1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

آراء

علاء الأسواني: ألمانيا يجب أن تظل قوية.. (2)

في مقاله** لـDW عربية يرد علاء الأسواني على الحجج التي يسوقها معارضو ميركل بعد قراراها بإنقاذ حياة آلاف اللاجئين السوريين.

علاء الأسواني: ألمانيا يجب أن تظل قوية.. (1)

من المفيد قبيل الانتخابات الألمانية أن نستعرض كل الحجج التي يسوقها معارضو سياسة ميركل ونناقشها:

أولا: إن قرار ميركل باستقبال اللاجئين خطوة غير مدروسة ستؤدي إلى الفوضى:

هذا غير حقيقي لأن السيدة ميركل بقرارها الإنساني كانت ببساطة تنفذ التزامات ألمانيا طبقا للقانون الدولي الذي يوجب على كل دولة استقبال اللاجئين على أرضها ويعرف اللاجئ بأنه الإنسان الذي لا يستطيع أو لا يرغب في العودة إلى بلاده نتيجة لخطر الاضطهاد الذي يتعرض له بسبب عرقه أو دينه أو ميوله الجنسية أو آرائه السياسية أو انتمائه لجماعة ما. صحيح أن هناك دولا خالفت القانون الدولي وأغلقت أبوابها أمام اللاجئين البؤساء، لكن مخالفة الآخرين للقانون لا يجب أن تشجعنا على مخالفته لأن احترام القانون شرط أساسي لاحترام الدولة. إن الحكومة الألمانية لا توزع حق اللجوء على الناس كوجبات مجانية بل أن طالب اللجوء يخضع لمعايير دقيقة صارمة تجعل من الصعب أن يحصل إنسان على حق اللجوء وهو لا يستحقه. طبقا للأرقام الرسمية خلال السبعة أشهر الأولى من هذا العام 2017 فحصت الحكومة الألمانية 408 ألف طلب لجوء فلم يحصل على حق اللجوء إلا نسبة 20.9 في المائة من الذين طلبوا اللجوء وتم رفض اللجوء لـ39 في المائة من طالبي اللجوء بل وتم ترحيل 16 في المائة.. وفي هذا العام غادر 16 ألف طالب لجوء ألمانيا عائدين إلى بلادهم في إطار برنامج حكومي لدعم العائدين وفي العام الماضي عن طريق نفس البرنامج فان 54 ألف طالب اللجوء قد عادوا إلى بلادهم.

نستطيع أن نتخيل بسهولة بهذا النظام الدقيق أنه لن يتبقى في ألمانيا إلا من يستحق اللجوء فعلا. طبقا لإحصائية قام بها مركز بيو للدراساتPEW RESEARCH CENTER ، فإن 80 في المائة من اللاجئين السوريين في أوروبا عمرهم أقل من 35 عاماً، وبالتالي هم مهاجرون في شرخ الشباب يستطيعون أن يجتهدوا ويتعلموا اللغة الألمانية وينخرطوا في سوق العمل ليصنعوا المزيد من التقدم لألمانيا كما حدث في الولايات المتحدة وكندا واستراليا وغيرها من البلاد التي قامت نهضتها على جهد المهاجرين..  

ثانيا: هؤلاء اللاجئون مسلمون والإسلام لا يتماشى مع الحداثة ولا يتواءم مع الدستور الألماني لأنه دين يحض على الكراهية والعنف واحتقار المرأة:

أصحاب هذا الرأي يعتبرون أن طريقة فهم الإسلام واحدة في كل زمان ومكان والحق أن الإسلام ـــ مثل أي دين ـــ يمكن فهمه وتطبيقه بطريقة إنسانية متسامحة ويمكن عن طريق قراءة متطرفة أن يكون أساسا للعنف والكراهية.. إن المسيحية التي علمت العالم المحبة والتسامح عندما تم فهمها بشكل متطرف أنتجت الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش  التي راح ضحيتها ملايين الأبرياء كانت جريمتهم الوحيدة أنهم مسلمون ويهود. على كل من يعتبر الإسلام دينا متطرفا بطبيعته أن يشاهد الأفلام التي أنتجتها السينما المصرية منذ العشرينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي. إن صورة المجتمع المصري التي تقدمها الأفلام في تلك الفترة تعد نموذجا للتسامح. لم تكن هناك امرأة واحدة محجبة ولا منقبة وكانت النساء يرتدين المايوهات وينزلن البحر أو حمام السباحة ويرتدين الملابس الأوروبية وفساتين السهرة ويحضرن الحفلات الراقصة وكان بطل الفيلم غالبا يحتسي الخمر، فلا يؤثر ذلك على احترام الجمهور له أو تعاطفه معه.

أضف لذلك أن المرأة المصرية قد بدأت معركتها للتحرر منذ نهاية القرن التاسع عشر فخلعت من على وجهها البرقع التركي مع ثورة 1919 ثم حصلت مبكرا على حقوقها  في التعليم والعمل والتصويت وعضوية البرلمان وتولي الوزارة بل أن المصريين في عام 1933 احتفلوا بالمصرية لطفية النادي أول قائدة طائرة في العالم العربي وأفريقيا، وفي عام 1937 أصدر مفكر مصري اسمه إسماعيل أدهم كتابا بعنوان "لماذا أنا ملحد؟" فلم يصادر الكتاب ولم يمنع ولم يسجن المؤلف ولم يقتله المتطرفون بل اعتبر إلحاده نوعا من حرية الرأي التي يكفلها الدستور المصري.

هذا المجتمع المصري الليبرالي كان يتبع القراءة المصرية للإسلام التي أسسها المفكر الإمام محمد عبده  الذي كان مفتى مصر في عام 1899 وهي قراءة متسامحة ومتوائمة مع الديمقراطية ومدافعة عن حقوق الإنسان ومساواة المرأة بالرجل. ماذا حدث بعد ذلك؟! بعد حرب 1973 بين مصر وإسرائيل تضاعف سعر النفط عدة مرات مما منح أنظمة الخليج العربي قوة اقتصادية غير مسبوقة ولأن هذه الأنظمة كلها تتكون من تحالف بين شيوخ الوهابية والعائلات المالكة فإن نشر الوهابية (القراءة المتطرفة للإسلام) يعود بالاستقرار السياسي على أنظمة الخليج. لذلك قام حكام الخليج بإنفاق ملايين الدولارات لنشر القراءة الوهابية للإسلام. يعرف المسئولون الغربيون جيدا أن معظم المساجد في أوروبا والولايات المتحدة وكندا واستراليا تقوم بالإنفاق عليها جمعيات وهابية حكومية أو غير حكومية وهي التي ترسل وعاظا وهابيين لهذه المساجد يعلمون الشباب الفكر الوهابي التي يروج للنقاب والعنف والتشدد وكراهية غير المسلمين. المشكلة إذن ليست في الإسلام وإنما في الوهابية. إن وجود عدة ملايين من المسلمين في ألمانيا ربما يقدم فرصة لتحرير الإسلام من قبضة التطرف الوهابي المدعوم بأموال النفط الغزيرة. تستطيع الحكومة الألمانية عبر مجموعة من الإجراءات أن تبدأ في مشروع لتقديم الإسلام الأوروبي المنفتح المتسامح والتخلص من الفكر الوهابي المتطرف عندئذ ستكون ألمانيا قد قدمت خدمة جليلة ليس فقط للألمان وإنما للإنسانية كلها. 

ثالثا: استقبال اللاجئين السوريين يزيد من خطر الإرهاب في ألمانيا:    

انتشر هذا الرأي بعد حدوث عمليات إرهابية في ألمانيا في أعقاب استقبال اللاجئين السوريين. يجب أن نتذكر أن دول العالم كلها تتعرض إلى هجمات إرهابية سواء استقبلت اللاجئين أو لم تستقبلهم. صحيح أن بعض الإرهابيين قد يندسون وسط آلاف اللاجئين لكن هذه المشكلة يجب على أجهزة الأمن أن تتصدى لها بدون القفز إلى نتائج ظالمة تدين السوريين جميعا. إن العشرات من المواطنين الألمان قد التحقوا بتنظيم داعش الإرهابي فهل يعطينا ذلك الحق في اتهام الألمان جميعا بالإرهاب..؟

إن اليمين المتطرف يصور للمواطنين في ألمانيا أن المسلم الإرهابي إنما يستهدف الغربيين في المقام الأول. فلنختبر هذا الكلام... طبقا للإحصائيات المنشورة في مؤشر الإرهاب العالمي GLOBAL TERRORISM INDEX 2016، فإن 93 في المائة من العمليات الإرهابية بين عامي 1984 و2014 قد حدثت في دول ديكتاتورية تمارس إرهاب الدولة ضد مواطنيها (وهي غالبا دول غير غربية). هناك إحصائية أخرى تشير إلى أنه في عام 2015 حدث ما نسبته 85.4 في المائة من العمليات الإرهابية في دول إفريقية وعربية وآسيوية، بينما 14.6 في المائة فقط من العمليات الإرهابية حدثت في بقية دول العالم بما فيها الدول الغربية، بل أن الدول الخمس الأكثر تعرضا للإرهاب في العالم هي العراق وأفغانستان ونيجيريا وباكستان وسوريا (ليس بينهم دولة غربية واحدة) وهكذا يتضح لنا أن العرب والمسلمين والأفارقة هم الأكثر معاناة من هجمات الإرهابيين. وفي نفس الوقت فإن اليمين المتطرف يعتبرهم جميعا إرهابيين محتملين. في مقالة نشرتها  DW بعنوان "خطورة فتح الحدود" عبر الكاتب البريطاني روبرت فيركايكROBERT VIRKAIK  عن وجهة نظر مثيرة للاهتمام فهو يؤكد أن وجود آلاف اللاجئين السوريين في ألمانيا سيؤدي إلى حمايتها من الهجمات الإرهابية لأن الشعور العميق بالامتنان لدى السوريين سيدفعهم لمساعدة أجهزة الأمن في إجهاض العمليات الإرهابية.

نفس النتيجة يصل إليها في نفس مقال فرنسيس تاونسند FRANCES TOWNSEND، المستشار الأمني للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، فقد أكد أن "تقليل اللاجئين يقلل الإرهاب" هي فكرة خاطئة تماما لأن استقبال اللاجئين في ألمانيا يحرم المتطرفين من مؤيديهم ويوفر مصدرا مهما للمعلومات التي ستمكن رجال الأمن من تعقب الإرهابيين وإحباط مخططاتهم بفضل تعاون اللاجئين معهم.

رابعا: اللاجئون السوريون يحملون ثقافتهم الإسلامية التي تحقر المرأة وتدفعهم لارتكاب الجرائم الجنسية:

قبل أن يبدأ عام 2016، في ليلة رأس السنة تعرضت نحو 80 امرأة في مدينة كولونيا للتحرش الجنسي وقد أكد الشهود أن المهاجمين كانوا يحملون ملامح عربية. لا يمكن لنا بالطبع أن نقلل من بشاعة هذه الجريمة، لكن من حقنا أن نختلف حول دلالتها. لقد استعمل اليمين المتطرف هذه الجريمة ليثبت أن المستشارة ميركل قد ارتكبت خطأ بالغ عندما فتحت أبواب ألمانيا للاجئين السوريين.

مثل كل خطاب لليمين المتطرف فإنه يتضمن تبسيطا مخلا وغير منصف. إنه يفترض أن المجتمع الألماني كان نقيا لا يعرف التحرش ولا الاغتصاب حتى جاءه المسلمون المتوحشون الذين بدأوا في التحرش بالألمانيات لأن ثقافتهم تعتبر المرأة مجرد أداة للذة للجنسية. هذه مغالطات ظالمة. كيف يمكن أن نتخيل وجود مليون شخص سوري بدون أن يكون فيهم بعض المنحرفين؟ هل من الإنصاف أن نعمم السلوك الإجرامي على مليون شخص لمجرد أن بضعة أشخاص ارتكبوا جرائم؟

منذ أيام نقلت وكالة الاسوشيتدبرس خبر القبض على سائح ألماني في البرتغال أثناء محاولته الاعتداء الجنسي على طفلة في أحد الحمامات العامة. هل يمكن أن نعتبر هذه الجريمة دليلا على نزوع الألمان جميعا لاغتصاب الأطفال..؟ هل من حقنا أن نحاسب 82 مليون ألماني على جريمة ارتكبها شخص أو مائة أو حتى  ألف ألماني؟!. ثم من قال  إن المجتمع الألماني كان خاليا من الجرائم الجنسية قبل قدوم اللاجئين. بعد أيام من حادث كولونيا نشرت المستشارة الإعلامية أنّه فيتسوريك ANNE WIZOREK  والصحفية شتيفاني لوهاوس STEFANIE LOHAUS على موقع

VICE GERMANY مقالا بعنوان " ثقافة الاغتصاب في ألمانيا ليست ظاهرة مستوردة..". أكدت الكاتبتان أن ثقافة الاغتصاب موجودة بعمق في الوعي الألماني وأن الاعتداءات الجنسية تحدث كل عام في الاحتفالات الكبرى مثل مهرجان أكتوبر، حيث قالت امرأة حضرت الاحتفال في شهادتها:

"إذا فكرت (كامرأة) في الذهاب إلى دورة المياه فعلى بعد 50 قدم سيكون من المؤكد أن غرباء مخمورين سيحاولون احتضانك والإمساك بمؤخرتك". وقد أكد المقال أنه في هذا الاحتفال يتم الإبلاغ كل عام في المتوسط عن عشر حالات اغتصاب من أصل 200 حالة اغتصاب تقدر السلطات أنها تحدث ولا تبلغ الضحايا عنها وقد أورد المقال إحصائية أجريت في عام 2004 تؤكد أن نسبة 13 في المائة من النساء الألمانيات قد تعرضن إلى اعتداءات جنسية وأن 8 في المائة فقط قد أبلغن الشرطة.   
من المؤكد أن اللاجئين لم يأتوا إلى ألمانيا من أجل التحرش بالنساء، وإنما هم مجموعة من البشر لابد أن بينهم بعض المنحرفين الذين يجب أن يتم القبض عليهم وتقديمهم للعدالة. الغريب أن العنصريين الغربيين يستعملون نفس أساليب التفكير التي يستعملها الإرهابيون الإسلاميون وهي:  زرع الإحساس بالتفوق على الآخرين ونشر الكراهية والإدانة الجماعية، فكما يؤمن الإرهابي الإسلامي أنه أفضل من غير المسلم يؤمن العنصري بتفوق الجنس الأبيض، وكما يعتقد الإرهابي أن الغربيين كلهم أعداء الإسلام يعتقد العنصري أن المسلمين كلهم أعداء الحضارة الغربية، وكما يعتبر الإرهابي أن ارتكاب جندي أمريكي لجريمة حرب يجعل الغربيين جميعا مجرمي حرب فإن العنصري الأبيض يعتبر أن إرهابيا مسلما واحدا يكفي لأن يكون المسلمون جميعا إرهابيين.

إن المستشارة ميركل عندما قررت إنقاذ حياة آلاف السوريين قد كشفت لنا حقيقة مهمة:  إن العالم الذي نعيش فيه ينقسم إلى جانبين.. جانب الكراهية الذي يقف فيه الإرهابيون والعنصريون والحكام المستبدون وهم يشتركون جميعا في نظرتهم للحياة حتى لو تصارعوا مع بعضهم البعض.

أما جانب المحبة فيقف فيه معظم البشر الذين يحترمون الاختلاف ويدافعون عن القيم الإنسانية: العدل والحرية والرحمة. إن الدرس الذي نتعلمه من قرار ميركل أننا قد نكون مختلفين في لون البشرة والدين والجنسية لكننا في الأساس بشر نسعد ونتألم ونحلم ونعمل ونجتهد لتربية أولادنا بنفس الطريقة. إذا تذكرنا دائما أننا ننتمي إلى الإنسانية قبل أن ننتمي إلى أي دين أو بلد فالمؤكد اننا سنصير كائنات أرقى وسنجعل من هذا العالم مكانا أفضل للحياة.

ألمانيا يجب أن تظل قوية وقوتها لا تتحقق فقط بواسطة صناعة متفوقة واقتصاد ناجح ومعدلات عالية للتنمية والدخل وإنما الأهم أن تتحقق قوتها بقيمها الإنسانية.  

*(المقال 2 من 2)

** المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه وليس بالضرورة رأي مؤسسة DW.

   draswany57@yahoo.com