عماد الدين حسين: هل خفت تضامن المصريين مع القدس المحتلة؟ | آراء | DW | 14.12.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: هل خفت تضامن المصريين مع القدس المحتلة؟

في مقاله* لـ DW عربية يرصد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين مظاهر "عزوف" لدى المصريين عن الخروج للشارع لإبداء التضامن في قضية القدس، والأسباب عديدة كما يعرضها في مقاله.

كثيرون فى مصر يسألون السؤال التالى: لماذا لم يكن حجم الغضب والاحتجاج فى الشارع المصري، بالقدر الذي كان يتوقعه البعض عقب قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس العربية المحتلة يوم الأربعاء قبل الماضى؟!.

الإجابة ببساطة لأن هناك عوامل كثيرة تغيرت، وبالتالي فإن ما حدث كان أمرا منطقيا، ولم يكن مفاجئا لكل من يتابع عن قرب الشارع السياسي فى مصر.

وما بين هذا السؤال وتلك الإجابة، فقد جرت فى النهر مياه كثيرة، خصوصا منذ ثورة 25 يناير 2011، أفضت فى النهاية إلى هذه الحالة التي يراها البعض غريبة، قياسا بحجم الغضب والتظاهر والتضامن الشعبي، بل والرسمي أحيانا مع الفلسطينيين عموما والقدس خصوصا قبل عام 2011..

لكن السؤال، هل هي حالة مستمرة أم قابلة للتغير؟!.

قبل الإجابة نقول إن هناك مظاهرات واحتجاجات حدثت فى مصر بعد قرار ترامب الأخبر، سواء أمام نقابة الصحفيين أو بعد صلاة الجمعة الماضية أمام الأزهر، أو داخل حرم غالبية الجامعات المصرية. لكنها جميعا كانت محدودة، طبقا لما يراه غالبية المراقبين، الذين يتابعون الشارع المصري وعلاقته بالقضية الفلسطينية، وقضية القدس وبها المسجد الأقصى ثالث الحرمين الشريفين لدى المسلمين.

فى تقديري أن العوامل الأساسية التي زادت من هذه الاحتجاجات، تعود إلى عوامل متعددة.

أولا هناك أزمة اقتصادية صعبة تعيشها مصر نتيجة لتداعيات قرار تعويم الجنيه المصرى فى نوفمبر عام 2016، وما تبعه من زيادة أسعار الوقود، وبالتالي زيادة غالبية أسعار السلع والخدمات المختلفة. هذه الأزمة جعلت الكثير من المصريين يغرقون فى دوامة شبه متواصلة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة،أو كيفية الافلات من الوقوع في شبكة الفقر المدقع.

سوف يسأل سائل ويقول: ولكن المصريين كانوا يتظاهرون بكثافة طوال عهد مبارك تقريبا، رغم وجود أزمة اقتصادية أيضا، فكيف يمكن حل هذا اللغز؟!!.

مختارات

الإجابة بسيطة، وهي أن عمق الأزمة أيام مبارك لم يكن بهذه الحدة، نظرا، لأنه كان يشتري صمت وصبر ورضاء غالبية المواطنين بالحفاظ على الدعم للوقود والسلع الأساسية، الأمر الذي فاقم الأزمة بشدة وكان سببا فى ثورة يناير ويدفع الجميع ثمنه الآن بطريقة فادحة. وبالتالى فإن قرار التعويم وبرنامج الإصلاح الاقتصادي الأخير، كان علاجا مرا للأزمة الهيكلية، لكن تطبيقه لم يكن موقفا خصوصا فى جهة توزيع الأعباء بالعدل على كافة الشرائح والطبقات.

العامل الثاني وهو مرتبط بالعامل الأول، حيث أنه إذا كان البعض يتظاهر ويحتج غير مكترث بالأزمة الاقتصادية، فإن القبضة الأمنية الآن أكثر شدة بمراحل من زمن حسنى مبارك. بالطبع الأجهزة الأمنية خصوصا الشرطة تراقب النشاط السياسي والجماهيري بقوة، لكن الأمر اختلف بصورة ملحوظة فى العامين الأخيرين، وهناك ما يشبه "تجفيف منابع مبكر" لأي تحركات جماهيرية، سواء تشريعيا عبر قانون التظاهر المتشدد، أو تنفيذيا فى القبض على العديد من النشطاء أولا بأول، وتطويل مدة حبسهم احتياطيا. هذه السياسة الوقائية تجعل العديد من الناشطين يفكرون أكثر من مرة قبل اتخاذ قرار التظاهر أو الاحتجاج.

وهناك عامل مهم، وهو أن جماعة الإخوان تحاول بشتى الطرق استغلال أي أزمة أو مشكلة أو قضية لتعود للساحة السياسية، وهي لن تجد أفضل من قضية القدس لكي تستغلها سواء بحسن نية أو سوء نية. بالطبع تخشى أجهزة الأمن من ركوب الإخوان والجماعات المتطرفة لهذه الاحتجاجات العفوية، وقد رفع بعض المتظاهرون فعلا أمام نقابة الصحفيين يوم الخميس الماضي، لافتات تنتقد رئيس الجمهورية ونظام الحكم، أعقبه القبض على بعض المتظاهرين واتهمهم الأمن بأنهم ينتمون للإخوان. ولهذا السبب تحديدا فان بعض المتظاهرين غير المنتمين أو المتعاطفين مع الإخوان لم ينزلوا للتظاهر، خوفا من اتهامهم بالانتماء للإخوان.

وهناك جزء آخر من المصريين، يعتقدون أن التظاهر قد يقود إلى حالة من الفوضى العارمة، تدخل مصر فى "الحالة العراقية أو السورية أو الليبية "بكل ما فيها من قتل وعنف ودمار، وبالتالي يترددون كثيرا قبل التفكير في مثل هذه الخطوة.

وهناك عامل مهم للغاية وهو أن وسائل الإعلام خصوصا تلك القريبة من الحكومة، شنت حملات منظمة طوال السنوات الماضية، ضد حركة حماس الفلسطينية،باعتبار أن الأخيرة تنتمي فكريا وعضويا لجماعة الإخوان ووجهت لها اتهامات بانها شاركت في حالة الفوضي والعنف التي سادت البلاد في السنوات الاخيرة،وانها ساعدت الارهابيين في سيناء، بل وهناك قضية تخابر لجماعة الاخوان مع حركة حماس يتم نظرها أمام القضاء المصري في هذه الأيام، وكانت إحدى جلساتها تنظر أمس الاربعاء، رغم التحسن النسبي في علاقة الحكومة المصرية مع حماس مؤخرا.

وارتباطا بذلك عادت نغمة قديمة إلى بعض وسائل الإعلام المصرية بأن "الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود، فلماذا ندافع عنهم، خصوصا أن مصر ضحت كثيرا من أجل القضية الفلسطينية منذ عام 1948!؟."

تقديري ان حماس ارتكبت أخطاء قاتلة بارتباطها مع جماعة الإخوان وتخلت في بعض الأوقات عن دورها المقام لحساب انتمائها الاخواني، لكن رأيي أن حكاية بيع الفلسطينين لارضهم غير صحيحة بالمرة، ولا تصب إلا فى مصلحة الاحتلال الإسرائيلى.

العوامل السابقة منفردة أو مجتمعة، ربما جعلت بعض المواطنين يصابون باليأس والإحباط، خصوصا وهم يرون العديد من الحروب المذهبية والعرقية والطائقية فى المنطقة، وكذلك العمليات الإرهابية المتوالية من المحيط للخليج وآخرها المذبحة الاجرامية الأكبر علي الاطلاق، بحق المصلين في مسجد الروضة بشمال سيناء قبل أسبوعين وراح ضحيتها أكثر من 300 شخص. كل ذلك يدفع كثيرين إلى العزوف عن المشاركة فى أي عمل عام، ناهيك عن التظاهر الذي قد يكلفهم حياتهم أو سجنهم، حسب اعتقادهم.

السؤال الأخير: هل هذا التوصيف ــ إذا ثبت صحته ــ يعني أن حالة العزوف عن العمل العام دائمة؟!.

بداية هي ليست حالة مصرية فقط، بل تكاد تكون حالة عربية شاملة، لكنها ليست دائمة إطلاقا حسب تقديري. والتجارب علمتنا أنه لا شيء مضمون فى السياسة، وحركة الناس يمكن أن تتغير فى أي لحظة، ولأي سبب مهما كان صغيرا، ويسمونه فى السياسة بالشرارة!

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW