1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

غزة تفتقد اليوم قباني ودرويش

د. شاكر النابلسي

هيجان الشارع العربي العاطفي اليومي بمناسبة حريق غزة البشع، ربما يدفع الكثير من الباحثين إلى النظر في سيكولوجية الشارع العربي، ومكونات هذا الشارع، كما فعل الباحث، والمحلل السياسي الأمريكي، ديفيد بولوك في كتابه (الشارع العربي: الرأي العام في العالم العربي، 1993).

وربما يتساءل بعض الباحثين عن السرِّ وراء عاطفة هذا الشارع الطاغية، وعدم احتكامه إلى العقل والمنطق، في كثير من مظاهره ومظاهراته. ولكن نظرة سريعة على مكونات هذا الشارع، سوف تجيبنا على كثير من أسئلتنا الحائرة.

وفي هذا المقال، نخصُّ الشعراء دون باقي المثقفين والمبدعين في دورهم ومسئوليتهم عن المكونات الأساسية للشارع العربي، نتيجة للدور السياسي الكبير الذي لعبوه، في تكوين الرأي العام العربي، والذي يُعبِّر عنه الشارع العربي خير تعبير.

-2-

ظل الشاعر منذ 15 قرناً وحتى اليوم، من أقوى أجهزة الإعلام. كما كان الشاعر يستمد شهرته ونجوميته من السلطة السياسية أو الدينية التي ينتمي إليها. فحسان بن ثابت شاعر الرسول عليه الصلاة والسلام، كان شاعراً متواضعاً فنياً، ولا يستحق الشهرة والمكانة الشعرية، التي ارتقاها في مملكة الشعر العربي، لولا ارتباطه بالدعوة الإسلامية، ودفاعه عنها. وهناك أمثلة كثيرة في العهدين الأموي والعباسي، وما بعد ذلك. وفي مملكة الشعر العربي المعاصر، نرى أن هناك شعراء متواضعون جداً فنياً، ولكن ارتباطهم بقضية سياسية، أو سلطة سياسية، رفع من نجوميتهم الشعبوية.

-3-

ولو استعرضنا – من واقع حال هذه الأيام، ومن بين ألسنة النار المشتعلة في غزة – الشعراء الفلسطينيين النجوم مثلاً، واستبعدنا شعرهم المتعلق بالقضية الفلسطينية، وأخذنا بشعرهم الإنساني المجرد، غير المؤدلج، لوجدنا أن غالبية هذا الشعر مُتدنٍ في مستواه الفني. وربما كان وهج القضية الفلسطينية، هو الذي أنقذ هذا الشعر من الإهمال. فراحت القضية الفلسطينية، تدفع في شرايين هذا الشعر، من دمها، وروحها، وشهرتها. فأحيّت الميت منه، ودبَّت فيه الروح، ودفعت به إلى الأمام.

فإذا كانت القضية الفلسطينية نكبة على العرب وجيوشهم، فهي نعمة مباركة على الشعر العربي. ويكفي أن يكون الشاعر فلسطينياً، لكي يكون الشاعر المُبرّز، ونجم المهرجانات والفضائيات والندوات، حتى ولو كان شاعراً من الدرجة العاشرة. ومن هنا، كان يتضايق كثير من كبار الشعراء – كمحمود درويش – لإطلاق لقب "شاعر فلسطين" عليهم، لعلمهم بأن ذلك يعني، أنه لو لم يكن شاعر القضية الفلسطينية، لما حظي بكل هذه الحفاوة، والتقدير، والشهرة من المتلقين.

-4-

لقد غفرَ المتلقي العربي للشعر التافه، أمام الشاعر الذي يبكي آلامه، ويبث أحزانه. إضافة لذلك، فهناك كثير من الشعراء الأيديولوجيين الذين اكتسبوا شهرة كبيرة، لا من خلال مستوى شعرهم الفني الرفيع، ولكن من خلال الإيديولوجيا التي يبثونها في شعرهم. وكانت العامة تُصفِّق للإيديولوجيا وليس للشعر. وهؤلاء الشعراء، ارتقوا سلم الشهرة، بفضل التنظيمات الحزبية، التي كانت تدعمهم، إما بالنشر المُيسّر بواسطة دور النشر، أو الصحف التي تملكها الأحزاب اليسارية، أو بفضل النقاد الأيديولوجيين، الذين كانوا يتلقون هذا النتاج بالترحاب والتمجيد والتبجيل، مما ترك في الشعر العربي الحديث، الكثير من الأصنام المعبودة، التي لها سدنتها، وكهانها.

-5-

لقد شكَّل مجموع هؤلاء الشعراء، جزءاً كبيراً من لُحمة الشارع العربي وسداه، على الحال التي نراها اليوم.

ولو أخذنا حالة كحالة نزار قباني (1923-1998)، لوجدنا أنه من أشهر الشعراء الذين وقفوا على المنابر السياسية – كما قلتُ في كتابي عنه: "الضوء واللعبة"، 1986- ولم ينافسه في الشهرة غير محمود درويش، شاعر فلسطين الأول. وكان قباني واحداً من شعراء الشارع العربي المُهيّجين، ومن محركيه الرئيسيين، نتيجة لسهولة شعره، وسطحيته، وسرعة حفظه.

لقد كان قباني شاعراً سياسياً محركاً للشارع العربي بدءاً من 1967 ، عندما نشر قصيدة الطويلة "هوامش على دفتر النكسة" وأصبح قباني – كما قال في "الأعمال السياسية الكاملة"، ص 12– قاموساً، وفوق شفاه الدهماء ألفاً وباء. وكانت الدهماء تردد أشعاره في المظاهرات والمهرجانات الشعبية الصاخبة، ورغم ذلك ذمَّ قباني هذه الدهماء، وقال عنها في "الأعمال السياسية الكاملة، ص 115":

الناس كالثيران في بلادي

بالأحمر الفاقع يُؤخذون

-6-

كان محمود درويش (1948-2008) الشاعر الآخر المحرك للشارع العربي. وهو الذي جعل من القضية الفلسطينية قاسماً مشتركاً في كافة سطور شعره ونثره. ففلسطين – كما قلت في كتابي عنه: "مجنون التراب"، 1987 – نجدها في كل جملة من جُمله الشعرية. كما كانت أشعاره شعارات شعبية سياسية ووطنية، تُطلق في المظاهرات والمهرجانات في كل مناسبة فلسطينية وعربية. وساعد على نزول كلمات درويش من صفحات دواوينه الباردة إلى ألسنة الناس الساخنة، الملحن والمُغنّي اللبناني مارسيل خليفة، الذي فعل بشعر درويش ما فعله المُغنّي والملحن المصري الشيخ إمام عيسى في شعر بعض شعراء العامية المصريين، كأحمد فؤاد نجم، وفؤاد قاعود، ونجيب سرور. ومثل هؤلاء الملحنين والمغنيين، كانوا كمن أوقد النار في حطب الشعر – كما قلتُ في كتابي عن الشيخ إمام: "الأغاني في المغاني"، 1998- وجعلوا من هذه النار الطريق إلى الحقيقة، التي تبحث عنها العامة من الناس.

ففي كل مهرجان، وفي كل مناسبة وطنية، كانت الناس تُردد عندما تأخذهم الحمية الوطنية، من شعر درويش:

أنا أحمد العربي .. فليأت الحصار

جسدي هو الأسوار.. فليأت الحصار

وأنا حدود النار.. فليأت الحصار

وأنا أحاصركم

أحاصركم

وصدري باب كل الناس.. فليأت الحصار

-7-

واليوم، غزة تحترق هذا الحريق المروِّع، ولا شاعر يرثي غزة، بحجم درويش، أو نزار قباني.

فهل تحتاج غزة اليوم، إلى شاعر كبير يُهيّج شارعها فوق هيجانه الحالي، أم إلى حكيم عاقل، يدلُّها على طريق الخلاص الحقيقي؟

وهل يحتاج الشارع العربي اليوم، إلى شاعر كقباني أو درويش، ليزيد سُعاره واشتعاله، سيما وأن هبَّات الشارع العربي كزهور الصحراء الرهيفة، قصيرة الجذور، وسريعة الذبول.