1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

فلسفة الألوان ما سيّد الألوان عند البشرية ؟؟

د.سيار الجميل

معنى فلسفة الالوان

لقد اخترت الكتابة في هذا الموضوع كوني وجدته الأبعد عن الثقافة العربية المعاصرة ، ولم يهتم به إلا النادر من الناس ، علما بأنه اليوم الأهم ليس في الديكور أو التصميم أو الفنون التشكيلية قاطبة بجانب الأدب والتوصيف الروائي ، بل في الفلسفة والمنطق وعلم النفس وعلم الجمال وغيرها . لقد كان على الثقافة العربية أن تجاري اهتمامات العصر ، لولا طغيان الهموم السياسية على حياتنا ، وانشغال تفكيرنا بالتقاليد الاجتماعية ! ولولا ابتلاء الثقافة العربية بسدنة لا يعلمون من الفلسفة إلا اسمها ، ولولا استلاب الروح العلمية والمعرفية في جامعاتنا العربية ، ما كان فكرنا اليوم ينشغل بتوافه الأمور . إن فلسفة الألوان ، علم واسع الأبعاد يتصل بالأمزجة وعلم النفس الجمعي والثقافة الحية والذوق الإنساني ، وهو لا يقتصر على المقتنيات والتشيؤات ، بل يمتد إلى المعاني ، وأسس التذوق ، وخصب التفكير ، والمشاعر . لقد كنت أفكّر في مثل هذا " الموضوع " دوما ، وخصوصا في ما كتبته عن فلسفة الذات ، وما قرأت من أعمال في تأليف كتابي الموسوم " فلسفة المعاني والأشياء " ، وفيه تصورات فلسفية عن الألوان وانعكاسات الحياة وتذوق كل إنسان لما يروق له .. وبدء الإنسان بتمييز الألوان منذ طفولته ، وأي الألوان يهوى ويعشق بناء على التكوين الأول الذي كانت له مؤثراته في ذهنه وذاكرته .. كم هي مشاعره وتأثره بالطبيعة التي من حوله ؟ هل يهرب من الألوان المبهرجة إلى الألوان الباهتة أو بالعكس ! وربما يعتقد البعض بأن مثل هذه الاهتمامات هي شكلية ولا علاقة لها بحياتنا وهمومنا ومجالات تفكيرنا الذي ينبغي أن ينصّب على ما هو أهم ، وأجيب على كل من ينتقد هكذا اهتمامات ، انه لو يدري كم يضّيع الإنسان في مجتمعاتنا من وقته واهتماماته وتفكيره بتوافه الأمور ، لأشفق على مجتمعاتنا قاطبة .. ولوجد بأن حياتنا لا يمكنها أن تستقيم من دون أن تزرع جملة من المعاني الجديدة فيها ، أو أن تخصب تفكير أجيالها بطاقة كبرى من الجماليات بعيدا عن الفوضى والدمامة والفجاجة والقباحة والبشاعة !

مع المسيو ميشيل باستورو

التقيت قبل أيام بالمسيو ميشيل باستورا ، وهو مؤرخ ماهر وأخصائي متميز في التحف الفنية العائدة لفترة العصور الوسطى ، ودار بيننا حديث طويل في فلسفة الألوان ، ووجدته صاحب ثقافة قوية بهذا المجال . وكان قد قدّم العديد من الكتابات والدراسات حول عالم الرموز والطنافس.. لكنه اشتهر بشكل خاص كأحد الأخصائيين العالميين الكبار في تاريخ الألوان ، وهو ميدان غريب لا يمكن لأي دارس التطرق إليه ! وعندما أبلغته أن الألوان قد أخذت مكانتها في فلسفة الفنانين العرب والمسلمين إبان العصور الوسطى ، أجابني مندهشا بأن معلوماته قليلة في هذا المجال بالرغم من اطلاعه على ما كان من رسومات قديمة في بعض المخطوطات .. وقد أطلعني ميشيل باستورو على كتابه الممتاز «قاموس الألوان في زماننا» الذي أصبح مرجعاً مدهشا في ميدانه. هذا الكتاب الجديد ـ القديم هو في الواقع كتابة مغايرة بكل معنى الكلمة لعمله المشار له أعلاه، قاموس الألوان في زماننا، انه كتاب في تاريخ الأحمر والأزرق والأبيض والأسود وغير ذلك من الألوان الأساسية أو الألوان الخليطة. ولعل ابرز ما جذبني لهذا العمل إن الإنسان ينجذب إلى الألوان منذ طفولته المبكرة الأولى ويحب اللون الذي سيغرسه في ذاكرته على امتداد حياته ! واذكر إنني منذ طفولتي ، كان كل لون من الألوان يشّكل عندي جملة من الأحاسيس المختلفة ، ولعل أكثر لونين كنت أتأثر بهما هما البرتقالي والبنفسجي .. ومن ثم آثرت الأزرق . واكتشفت بعد ذلك أن هناك عالما خفيا يتألف من تشكيلة هائلة من الألوان ، لو استطاع الإنسان أن يوظفها بفنية عالية ، لاستطاع أن يعّبر تعبيرا جميلا عن كل مشاعره وأفكاره .. إن الألوان هي التي تعبر بصمت عن كل الانفعالات .

لماذا اللون الازرق ؟

علي أية حال ، يبقى الأزرق هو سيد الألوان في عموم أوروبا . لقد أشارت جميع استطلاعات الرأي منذ الحرب الأخيرة وبشكل منتظم إلى حد كبير بأن اللون الأزرق هو اللون المفضل لدى أكثر من نصف سكان قارة أوروبا ، وبفارق كبير عن الأخضر الذي يشكل اللون المفضل لدى حوالي 20% منهم ، ثم الأحمر ما بين 8% و10 ، ثم أن هذا التفضيل للأزرق في فرنسا ، يبدو اقل مما هو في بعض البلدان المجاورة لها حيث تصل نسبة الذين يرون به اللون المفضل إلى حوالي 60% من مجموع السكان.. كما يلاحظ أن اللون الأزرق هو المفضل ايضاً، لكن بنسب أقل، في الولايات المتحدة الأميركية وكندا واستراليا وفي مختلف بلدان العالم الغربي.مع ذلك لم يكن اللون الأزرق يحظى بتقدير كبير لدى الرومانيين الذين كانوا يعتبرونه «لون البرابرة» بينما كانوا يفضلون أكثر الأبيض والأحمر والأسود " . إن فلسفة الألوان تبدو أكثر استقرارا معرفيا من خلال جهود بعض العلماء والفنانين الذين استطلعوا الرأي بصددها ، ومدى انسجام الإنسان مع اللوحات المعبرة من خلال الألوان عن طبيعة تتكلم ، أو إنسان يفكر . إن ما حصلنا عليه من معلومات حول استكناه ألوان تعشقها البشرية ، يقود بالضرورة إلى المناداة بتأسيس فلسفة جمالية في ثقافتنا وتفكيرنا .. وأدعو هنا إلى غرس هذه الأفكار منهجيا في كتب التربية والتعليم حتى يتربى الإنسان في مجتمعاتنا على مثل هذه المعاني بدل اضطهاد تفكيره الغض بالتعقيدات وقتل روح الحياة بالكآبة والغلظة والاسوداد .. ، وعليه ، فان أجيالنا إن كان لها أن تخوض مغامراتها من اجل فلسفة الألوان ، فان أجيال أمم أخرى قد غرست عندها مختلف جماليات الألوان ، وكان ينبغي على اللون الأزرق أن يخوض مغامرة كبرى ضمن مختلف الاتجاهات كي يتخلص من أثقال البربرية والتوحش ، ويحظى بالمرتبة الأولى في سلم الألوان في العالم المعاصر الذي يتميز بالتقدم في مختلف المجالات .. هذا وكان ماسيت الإغريقي قد اتخذ موقفاً سلبياً من هذا اللون الذي كان الجرمانيون يصبغون أجسادهم به قبل خوض المعارك، واعتبر «قيصر» انه يجعل جنود البرابرة كـ «الأشباح» عندما يتلونون به.

النقلة التاريخية

لكن ذلك اللون المخفي والمهزوم ، بل والملعون والشرير أحيانا في الماضي الصعب أصبح اليوم يتربع على عرش الألوان مع ريشة الفنان ادوار مونيه، ومجموعة الرسامين الانطباعيين ومع إبداعات الكتاب الرمانسيين ، ومع خلطة موسيقى الجاز الافرو اميركية التي تنبعث رخيمة ما بعد منتصف الليل .ويحدد المسيو ميشيل باستورو عام 1000 ميلادي بداية المنعطف التاريخي الذي بدأ فيه اللون الأزرق يرفع بعده رأسه شيئاً فشيئاً بفضل التطور التقني ليس في الآلة ، بل في التفكير وما تبعه من تغيير في الذهنيات البشرية مع تبدل الأحاسيس شيئا فشيئا نحو الهدوء ، وتسامي المشاعر بين الأرض والسماء . و ترافق مثل هذا التغيير في ظهور الأزرق الغامق والأزرق الفاتح وما بينهما من تدرجات في العديد من القطع الفنية ، وخاصة في قطع الأثاث وعلى رأسها الخزانات و«ديكوراتها» ، ثم استمر هذا التطور ! نعم ، لقد تغير كل شيء اعتباراً من القرن الثاني عشر الميلادي .. فما أن مرت عدة عقود زمنية فقط ، حتى عرف هذا اللون ـ الأزرق ـ طفرة كمية ونوعية كبيرة. لقد أصبح الأزرق على الموضة في الأنسجة والألبسة وفي الفنون والصور .. كما تنبؤنا بذلك جملة من المصادر المادية والكتابات الوصفية .. وزاد الإنسان من الفته له كثيرا ، فلقد اجتاح ميدان النقش على الزجاج والرسم في المخطوطات، بل وزاد كثيراً استخدام لفظة " ازرق " في القواميس الشائعة. وفي الوقت الذي كان فيه اللاتينيون يجدون صعوبات كبيرة من اجل تسمية اللون الأزرق ، فإن اللغات المشتقة عن اللاتينية وعلى رأسها الفرنسية أوجدت الكثير من المفردات للدلالة على تباينات هذا اللون الذي كان قد أصبح على الموضة قبل فترة زمنية وجيزة ! هكذا تمت الدلالة على الأزرق السماوي ، والأزرق البحري والأزرق الليلي ، والأزرق الرمادي ، والأزرق الطاووسي ، والأزرق البترولي ، والأزرق الغامق، والأزرق اللازوردي.. الخ . ولكن ؟ إذا كان الأزرق بكل تشكيلاته سيد الألوان في اوروبا ، فليس معنى ذلك انه سيد الألوان في أرجاء المعمورة !

دلالات الالوان تاريخيا

وإذا كان من الشائع التعبير عن بعض الدلالات للألوان حيث يشير الأبيض للسلام ، والأسود للحداد ، والأحمر للعنف، فإن الأزرق قد أصبح يدل منذ نهايات العصور الوسطى على الفرح والحب والاستقامة والهدوء .. وقد استطاع هذا اللون بانتصاره أن يحتفظ بهذه الدلالات كلها عبر جميع التبدلات السياسية التي مرّت بها قارة أوروبا ، وخصوصا فرنسا التي شهدت عام 1789 ثورتها البورجوازية الكبرى.. لكن بقي اللون الأزرق هو احد الألوان الأساسية لعلم فرنسا المرسوم بالأزرق والأبيض والأحمر، وحيث أن الأبيض يشير للنظام الملكي في تاريخ فرنسا والأحمر للثورة.. أما الأزرق ، فيتم اعتباره بمثابة دليل على التوازن، والانسجام والحرية.. اي انه لون وسطي بين اليمين واليسار، مثل التيار السياسي الذي يعبر عن الوسط اليوم في فرنسا. إنني اعتقد بأن الإنسان هو ابن الأرض ، والأرض كائن ازرق ، كما بدت واضحة من أعماق الفضاء ، وان التجانس بين الأرض والسماء يشكلها قاسم مشترك هو اللون الأزرق .. فمن يرفض الحرب يهوى اللون الأزرق ، ومن ينسجم مع المحبة والسلام يرغب باللون الأزرق ، ومن يريد الهدوء والتأمل فلا يجد بغيته إلا في اللون الأزرق ! لقد كانت هناك اختيارات للألوان في العهود الإسلامية ، فالأبيض هو رمز الأمويين ، والأسود هو رمز العباسيين ، والأخضر هو رمز العلويين والفاطميين أما الأحمر ، فقد اختاره كل من أشراف مكة والعثمانيين .. إن لكل شعب من الشعوب اليوم اعتزازه بلون معين أو لونين للدلالة على تاريخ أو حاضر معينين ، وسأفرد حول هذا " الموضوع " كتابة جديدة لقياس طبيعة رؤية كل شعب من الشعوب . ولقد أجاد الشاعر المشهور صفي الدين الحلي في بيت شعر نظمه وجمع ألوان العرب الأربعة، بقوله:

سلي الرمـــاح العوالي عن معالينا

واستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا

بيض صنائعنا سود وقائعنـــــا

خضر مرابعنا حمر مواضينــــا

واخيرا : المدلول السياسي والحضاري

إن المدلول السياسي والحضاري للون الأزرق في معاصرتنا وتشكيل أذواقنا ، يعّبر عما يتم مثلا من صبغ جدران المستشفيات بالأزرق ، وكذلك يتم تغليف الأدوية المسكنة به ، ويتم استخدامه في إشارات الطرق للدلالة على ما هو مسموح به.. وهناك ميل أن يتم جعله بمثابة لون سياسي معتدل، إن الأزرق لا يعتدي ، وهو لا يخرق شيئا . وعلى غرار اللون الأزرق تمتلك الألوان الأخرى «تاريخيتها» و" وجغرافياتها " وتعبيراتها والأخطاء الشائعة حولها.. فمثلاً يكون الأبيض هو الشائع في كل المناطق الحارة من الأرض ، في حين يكون كل الغوامق منتشرة في المناطق الباردة .. ومثلا ، على عكس ما يمكن أن يعتقد به الناس، فإن الانجذاب للذهب ليس من فعل الارستقراطية ، أو البورجوازية الكبيرة ، وإنما بالعكس من فعل بورجوازيين صغار ووصوليين وحتى طبقات فقيرة. أما اللون الذهبي فإنه محط تقدير وإعجاب الطبقات المتواضعة فيما يخص الألبسة والأثاث والديكور الداخلي وأشياء الحياة اليومية. استطيع القول أن الأزرق هو اللون المسالم ، وهو سيد الألوان الأخرى التي تنتشر بين مختلف القارات وعند مختلف الشعوب . وأخيرا : أسألك عزيزي أيها القارئ الكريم : أي لون تحب .. سأفكر قليلا وأجيبك من أنت؟!

ايلاف ، 20 مارس 2009 ، وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com