عماد الدين حسين: شكراً للبوتقة التي أنقذت محمد صلاح! | آراء | DW | 10.05.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: شكراً للبوتقة التي أنقذت محمد صلاح!

في مقاله* لـ DW عربية يتناول الكاتب الصحفي عماد الدين حسين قرار رفض أحد أندية مصر اللاعب محمد صلاح في بداية مشواره، لكنه فتح له باب الاحتراف في أندية أوروبا الكبرى، حيث وجد البيئة المشجعة التي أطلقت إمكانياته المكبوتة.

الكاتب الصحفي عماد الدين حسين

الكاتب الصحفي عماد الدين حسين

قبل أيام قرأت أن اللاعب الدولي الكبير محمد صلاح، وقبل أن يبدأ في رحلة الاحتراف الخارجي، كان مرشحاً للانضمام إلى فريق مصري كبير، ووقتها رفض المسؤولون في هذا النادي ضم اللاعب الذي كان يلعب لنادي "المقاولين العرب" لأنه حسب رأيهم لن يستطيع الانصهار في بوتقة الفريق المتجانسة والمتناغمة!

أما أطرف تعليق على هذا الكلام فقد جاء من جانب زميلة إعلامية كتبت على صفحتها كلمتين اثنتين فقط بيد أنهما موحيتين جداً وهما: "شكرا للبوتقة!"

الزميلة بالطبع تسخر من موقف مسؤولي  الفريق المحلي المصري الذي رفض ضم محمد صلاح حتى لا يفسد "بوتقة الانصهار!". وبالطبع فإن كل الجماهير المصرية والعربية ربما تكون مدينة بالشكر لهذا "المسؤول الأحمق" الذي رفض ضم صلاح لفريقه وقتها بحجة "البوتقة"!، لأنه لو كان ثاقب البصيرة وضم صلاح يومها، فربما ما كان الأخير قد وجد طريقه وبدأ رحلة الاحتراف من سويسرا إلى إنجلترا ومنها إلى إيطاليا وأخيراً استقر في فريق ليفربول، حيث تألق بصورة لافتة، وصار هدافاً للدوري الإنجليزي، وحصل على جائزة أفضل لاعب هناك، بل صار واحداً من أهم خمسة لاعبين في العالم، ويمكن أن ينافس بقوة على الحذاء الذهبي، خصوصاً إذا لعب دوراً مهماً في فوز فريقه أمام ريال مدريد الإسباني في نهائي أبطال أوربا في 26 مايو/ أيار الجاري في كييف.

مختارات

السطور السابقة واللاحقة ليست في مجال النقد الرياضي، فأنا مجرد هاو في عالم كرة القدم، أشجع الزمالك المصري وبرشلونة الإسباني، وبايرن ميونيخ الألماني .

ومثل غالبية المصريين صرت اشجع أي فريق يلعب له صلاح من بازل إلى تشيلسي إلى فيورنتنينا إلى روما، وأخيراً ليفربول.

 ما أكتبه اليوم يتعلق أساساً بالبيئة التي يمكن أن تصنع بطلاً في مكان وتخنقه في مكان آخر، ليس فقط في كرة القدم والرياضة، بل في كل مجالات التفوق والإبداع.

صلاح لم يكن يعرفه الكثيرون، حينما كان يلعب لنادي "المقاولين العرب". ولم يبدأ نجمه في الظهور بقوة، إلا حينما بدأ يلعب انتقل من بازل السويسري إلى تشيلسي قبل أربع سنوات، وكان حظه سيئاً، ولم يتأقلم مع الفريق ومدربه مورينيو، لذلك تم إعارته إلى فيورنتينا الإيطالي.

هل كان صلاح سيتألق لو ظل في مصر؟!

الإجابة انه مهما فعل، فلم يكن ممكنا أن يصل إلى المكانة التي وصل إليها الآن.

أفضل سيناريو كان سيتاح لصلاح في هذه الحالة، أن ينضم إلى فريقي الأهلي أو الزمالك أكبر ناديين في مصر والمنطقة العربية. وكان سينال شهرة عارمة في بلده ويصبح هداف الدوري لسنوات طويلة ويحصل لفريقه على بطولتي الدوري والكأس لسنوات طويلة، وربما بطولة أبطال أفريقيا، لكنه لم يكن ليزيد عن ذلك، أي يظل لاعباً محلياً أو إفريقياً، وقد يحترف في دولة خليجية ليحصل على مقابل مالي كبير يؤمن له حياته المادية بعد الاعتزال.

هناك لاعبون مصريون ماهرون جداً، كان يمكنهم أن يصلوا إلى مكانة كبيرة لو احترفوا في أوروبا، كما فعل صلاح، لكنهم ظلوا مغمورين في إطارهم المحلي أو القاري على أقصى تقدير، وهو أمر ليس قاصراً على مصر فقط بل على بلدان كثيرة في العالم الثالث.

المنتخب المصري لكرة القدم، له سجلات إفريقية باهرة، وهو صاحب الرقم القياسي في حصد بطولات الأمم الإفريقية، كما أن أنديته هي الأكثر حصد لبطولات الأندية، لكن المشكلة أن كل ذلك يظل في الإطار المحلي أو القاري أو الإقليمي، وليس هناك إنجازات عالمية، بل لم يصل المنتخب لنهائيات كأس العالم إلا مرتين عامي 1934 و1990، إضافة إلى هذه النهائيات التي ستقام في روسيا الشهر المقبل، والفضل الأكبر كان لمحمد صلاح الذي أحرز هدفاً قاتلاً في مرمى أوغندا في الوقت الضائع.

 اليوم لا تخلو وسيلة إعلام مصرية من الحديث عن صلاح. فهو متواجد في كل مكان من أول صورته على فوانيس رمضان نهاية بصوره على تيشرتات متنوعة يرتديها الشباب.

بفضل صلاح صارت مقاهي القاهرة تمتلئ عن آخرها في مباريات ليفربول في الدوري الإنجليزي أو بطولة أبطال أوروبا. المصريون صاروا عاشقون لليفربول بشكل جنوني.

صلاح هو أكثر ما يجمع عليه المصريون الآن ، وربما العرب. المسألة لم تعد كرة قدم فقط، ولكنها تخطت ذلك إلى أنه صار نموذجاً للشباب، يلهمهم في أشياء كثيرة من أول مكافحة المخدرات، نهاية بالحلم بالصعود والترقي والنجاح الاستثنائي.

في الأسبوع قبل الماضي اندلعت أزمة كبيرة بين الوكيل الإعلاني لمحمد صلاح، ويدعى رامي عباس وبين اتحاد الكرة المصري بسبب حقوق الرعاية، حيث اتهم الوكيل اتحاد الكرة بأنه خالف القانون حينما وضع صورة صلاح على الطائرة التي ستقل المنتخب إلى روسيا، وحصل على مقابل مالي من شركة اتصالات مصرية، في حين أن صلاح متعاقد مع شركة منافسة لها.

الأزمة تطورت خصوصاً بعد أن شكا صلاح في تغريده تويترية من "سوء معاملة وإهانة تعرض لها". بعدها تعاطف معه الجمهور، وتدخل كبار المسؤولين ومنهم وزير الرياضة المصري خالد عبد العزيز، الذي أعلن أن الأزمة انتهت وسيتم الاستجابة لكل طلبات محمد صلاح خلال أقل من أسبوعين.

في رده على الشكوى جاء في بيان اتحاد الكرة عبارة تقول: "إننا عازمون على المضي قدماً في تنمية مواردنا، وفق صحيح اللوائح من أجل التوسع في صناعة أبطال جدد مثل محمد صلاح تفخر بهم بلادهم!!!".

هذا ما قاله الاتحاد، لكن السؤال هل صحيح أن اتحاد الكرة هو من صنع صلاح، أم البيئة الاحترافية التي تعلم فيها؟!

هذا سؤال جدلي ويطول النقاش بشأنه، لكن المؤكد أن على اتحاد الكرة أن يتواضع قليلاً وهو يتحدث عن "صناعة الأبطال". نعم نشأ صلاح في مصر لكن نبوغه تم في الخارج بفضل البيئة المثالية والاحترافية. الأمر يشبه إلى حد كبير عالم نوبل الراحل الدكتور أحمد زويل، فصحيح أنه درس في جامعة الإسكندرية وحصل على درجة البكالوريوس منها، لكن المؤكد أنه ما كان يمكن له الحصول على نوبل ما لم يسافر إلى الولايات المتحدة.

المصريون لا تنقصهم المهارة والكفاءة والذكاء. لكن معظمهم يحتاج إلى بيئة مشجعة، تطلق هذه الإمكانيات المكبوتة. حينما توافرت هذه البيئة المحفزة تألق صلاح وصار أفضل لاعب في إنجلترا، وحينما توافرت علمياً حصل زويل على جائزة نوبل في الكيمياء، وحينما توافرت صار هاني حلمي عازر مهندساً مرموقاً ومساهماً في تصميم محطة برلين للقطارات.

 وهناك أمثلة عديدة أخرى تقول بوضوح أن صناعة أبطال مصريين أمر قد يبدو صعباً في مصر، لكنه ليس مستحيلاً، والدليل أنهم يتألقون في الخارج.

شكراً لمحمد صلاح الذي ألهم ملايين الشباب المصريين، والشكر أيضاً للمسؤول الذي رفض انصهاره في البوتقة المحلية، كي يجعله ينطلق إلى سماء العالمية!!

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة عن رأي مؤسسة DW.