1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

فلك الدين! يا صديقي

بكلمات مفعمة بالوفاء يرثي عبد المنعم الاعسم رفيق مهنة الصحافة الراحل فلك الدين كاكه ءي.

default

أحاول ان انسّق الاشياء من جديد.

وفاتك، انت الميّت مجازا، استعارتك منّا، وتركَتنا على حبل غسيل ممتد الى ما لانهاية. ثم اعطتنا فرصةَ انْ نحزن بعد ان أدمنّا استقبال الفواجع من دون ان يرف جفننا.

موتك جاءنا على شكل دسيسة، او هكذا صرنا ننظر الى خساراتنا المتكررة، واحيانا ننظر لها كخبز باءت نتجرعه بصعوبة، او كنشيد مدرسي مللنا الاستماع اليه.

منذ ان عرفتك وزاملتك لاول مرة قبل 42 عاما باسمك الموسيقي المستعار "أ. برشنك" كنت غامضا، وكلما تزداد غموضا كنت تتضح لي، سألتك مرة: ماذا تعني النخلة بالنسبة لك.. ابتسمتَ وقلتَ: تعرف ان النخلة في بساتين كركوك تختلف عن نخلة الفرات، في انها غامضة. كنتَ تحب كركوك، فهي مسقط راسك، ومورد انتباهاتك المبكرة، ودفتر يومياتك الاولى. كم تشبهك كركوك في قسمات كثيرة، النهر الذي يشقها، والتضاريس الصخرية الحميمة، والمقاهي الملأى بالفتيان الذين يقرأون الكتب ويرسمون لوحات من عوالم ديلاكروا ويحبون الموسيقى. فما اكثر الاشياء المرشحة للرثاء.

اتذكر زمالتنا الصحفية العام 1971 . في تلك الايام كنت تجلس قبالتي. تسعل كثيرا، وتمزق اوراقا كثيرة. وتكتب سطورا كثيرا وناعمة ومرصوفة بعناية، ثم تغادر المكان مثل خاطرة انهت مهمتها المضنية في الدعوة الى السلام، وفي اليوم الثاني تملأ المكان بالاعتذارات عن ذنوب لم ترتكبها.. نقول لك لا شي يوجب الاعتذار، فتقول اشكركم إذن.

قبل عامين، التقيتك في صالة مطار اربيل، فقدمتني الى اصدقائك كزميل قديم، واعطيتني كتابك"حلاجيات" وشكوت من انك صرت تنسى، لكنك لم تنس ايامنا تلك، حين كنا "نخشّ" في عيون رجال النظام السابق. قلت لي كانت قضية الحرية شاغلنا، وكنا بحاجة الى قطع غيار من نوع اسطوري لوضعها على السطوح التي بدأت تضيق يوما بعد آخر.

نرثيك الآن، ام نرثي الحرية التي خسرت فيك احد فرسانها؟ دعني اولا ان اقدم طلب انتساب الى قضية الحرية.. قضيتك، في الحياة القصيرة التي قضيتها، وفي الممات إذ اخترتها واختارتك.. وتركتما لنا مسرحا فتح ستائره على فواجع واسئلة، وللحم المتطاير.

يا صديقي الباهر، كان موتك قد سجل انتصارا علينا، بعد ان انتصر على غموضك الجميل .

**********

" يحتاج الانسان الى سنتين ليتعلم الكلام، وخمسين سنة ليتعلم الصمت".

همنغواي