1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

عماد الدين حسين: الأم والجنين والمستشفى.. والطبيب

في مقاله* لـ DW عربية يسلط الكاتب الصحفي عماد الدين حسين الضوء على خيارات الحكومة المصرية في رفع مستوى اقتصاد البلد، معتبراً أنه "الدواء المر" الذي على الجميع تجرعه حتى يتم شفاء المريض: الاقتصاد المصري.

هناك نكتة شعبية شائعة في مصر خلاصتها أن طبيب توليد أخبر الأب بأنه اضطر أن يضحى بالأم من أجل سلامة الجنين!

وبطريقة المصريين الساخرة فقد طوروا كثيراً في هذه النكتة بحيث يقول الدكتور للأب: اضطررنا للتضحية بالأم والجنين معاً من أجل سلامة المستشفى!

ثم طورها البعض الآن للقول بأنه سيتم التضحية بالأم والجنين والمستشفى من أجل سلامة الطبيب نفسه.

هذه النكتة تشرح بطريقة ساخرة انقسام المصريين على برنامج الإصلاح الاقتصادي، خصوصاً في الأيام الأخيرة، حينما أعلنت الحكومة المصرية عن رفع أسعار كل أنواع الوقود والمحروقات بنسب وصلت إلى 55 بالمائة وشملت البنزين والسولار وغاز السيارات والمصانع والغاز المخصص للمنازل، وفي اليوم نفسه رفعت الحكومة أيضاً أسعار الكهرباء. وقبل أيام تم رفع أسعار مياه الشرب ثم أسعار تذاكر باصات النقل العام التي تعمل داخل اقليم القاهرة الكبرى.

مختارات

هذا القرارات تؤدى تلقائياً إلى رفع أسعار العديد من السلع، باعتبار أن الوقود يدخل في العديد من المجالات خصوصاً النقل والمواصلات، وبالتالي صار طبيعياً أن يتوقع المصريون موجة عالية من ارتفاع الأسعار مع الإعلان عن رفع أسعار الوقود في معظم السلع والخدمات الاساسية.

وجهة نظر الحكومة أنها لا تملك بديلاً لهذا "الدواء المر" الذي تقول إن على الجميع أن يتجرعه حتى يتم شفاء المريض الذى هو الاقتصاد المصري، وإنها - رغم رفع الأسعار- اتخذت قرارات وإجراءات تمثل شبكة حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً، أهمها زيادة الدعم المخصص للفئات الفقيرة والأقل دخلاً بنسبة 140 بالمائة فيما يتعلق بالمخصصات التموينية في السلع الأساسية. وصرف علاوتين بنسبة 7 و10 بالمائة للموظفين المخاطبين وغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية، وزيادة هامش الإعفاء الضريبي لذوي الدخل المحدود. وكذلك رفع قيمة المعاشات بنسبة 10 بالمائة والدعم المقدم للمستفيدين من برنامجي "تكافل وكرامة" وكلهم من محدودي أو معدومي الدخل.

الفقراء يقولون: "ما قيمة وأهمية ونفع أي دواء إذا كان سيؤدي إلى وفاة المريض في النهاية، والمريض الذى يقصدونه في هذه الحالة هو أنفسهم"، خصوصاً وأن قرار تعويم وتحرير سعر العملة الوطنية "الجنيه" في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والذي صاحبه رفع أسعار الوقود يومها، قد أدى إلى موجة غلاء غير مسبوقة طالت غالبية أسعار السلع والخدمات، خصوصاً الكهرباء والمياه وأعقبها مضاعفة أسعار تذاكر مترو الأنفاق.

الطبقة المتوسطة تقول إن هذه القرارات مضافاً إليها ضريبة القيمة المضافة وقانون الخدمة المدنية قد ضربت أهم أعمدة هذه الطبقة، وجعلت شرائح كثيرة داخلها تهبط عملياً إلى الطبقة الفقيرة أو الأكثر فقراً.

ربما تكون الطبقة الغنية هي الأكثر قبولاً بالقرارات الاقتصادية، حيث ترى أنها قرارات ورغم صعوبتها وألمها، إلا أنها حتمية لإصلاح الاقتصاد المصري الذي يعاني تشوهات هيكلية ضخمة.

مؤسسات التمويل الدولية خصوصاً صندوق النقد والبنك الدوليين يشيدون بقرارات الحكومة المصرية ويعتبروها مهمة للغاية لاستكمال برنامج الإصلاح الاقتصادي، لكن ربما لديهم ملاحظات أن معدل التضخم وصل إلى مستويات لم يكن يتوقعها أحد. ولذلك جاءت قرارات البنك المركزي قبل اسابيع قليلة برفع أسعار الفائدة بنسبة نقطتي أساس 2 بالمائة، وهو الأمر الذي انتقده الكثير من الصناع والمستثمرين، لأنه يؤدي حسب وجهة نظرهم إلى توجيه ضربة قاضية إلى الاستثمار الذي ستزيد تكلفته، في حين سيفضل الكثيرون وضع ودائعهم في البنوك والحصول على سعر الفائدة المرتفع الذي يصل إلى حوالي 20 بالمائة لبعض أنواع شهادات الاستثمار، بدلاً من المخاطرة بالاستثمار الذي قد لا يحقق ربحاً بنفس النسبة. ويعتقد البنك المركزي وبعض وزراء المجموعة الاقتصادي أن رفع اسعار الفائدة سوف يمتص الموجة التضخمية العاتية، وأن الاوضاع ستعود للاستقرار قريباً.

وهناك شبه اتفاق بين العديد من الاقتصاديين بأن البنك المركزي الذي يقوده طارق عامر قد اتخذ خطوة شديدة الجرأة حينما حرر سعر الجنيه أمام الدولار، الأمر الذي يعتبره هؤلاء خطوة مفصلية للإصلاح.

لكن الذي يجمع عليه كثيرون أنهم - وحتى إذا اتفقوا مع الحكومة على حتمية الإصلاح الاقتصادي - فإنهم يختلفون معها على الخطوة التالية. بمعنى، من الذي يتحمل فاتورة الإصلاح وبأي درجة، وما هي السياسات التي ينبغي على الحكومة اتباعها حتى يحقق برنامج الإصلاح أهدافه لخدمة المجتمع ككل وليس طبقة بعينها.

في رأى هذا التيار فإن الحكومة لم تبلور حتى الآن سياسات ورؤى اقتصادية فعلية تجعل الخطوات الصعبة التي اتخذتها وأدت إلى ارتفاعات شاملة في الأسعار، تقود إلى نتائج مرضية لغالبية المجتمع قريباً.

في تقدير هؤلاء أن الحكومة ينبغي أن تركز أكثر على تشجيع الاستثمار بكل أنواعه خصوصاً المحلي، وأن تكون أولوياتها تشغيل كل المصانع المتعثرة بغض النظر عن السبب، الأمر الذي يقود إلى توفير المزيد من فرص العمل، وإذا حدث ذلك فإن الحكومة لن تكون في حاجة إلى تخصيص المليارات لبرنامجي "تكافل وكرامة" الموجهين للفقراء.

 توفير فرصة عمل لشخص واحد تعنى أنه سينفق على خمسة أفراد على الأقل. إضافة، بالطبع، إلى تحصيل الضرائب من كبار الممولين وتشجيع السياحة ومحاربة الفساد وسيادة القانون والأهم التدريب والتأهيل بسبب انعدام الكفاءة في الكثير من القطاعات.

إذا استطاعت الحكومة توفير هذه "الروشتة" أو الوصفة فإنها ستنقذ الأم والجنين والمستشفى، لأن البديل هو تعرض المجتمع بأكمله إلى سرطان قد يصعب علاجه.

عماد الدين حسين

*المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.

 

مواضيع ذات صلة