عماد الدين حسين: ناصر والسادات ومبارك والبنا والسيسي.. أيهم الافضل؟ | آراء | DW | 19.10.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: ناصر والسادات ومبارك والبنا والسيسي.. أيهم الافضل؟

في مقاله لـDW عربية ينطلق الكاتب الصحفي عماد حسين من قصة طريفة وردت في مذكرات عمرو موسى (نشرت حديثا) حول عهد جمال عبد الناصر، ليرصد مظاهر إنشغال النخبة السياسية في مصر بالجدل حول الماضي، وخطر ذلك على المستقبل.

الجزء الأول من مذكرات عمرو موسي وزير الخارجية المصري الأسبق، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية تزيد عن 700 صفحة، لكن سطرين فقط منها أثارا الكثير من الجدل واللغط، حينما قال إنه عندما كان سكرتيرا ثالثا في السفارة المصرية في برن تم تكليفه بطلب من السفير فتحي الديب بشراء نوع من الجبنة السويسرية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

حينما صدر الكتاب في منتصف سبتمبر أيلول الماضي، عن دار الشروق انشغل الكثيرون بهذين السطرين، رغم أن الكتاب ملئ بالمعلومات والتحليلات، التي يمكنها أن تقدم إضاءة على بعض القضايا الكبرى في مصر والوطن العربى.

لكن الذي حدث أننا شهدنا معركة حامية الوطيس، بين بعض أنصار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وخصومه، بشأن هذه الفرعية الصغيرة: هل كان عبدالناصر يأكل الجبنة السويسرية المستوردة أم الجبنة القريش البلدي المصرية؟!!.

نعلم أن المشكلة رمزية لأنه لو ثبت أن كلام عمرو موسى صحيح، فهو ينسف فكرة أن عبدالناصر نصير الفقراء لم يكن متقشفا كما يعرف انصاره وخصومه على السواء.

لكن رأيا ثالثا قال: وهل أن شراء الجبنة ولو لمرة واحدة لشخص مريض بالسكر مثل عبدالناصر يغير من دوره وإنجازاته، وهل نحاكمه بهذا المثال حتى لو كان صحيحا؟!.

لكن ما الذي يدعونا إلى التركيز على هذه القضية الفرعية تماما؟

السبب الجوهرى أن جزءا كبيرا من الطبقة السياسية المصرية غارقة في معارك الماضي، لدرجة تدفعنا للقول إن غالبية معاركنا "ماضوية" لا صلة لها بالعصر الحالى ناهيك عن المستقبل.

مختارات

قبل أيام قابلت خبيرا اقتصاديا ومستثمرا مصريا مرموقا وقال لي إن غالبية النخبة المصرية تسير نظريا إلي الأمام لكن في يدها مرآة تجعلها تنظر دائما للخلف، وبالتالي فهي لا تنظر إلى الأمام بالمرة ومشغولة دائما بالماضي ومعاركه التي قد لا تكون مفيدة بالمرة للمستقبل، وربما تكون مضرة أكثر.

حكاية كتاب عمرو موسى والجبنة وعبدالناصر كانت مجرد مثال على واقع أليم تعيشه الطبقة السياسية المصرية أو ما تبقى منها.

منذ وفاة جمال عبدالناصر، وهناك معركة لا تتوقف بين أنصاره وأنصار أنور السادات، ومن الذي خان أو فرط أو قصَّر، وغالبية أنصار عهد حسني مبارك انضموا إلى مؤيدي أنور السادات، ثم تحالف الثلاثة ضد مؤيدي وأنصار جماعة الإخوان المسلمين وسائر تنظيمات تيار الإسلام السياسى.

والآن صار الاستقطاب الأساسي بين أنصار الرئيس عبدالفتاح السيسى من جهة وأنصار جماعة الإخوان من جهة أخرى.

السؤال هل الصراع بين أنصار الشخصيات التاريخية خطأ دائما؟

الإجابة بالطبع هي لا؟ فمن الطبيعي أن يكون هناك جدل بين أنصار لينين وستالين أو غوربتشوف ويلتسن من جهة وبوتين من جهة أخرى فى روسيا، أو بين أنصار ماوتسي تونغ وأنصار وينغ شياو بينغ في الصين.

الشرط الوحيد أن يكون هذا الجدل بشأن سياسات وبرامج ورؤى تخص المستقبل، وليس صراعا عبثيا فارغا يتمحور حول سؤال أيهما أفضل هذا أم ذاك؟!!

نفهم أن يشتبك أنصار عبد الناصر والسيسي مثلا مع أنصار الإخوان حول قضية توظيف الدين في السياسة، ونفهم أن يتجادل أنصار مبارك والسادات مع أنصار عبد الناصربشأن تصفية القطاع العام، والسماح بدور متعاظم للقطاع الخاص من دون وجود ضوابط أدت إلى كوارث اقتصادية كبيرة من وجهة نظر أنصار عبد الناصر.

لكن للأسف الشديد وباستثناء نقاشات جادة قليلة جدا فإن غالبية الجدل شخصي وعقيم ولا يرتبط اطلاقا بقضايا الحاضر والمستقبل.

ما يزال بعض أنصار اليسار يتعاملون بمنطق أننا مازلنا في منتصف الستينيات وأن الاتحاد السوفيتي القديم والكتلة الشرقية وحلف وارسو  موجودون حتي الآن، وأن عبدالناصر مايزال حيا، وهزيمة 1967 لم تقع. ومايزال أنصار السادات لا يريدون الإقرار بأن زعيمهم لعب دورا كبيرا في ضخ الاوكسجين في رئة جماعة الإخوان، التى كانت تقارب على الموت، فقط لكي يتمكن من ضرب اليسار والناصريين في أوائل حكمه.

ومايزال أنصار جماعة الإخوان يعتقدون أن زعيمهم حسن البنا حي ودعوتهم ربانية وأنهم يمثلون "أستاذية العالم".

الحياة تغيرت والدنيا انقلبت رأسا على عقب، وحتى العديد من النظريات الاقتصادية والسايسية القديمة تعرضت للنسف بفعل ثورة المعلومات والتكنولوجيا التي جعلت العالم غرفة واحدة وليست قرية واحدة كما كنا نعتقد لسنوات.

غالبية التيارات السياسية في مصر تحارب معارك الماضي، لأن هذا الأمر سهل جدا وغير مكلف، ولا يجعلها تبذل جهدا في توصيف قضايا الحاضر، والبحث عن حلول حقيقية وعملية لها.

الخطر الحقيقي هو أن هذا المعارك الصغيرة تكشف أن هناك خطرا داهما يهدد المستقبل، طالما أن غالبية النخبة غارقة في مثل هذه المعارك، ومنشغلة بحسم معارك أيهما أفضل: ناصر أم السادات أم البنا أو مبارك؟

المأساة أن البعض يعود للخلف أكثر ويسأل، هل كان محمد علي الذي يراه كثيرون "مؤسس مصر الحديثة" أفضل أم من جاؤوا بعده؟!.

قد نفهم أحيانا وليس دائما الصراع على هوية مصر، وهل هي فرعونية أم قبطية أم إسلامية أو عربية؟. رغم أن فريقا ثالثا - وأنا معهم - يرى أن هوية مصر شاملة جامعة وتضم كل ما سبق وأكثر، وتهضم كل ما مر عليها.

لكن المحزن أكثر هو اختزال القضايا الكبيرة في خناقات وجدالات شخصية تعطي انطباعا بأننا مانزال غارقين في الماضى.

ببساطة ووضوح لن نشهد تقدما وخروجا من المتاهة الراهنة، إلا حينما ننظر إلى الأمام من دون استخدام المرأة الخلفية، وأن يكون الخلاف حول المبادئ والافكار وليس الاشخاص.

 

*المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.