1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

علم نفس الأزمة

يعيش العراقيون أزمات دمرت مكونات الشخصية العراقية لأجيال متعاقبة. ولكل جيل أزمته الخاصة المركبة أحيانا. عبدالمنعم الاعسم يحاول الوصول في مقال مقتضب إلى أي درب يسلكه مجتمع الأزمة وأين يكمن الحل.

Iraqi women grieve during a funeral of a relative in the Shiite enclave of Sadr City in Baghdad, Friday, March 23, 2007. Their relative was kidnapped recently and his body was found decapitated Friday. (AP Photo/Adil al-Khazali)

ليس اكتشافا جديدا، ولا ينطوي على براءة اختراع القول بأن الأزمة السياسية في العراق التي ابتدأت في ثمانينات القرن الماضي (الحروب) وتفاقمت في العقد الأخير خلقت بيئة اجتماعية مأزومة، بما يعني انتشار أعراض مرضية في مفاصل كثيرة من السلوك العام، لكن الجديد يتمثل في ما يقال عن ضرورة استخدام علم النفس المعاصر في معالجة بعض آثار هذه الأزمة، وذلك بعدما أخفقت علوم السياسة في كبح اندفاع عناصر الأزمة (بعد سقوط النظام) إلى تدمير نفسها وزج المشهد إلى الدوامة والاستعصاء.

موجبات التحليل النفسي للازمة تنطلق من حقيقة أنها انتقلت، في طورها الأخير، من خلافات في وجهات النظر حيال السلطة والمستقبل والمصالح إلى حالة سلوكية انفعالية، كما تنطلق من الحاجة إلى علاج النتائج الكارثية لهذا السلوك وبخاصة لما يجري رصده في عالم الطفولة في البلاد إذ يظهر العنف والتخلف والتشوّه السلوكي في بصمات ومعطيات لا تخطئها العين ولا تعبرها البصيرة التحليلية، والأخطر، إنها قد تتحول إلى مشكلة سلالية في المستقبل.

إن البعد السيكولوجي للازمة، واستمرار بقاء المجتمع العراقي رهن تأثيراتها لمدة طويلة سيؤدي إلى أن يفقد المجتمع بعض سماته الإبداعية التي كسبها عبر التاريخ ويصبح بلا ذاكرة ايجابية، حاله حال النزيل في السجن الانفرادي لمدة طويلة، وقد لاحظنا ذلك في قصة تشارلز ديكنز (بين مدينتين) إذ فقد الدكتور "مانيت" مهنة الطب بعد سنوات من مكوثه في سجن الباستيل.

لكن أية نظرية من نظريات علم النفس المعروفة يمكن أن تستوعب هذه الإعراض السيكولوجية المرضية وتستطيع تفكيكها؟ هل النظرية السلوكية للعالم جون برودوس واتسون بالتقليل من شأن البواطن والتُقيات وردود الأفعال؟ أم النظرية التركيبية لكارل جوستاف يونج، الذي طور استنتاجات دارون حول اللاشعور؟ أم النظرية الترابطية لبافلوف وزميله ثورندايك عن الانعكاسات الشرطية للسلوك؟ أم أن الأعراض الاجتماعية للازمة السياسية التي تضرب سلوك المجتمع العراقي وتهدد بتدمير لوازمه الإبداعية والأخلاقية، يلزمها علم خاص بها، أم حزمة من العلوم؟.

قال لي أخصائي في علم نفس المجتمع، عندما كنت أبوح له بملاحظاتي هذه، نعم، هناك حاجة لامعان النظر في السلوك المضطرب للجمهور الناتج عن الأزمة السياسية.. لكن ينبغي البدء بإحالة أبطال الأزمة نفسها من السياسيين والوكلاء والدعاة والمهرجين إلى الكشف في مستشفيات التأهيل النفسي.

وهكذا دخلنا حقل الألغام.

"نعيب زماننا والعيب فينا ...

وما لزماننا عيب سوانا".

الإمام الشافعي

ينشر المقال بعد نشره في جريدة (الاتحاد) بغداد، بأذن من الكاتب

مراجعة: عباس الخشالي