علاء الأسواني: سؤالان عن حكاية غريبة | آراء | DW | 31.10.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

علاء الأسواني: سؤالان عن حكاية غريبة

في هذا المقال* يحكي علاء الأسواني واقعة غريبة حدثت في أحد بنوك القاهرة.

هذه الواقعة حدثت من سنوات في بنك استثماري في القاهرة. رئيس مجلس الإدارة كان رجلا خليجيا اسمه فهد. أهل الخليج معروفون بكرم أخلاقهم لكن فهد كان رجلا غريب الأطوار متعجرفا سليط اللسان يسيء معاملة الموظفين ويهينهم بقسوة لأقل سبب. التوظف في هذا البنك كان حلما لأي مصري لأنه سيقبض بالدولار مرتبا عشرة أضعاف المرتب الذي تدفعه البنوك المصرية بالاضافة إلى امتيازات كبيرة: تأمين طبي شامل للعاملين وأسرهم ورحلات تصييف وحج وعمرة بالمجان بالاضافة إلى أرباح كبيرة يتم توزيعها مرتين سنويا.

كان فهد يعرف مزايا العمل في البنك، مما شجعه على التمادي في إهانة الموظفين. كان يتجول كل يوم بين الإدارات المختلفة ويهين الجميع لدرجة أنه كثيرا ما يوجه لهم شتائم بالأب والأم وكان أثناء الاجتماعات كثيرا ما يقول ضاحكا:

- أنتم كمصريين بتأكلوا فول كما الحمير. لازم تعملوا مجهود لأجل تفهموا كلامي!

كانت معاملة فهد المهينة تسبب استياء الموظفين لكن أحدا منهم لم يجرؤ قط على مواجهته أو حتى معاتبته على إساءاته. فقط كان الموظفون فيما بينهم، بعد أن يتأكدوا أن أحدا لا يسمعهم، يتهامسون بالشكوى قائلين:

- والله لولا الواحد خائف على أكل عيشه لكان أعطى فهد درس في الأدب.

هذه الهمسات الخائفة لم تغير شيئا من الواقع فقد ظل فهد يسيء إلى موظفيه وكان كثيرون منهم يضحكون لإهاناته وكأنها دعابات على أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فقد كان فهد زير نساء، تزوج وطلق كثيرا واشتهرت في البنك علاقته بسكرتيرته هند التي كان تتباهى بكونها عشيقته لدرجة أنها قالت مرة على الملأ:

- أنا قريبة من فهد بك وهو يستريح لي وأنا الوحيدة اللى أعرف أريح أعصابه.

الغريب أن موظفين كثيرين بينهم رجال كبار في السن والدرجة الوظيفية كانوا يخطبون ود السكرتيرة هند ويحضرون لها هدايا ثمينة في المناسبات لأنهم يعرفون أنها تملك المفتاح إلى قلب رئيس مجلس الإدارة. على أن المهزلة كانت تصل إلى ذروتها يوم توزيع الارباح على الموظفين فقد كان فهد يحرص على أن يوزعها بنفسه بطريقة عجيبة تشبه طريقة توزيع العطايا عند الملوك القدماء. كان يجلس في قاعة الاجتماعات الكبيرة وقد أرجع مقعده إلى الخلف ووضع قدميه فوق المائدة على الطريقة الأمريكية، بينما يجلس الموظفون جميعا في الناحية المقابلة وكان مدير الحسابات يقف بجوار فهد وينادي اسم الموظف فيقف ويقترب من فهد الذي يتناول مظروف الأرباح من مدير الحسابات ويطوح به بيده فيسقط بعيدا على الأرض، عندئذ كان يجب على الموظف أن ينحني على الأرض ويلتقط المظروف ويمضي.

كانت هذه الطريقة المهينة في توزيع الأرباح تتكرر مرتين في العام وقد استاء الموظفون بشدة من هذه الإهانة ولكن مع التكرار نسى الموظفون غضبهم وصاروا يلتقطون مظاريف الأرباح من على الأرض بلا حرج ولا استياء.

على أن واقعة مثيرة قد حدثت عندما تم تعيين شاب اسمه وائل عبد اللطيف في قسم الحاسب الآلي. كان الشاب حاصلا على شهادته الجامعية من لندن وتردد في البنك أنه نابغة في عمله. سمع وائل من زملائه عن إهانات فهد فحاول أن يتجنبه بقدر الإمكان. مرة واحدة قابله فهد في الطرقة وسأله عن اسمه وعمله فتمالك وائل أعصابه ورد بأدب وانصرف. جاء يوم توزيع الارباح واتخذ فهد مجلسه المعتاد وبدأ مدير الحسابات يقرأ الاسماء ويناول فهد المظروف واحدا بعد الآخر فيلقي به على الأرض ويهرع كل موظف وينحني على الأرض ليلتقط مظروفه. استمر المشهد المعتاد حتى نادى مدير الحسابات اسم وائل عبد اللطيف فنهض واقترب من فهد الذي طوح بالمظروف فسقط بعيدا على الأرض لكن وائل لم يتحرك من مكانه. ساد الصمت لحظة ثم قال مدير الحسابات:

- خذ الأرباح يا وائل. اتحرك!

ظل وائل واقفا في مكانه ودوى صوته في أرجاء القاعة:

-  أنا لا يمكن آخذ الأرباح بالطريقة المهينة دي

قال مدير الحسابات:

- يا وائل خذ الأرباح وبلاش مشاكل

فصاح وائل:

- أنا كرامتي اهم من الأرباح. لازم تعاملونا باحترام. احنا موظفين مش عبيد

بدا الاستياء الشديد على وجه فهد وصاح عاليا:

- اطلع بره

اندفع الموظفون نحو وائل وأخرجوه واستمر توزيع الأرباح كالمعتاد ولم يعترض أحد. في اليوم التالي قرر فهد إنهاء خدمة وائل عبد اللطيف وتم تعليق القرار على الجدران في طرقات البنك حتى يراه الجميع. اختفى وائل من البنك لكن أصداء مافعله استمرت طويلا. ثلاثة او أربعة موظفين أيدوا وائل فيما فعله لكن أغلبية الموظفين رفضوا ما فعله وائل واعتبروه نوعا من الحماقة. كانوا يتبادلون بينهم عبارات الإدانة والسخرية فيقول أحدهم:

- الولد وائل ده عبيط على فكرة. حد يقطع عيشه بنفسه..؟

فيرد آخر ساخرا:

- قال ايه كرامته وجعته. طيب اهو انطرد من البنك.. ابقى خلي كرامته تنفعه

ويرد ثالث بلهجة الحكيم:

- كرامة الإنسان في أكل عيشه. كل واحد فينا لازم يبقى خدام أكل عيشه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                   

عزيزي القاريء عندى سؤالان لك:

أولا: هل تعتبرما فعله وائل عبد اللطيف تصرفا محترما أم طائشا؟

ثانيا : هل ترى أى علاقة بين مواجهة وائل عبد اللطيف مع رئيس البنك وما يحدث في مصر الآن؟

في انتظار إجابتك

الديمقراطية هي الحل

draswany57@yahoo.com

* المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.