عماد الدين حسين: خريطة فقر الاطفال.. وخريطة التطرف | آراء | DW | 22.12.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: خريطة فقر الاطفال.. وخريطة التطرف

كيف تتحول خريطة الفقر في مصر إلى خريطة للعنف والإرهاب، سؤال يطرحه الكاتب الصحفي عماد الدين حسين في مقاله* لـ DWعربية، ويقترح مقاربة لمعالجة المعضلة التي تلقي بكاهلها على الأجيال الصاعدة ومستقبل مصر برمته.

هل يمكن الحديث عن المستقبل فى مصر.. من دون ضمان تمتع غالبية الأطفال بالحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية؟!

الإجابة بالطبع لا. هذا السؤال ظل يلح على ذهني، أثناء مطالعتى لمناقشات مؤتمر مهم عقد فى القاهرة يوم الأحد الماضى عنوانه "وضع أرضية حماية اجتماعية فى مصر"، نظمته وزارة التضامن الاجتماعى ومنظمتي العمل الدولية والصحة العالمية "اليونسيف".

هذا المؤتمر أطلق تقرير: "فقر الأطفال متعدد الأبعاد فى مصر". كانت هناك العديد من الأرقام بالغة الاهمية، التي يمكن عبرها معرفة الحقيقة على أرض الواقع. مثلا عرفنا أن طفلا من كل ثلاثة أطفال فى مصر أى حوالي 30 في المائة يعانون الفقر متعدد الأبعاد، والأخطر أنهم يتركزون فى المناطق الريفية، خصوصا الصعيد.

الرقم لم يكن مفاجئا بالنسبة لي، فنسبة الـ 30 %، هي نسبة الواقعين تحت خط الفقر في مصر عموما. وهي نسبة تزيد أو تقل لكنها تتأرجح بين 25 و30 % فى السنوات الخمس الأخيرة، والرقم على ذمة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. هذا الجهاز أعلن العام قبل الماضى أن 27,8 % من سكان مصر فقراء ولا يستطيعون الوفاء باحتياجاتهم الأساسية من الغذاء وغير الغذاء. فى نفس هذا التقرير الخطير جاء فيه أن 57 في المائة من سكان الوجه القبلي فقراء مقابل 19,7 % فقط في ريف الوجه البحرس. نسبة الفقر فى حضر الوجه القبلي 27,4 % وتقل فى حضر الوجه البحرى إلى 9,7 في المائة. وأعلى نسب للفقر فى أسيوط وسوهاج 66 في المائة وقنا 58%، وأقل نسبة فى بورسعيد 6,7 % ثم الإسكندرية 11,6 % و18% في القاهرة.

لماذا أتوسع فى ذكر هذه النسب والإحصائيات؟!.

الإجابة ببساطة لأن خريطة الفقر في مصر، يمكن بسهولة أن تتحول إلى خريطة العنف والإرهاب والتطرف؟!

سيقول البعض ويسأل مستنكرا: ولكن المتطرفين لا يحاربون من أجل القضاء على الفقر، وإقامة دولة الرفاة والعدالة الاجتماعية، بل لإقامة نموذج متخيل وغير واقعي، ولم يسبق تنفيذه من قبل؟!

السؤال السابق منطقي، لكن الأكثر منطقية هو أن التطرف والإرهاب يستغل الفقر والبؤس والحرمان وضعف التعليم من أجل الانتشار والتمدد فى مصر وغيرها؟!

سيسأل البعض الآخر مستنكرا ولكن هناك متطرفون متعلمون جدا وأغنياء جدا، مثل نموذجي أيمن الظواهري المصري وأسامة بن لادن السعودي. والإجابة أن هذا المثل صحيح بالفعل، لكن الغالبية الساحقة من المتطرفين خرجت من أحزمة الفقر والأحياء العشوائية.

مختارات

في هذه المناطق الفقيرة، هناك أكبر نسبة تسرب من التعليم خصوصا للفتيات، وهناك أكبر نسبة عمالة أطفال بصورة غير قانونية. جزء كبير على سبيل المثال من هؤلاء الأولاد الصغار صاروا يعملون سائقين للتوك توك وهو أقرب إلى الركشة الهندية، أي وسيلة مواصلات تنشط أساسا في المحافظات والأحياء الشعبية بالقاهرة الكبرى، ولا تخضع لأي نظام أو قانون، وبعض أصحابها متهم بارتكاب العديد من الجرائم.

بيئة الفقر في مصر، هي المصدر الأول لتخريج ولتجنيد الإرهابيين الصغار، وغسل أدمغتهم، واستغلال تسربهم من التعليم أو ضعف تحصيلهم العلمي، من أجل استغلال طاقتهم المهدورة في ارتكاب أعمال العنف والإرهاب ضد مؤسسات الدولة والمجتمع.

بالطبع هناك أسباب متعددة للعنف والإرهاب. ليست فقط بسبب الفقر، وربما كان ضعف التعليم وترديه عاملا حاسما، لكن في كل الأحوال فإن الفقر عامل مساعد وأساسي لتوطن التطرف الذى يقود لاحقا إلى الإرهاب.

إذا الأمر بسيط، ولو كنت في الحكومة المصرية، لقررت فورا أن أفضل طريقة للقضاء على التطرف والإرهاب، هو الذهاب إلى بؤر الفقر، والاهتمام أكثر بالتعليم والصحة فيها.

زرت مناطق كثيرة فى ريف الصعيد، وهناك رأيت بعيني هذه التربة الخصبة للإرهاب والتطرف. في قرى الفيوم وبني سويف والمنيا، لم يكن غريبا أن ينشط الإرهابيون، ويرتكبون جرائم نوعية خطيرة مثل حادث الواحات ضد رجال الشرطة، أو قتل الأقباط الذين كانوا متوجهين إلى دير الأنبا صمويل فى الظهير الصحراوي قبالة محافظة المنيا.

ولم يكن مفاجئا كثيرا أن المتهمين بتفجيرات الكنائس الكبرى الثلاثة فى القاهرة وطنطا والإسكندرية قبل شهور هم من إحدى قرى محافظة قنا.

التعليم الجيد، هو أفضل وسيلة لمكافحة التطرف، خصوصا تعليم الفتيات اللاتي ما يزلن يتسربن من المدارس بكثرة فى الصعيد. ضمان تعليم الفتيات يعني وجود أطفال متعلمون ومتدينون بصورة معتدلة، وإذا أضفنا إلى ذلك تحسن الأحوال الصحية، فإن مثلث الإصلاح سوف يكتمل أي تعليم وصحة وعدالة اجتماعية.

للموضوعية فإن الحكومة عبر وزارة التضامن الاجتماعي ووزيرتها غادة والي بذلت جهودا كبيرة عبر برنامجى "تكافل وكرامة" لمكافحة الفقر خصوصا في الصعيد، وهناك قصص نجاح كثيرة فى هذا الأمر، لكن المأساة أن حجم الفقر أكبر بكثير من كل أمكانيات شبكة الحماية الاجتماعية التي وفرتها الحكومة.

قولا واحدا فإن توفير فرصة عمل واحدة يعني ضمان الانفاق على خمسة أو ستة أفراد، وبالتالي فإن التوسع في توفير فرص العمل هو أفضل طريق ليس فقط لمحاربة الفقر، ولكن ــ وهذا هو الأهم ــ للوقاية من التطرف والإرهاب.

 

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW