزلهم. وتقول مس بيل في هذا الخصوص: "أما أنا شخصياً فأبتهج وأفرح أن أرى الشيعة الأغراب يقعون في مأزق حرج. فإنهم من أصعب الناس مراساً وعناداً في البلاد".(حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية، ص134).

ولذلك عندما أصدرت الحكومة العراقية (والتي ترأسها آنذاك أغلبية من غير العراقيين أصلاً)، قانون الجنسية العراقية سنة 1924، قسمت العراقيين آنذاك إلى قسمين: تبعية عثمانية وتبعية إيرانية. حيث اعتبرت الحكومة التبعية العثمانية مواطنين درجة أولى، والتبعية الإيرانية من الدرجة الثانية. وليأتي بعد نحو خمسين سنة نظام فاشي يستغل هذا القانون المفرق فيتخذه ذريعة للتعبير عن حقده الطائفي، فيهجِّر نحو مليون عراقي شيعي بحجة أن أصولهم إيرانية ويلقيهم على الحدود الإيرانية الملغومة إثناء الحرب، بعد مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، وحتى وثائقهم الرسمية من شهادات دراسية وغيرها التي تثبت عراقيتهم، ويحجز عشرات الألوف من شبابهم وخاصة الكرد الفيلية، ليعدمهم فيما بعد بالجملة ويدفنهم في مقابر جماعية. بينما لم يتم تهجير مواطن واحد من أصل تركي أو هندي أو أفغاني أو باكستاني، لأن أغلبهم من السنة، ومع احترامي الشديد لجميع أطياف الشعب العراقي الرائعة والزاهية ولجميع البشر، ولكن لماذا هذا التمييز ضد الشيعة؟

هذا التقسيم بني على أساس طائفي، وكان بمثابة العبوة الناسفة وضعت مع حجر الأساس لبناء الدولة العراقية الحديثة، إذ كما تفيد الحكمة: (ما بني على باطل فهو باطل). لذلك أعتقد جازماً أن هذا التمييز الطائفي بين العراقيين لعب دوراً كبيراً في عدم استقرار الدولة العراقية والذي أدى بالتالي إلى انهيارها عام 2003.

وتلافياً لتكرار المأساة بحق العراقيين ومنع تقسيمهم إلى مواطنين على درجات، أولى مشرعو الدستور الجديد أهمية بالغة باعتبار العراقيين جميعاً مواطنين من الدرجة الأولى دون أي تمييز بينهم، إذ جاء في المادة (14) من الدستور الدائم لعام 2006: "العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي" .

كما وأكدت المادة (18) منه [أولاً : العراقي هو كل من ولد لأبٍ عراقي أو لاُمٍ عراقية.]

سبب هذه المداخلة هو أنني استلم احيانا رسائل من مواطنين يشكون هموهم ومعاناتهم المريرة من التمييز، أذكر على سبيل المثال لا الحصر، خلاصة لرسالة المواطن (ش.ح) الذي أراد استخراج شهادة الجنسية جديدة بدل شهادة الجنسية القديمة ذات الورقة الصفراء الطويلة والتي استخرجها قبل حوالي 50 عاما. ذهب صاحبنا إلى مديرية الجنسية العامة في الكرادة وقدم جميع الأوراق المطلوبة. وبعد صعود ونزول ومراجعة عدة موظفين في طوابير طويلة عريضة، تمت الكتابة في إضبارته بأنه مسفَّر وأجنبي. فقال للموظفة وكذلك للضابط المسؤول: (أنني لست مسفَّراً ولست أجنبياً وأنا متأكد من ذلك). فقالت الموظفة: (هذا ما مسجل عندي وإنك أجنبي لأنك تحمل شهادة جنسية تبعية إيرانية).

ويضيف السيد ش.ح: (تصور أخي الفاضل لدي شهادة الجنسية العراقية منذ حوالي 50 عاماً، ومن أبوين عراقيين أب عن جد عن جد الى اخر نفس، ووالدي ووالدتي يحملون شهادة الجنسية العراقية ومع ذلك، يعتبرونني أجنبي بنظر مديرية الجنسية العامة، والدستور العراقي ينص على عدم التمييز بين العراقيين على أساس الجنس أو الدين أو المذهب أو القومية). لقد اصبحت اخجل من نفسي ومن اولادي وبناتي ومن أصدقائي . فماذا اقول لهم ؟ هل أصبح أبوكم الذي يعشق العراق وترابه أجنبيىاً؟ إنها مأساة بكل معنى الكلمة، وتعد صارخ على حقوق المواطنة التي ننشدها في العراق الجديد.

لا شك أن هذا السلوك في التعامل مع المواطنين وحسب مزاجية الموظف، يعطي انطباع على أن القوانين الجديدة التي سنها البرلمان المنتخب في العهد الجديد، هي مجرد حبر على ورق، وإن مزاج الموظف المسؤول هو الفاعل والمنفذ وفوق القانون. وهذا السلوك بالتأكيد هو ضد مصلحة المواطن، ويسيء إلى سمعة الدولة الجديدة العصرية، دولة القانون والمواطنة التي وعدنا بها دولة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي. لذلك نهيب بالحكومة بتعيين لجنة مراقبة Ombudsman لضمان تطبيق القوانين وحماية مصالح المواطنين، ومعاقبة المقصرين، وإلا ما الفائدة بعد كل هذه الكوارث للتخلص من نظام صدام وإبقاء الصدامية والصداميين يرفضون تطبيق القوانين وينغصون حياة المواطنين؟

ـ