1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

سهيل احمد بهجت : في نقد تطورالعلمانية

قراءة في فكر المسيري

إن العلمانية، حالها حال الأفكار الأخرى، كانت كلمة سحرية في بداية نشأتها و من طبيعة الإنسان أن يتحمس لكل جديد ظنا منه أن الحل لمشاكله و معاناته سيكون بين ليلة و ضحاها، و هو حينما يبدأ في تطبيقها يشاهد و يرى و يحس بنتائج نظريته فيقوم بتعديلات تتلاءم مع الواقع فتتطور الفكرة أو تفشل لتحل محلها فكرة أخرى، فالماركسية كنظرية كانت متطرفة إلى أبعد الحدود، و لكن حينما لم تستطع النظرية الصمود أمام الواقع و ثبت فشلها، انهارت و سقطت إمبراطورية الفلاسفة "الاتحاد السوفيتي" خلال مدة وجيزة جدا، لكن العلمانية لا تزعم أنها تمتلك الأجوبة على كل الأسئلة كما فعلت الماركسية و كما يريد المسيري لها أن تكون، و لو أن العلمانية كانت فعلت ذلك لفشلت ككل النظريات الأخرى الشمولية التي تدعي أنها الحقيقة الكاملة، و الدين حينما يعلن أنه الحقيقة الكاملة فهو يعني أنه حقيقة كاملة على المستوى الشخصي البحت، و لكنه في واقع الحياة العامة أو المجتمع يعود نسبيا كأي حقيقة أخرى، فالحقيقة الدينية تتسع و تضيق و تتنوع حسب ثقافة الفرد و مستواه العقلي و العلمي، من هنا نجد أن الإسلام ـ كنموذج ـ لا يحمل الإنسان أي تبعية قانونية ـ شرعية إذا كان مختل العقل أو النفسية، و هكذا لا يكون هناك تكليف أو حساب (آخروي) إلا على العقل، و طبيعي أن العقل يكون مغيبا أحيانا نتيجة الجهل أو الفقر أو المرض، بالتالي يكون الحساب الديني أو الثواب و العقاب متوقفا على سلامة العقل و الحواس و درجة العلم و الاطلاع.

و يضيف المسيري أن اطلاع مجتمعاتنا على تطور متتاليات العلمانية توقف في القرن التاسع عشر و بالتالي لم نستطع ـ يقصد نحن في العالم الإسلامي ـ أن نستوعب و نعي سلبيات العلمانية و نقدها الذي استمر في الغرب، و بالتالي بقي مصطلح علمانية إيجابي المنحى في عالمنا نحن معشر الشرقيين، لكن هنا نقطة جديرة بالنقد، فمع سقوط الإمبراطورية العثمانية، و التي كفت عن التقدم و بدأت تتراجع منذ القرن 16، سنحت لدول المنطقة فرصة حقيقية لبناء منظومة ديمقراطية مبنية على العلمانية المعتدلة، و كانت أنظمة ملكية كالعراق و مصر و ليبيا كنماذج قادرة على بناء منظومة أخلاقية قائمة على الحرية و تعدد الرأي و لكن التطرف القومي و الأيديولوجية الماركسية لم تترك مجالا لهذه العملية التي لا يمكن بناءها بين ليلة و ضحاها، بل عبر تراكم ثقافي و عقلاني اجتماعيين يتحولان عبر الزمن إلى خلق و ثقافة ذات جذور، إلا أن العسكرتارية أجهضت كل ذلك.

يقول الدكتور المسيري:

و في النهاية يجب أن نشير إلى أن تجربة العرب و المسلمين (و شعوب العالم الثالث) مع متتالية العلمنة مختلفة، فعمليات العلمنة لم تنبع من واقعهم التاريخي و الاجتماعي (رغم وجود عناصر علمنة مختلفة فيه)، و إنما أتى بها الاستعمار الغربي، و فرضها فرضا عليهم و على غيرهم، و مع هذا نستمر في استخدام المصطلح بمرجعيته الغربية، و التي تفترض المتتالية الغربية في العلمنة." المصدر السابق ص 48

و هنا نود أن ننوه أن العلمانية لم يكن لها مستقبل ذاتي في العالم الإسلامي تحديدا بسبب تشابك العلاقة بين الدين و شرعية الدولة، باستثناء التجربة التركية و إيران ما قبل الثورة، فالدين كان يستمد قوته من السلطة و السلطان و كانا ـ و لا زال ـ يستمدان شرعيتهما من رجال الدين، و إلى أن تم الفكّ بينهما فكريا فإن ذلك لم يحدث إلا بضغط غربي و بفعل الضعف الذي اعترى الإمبراطورية العثمانية و نظام الخلافة الفاسد، و لذلك وجدنا أنه حتى رجال الدين كما رجال السلطة الزمنية انقسموا بين مؤيد و معارض لهذه الإصلاحات و التغييرات البنيوية و مطلب المسيري في تركنا نحن (العالم الإسلامي) منعزلين إلى أن ننتهي من إثمار "علمانية خاصة بنا" مطلب خيالي هو أشبه بأن نطلب من الإنسان أن يتوقف عن أكل الطعام أو التنفس بل و حتى التخلي عن طبيعته الإنسانية، و لماذا تناسى المسيري الآيات \{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ\} البقرة 251 و \{دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ\} الحج 40، و دارس التاريخ يدرك أن الغرب كما كان مؤثرا في الشرق فإنه كان متأثرا قبلها بقرون بالحضارة الإسلامية دون أن نزعم أنه يدين بكل ثقافته للمشرق، و هو رأي يذهب إليه النرجسيون أو المبالغون في إنجازات العالم الإسلامي، فقد اكتشف الغربيون بعد الحروب الصليبية مدى حاجتهم إلى العلم و الثقافة و الإبداع و التغيير، فكان أن نبتت نبتة الإصلاح الديني و النظرية القائلة بأن الخلاص هو شأن شخصي بحت، فلماذا نطلب المحال و لماذا لا نقتدي بالغرب إذا كان العلاج الديمقراطي و حرية الضمير أثمرت لدى الغربيين و هم استفادوا من العالم الإسلامي دون أن ينظروا إلى منجزنا الحضاري نظرة مسيرية ـ نسبة إلى المسيري ـ و خرجوا من العزلة.

إن ما ينظـــّر له المسيري من أن التحديث Modernize يعني التغريب Westernize لكون العلمنة المفترض القيام بها تترادف مع النمطية الغربية من التحديث، و لكي نفهم هذا الرأي بشكل أوضح نتابع ما يقوله الدكتور المسيري:

و قد لوحظ، في العالم الثالث، وجود مصطلحات أخرى مثل، "الديمقراطية" و "العقلانية" و التنوير" و "التغريب" تقف جنبا إلى جنب مع العلمانية، و لكنها تتداخل معه في بعض الأحيان، بل و يفترض بعضهم قدرا من الارتباط العضوي، و أحيانا الترادف بينها، و هذا الخلط له أساسه، ففعل Modernize أي "يُحدّث" ـ على سبيل المثال ـ يعني إعادة صياغة المجتمع بحيث يتم استبعاد المعايير التقليدية، و إخضاع كل شيء للمعايير العقلية المادية العلمانية التي تتفق مع معايير الحداثة (برؤيتها للإنسان و الكون)، و هذا هو أيضا الترشيد (في الإطار المادي)، فالتحديث هنا يعني "التحديث في الإطار المادّي"، و لا يختلف فعل Westernize أي "يُغرّب"، بمعنى "فرض أنماط و معايير الحياة الغربية" عن فعل "يُحدّث"، فالأنماط و الأساليب "الغربية" التي يتم فرضها هي الأنماط و الأساليب و المعايير العلمانية."المصدر ـ ص 49

إن صناعة التطور و بكل مضامينها الفلسفية العقلية و الثقافية الاجتماعية و أدوات الحياة من ملابس و غذاء و مخترعات كالسيارة و الطائرة و الصاروخ و الساتلايت ..إلخ، كلها أصبحت نمطا غربيا لسبب وحيد هو أن الشرق ما دام اعتبرها مخترعات خاصة بالغرب فإنه اختار عدم الدخول في عالم الإبداع، فالمسيري حينما حكم على كل شيء بأنه غربي ـ حتى الأطعمة ـ فهو قرر سيكولوجيا جعل الحياة ذاتها غريبة عنا و أننا معشر المسلمين ـ تحديدا ـ غرباء عن هذا العالم، فنحن لم نعد نملك أي شيء في عالمنا الذي أصبح غربيا (و هناك اشتقاق لكلمة غريب من الغرب و الغربة) و هكذا حكم المسيري و أضرابه علينا كعالم إسلامي ـ ظلامي ـ أن نبقى حبيسي الظلمة و التخلف و أن نستمر في عقلية المقاطعة و القطيعة، و المضحك أن كل مظاهرات الداعين إلى "مقاطعة البضائع و المنتجات الإسرائيلية و الأمريكية" تمتليء بالملابس و الأقمشة الغربية و لا ننسى أن مكبرات الصوت التي تستخدم في هذه المظاهرات هي منتجات غربية بامتياز.

و بهذا الشأن فلنقم بمراجعة تاريخية بسيطة، كان بطرس واحدا من تلك الشخصيات المتناقضة المعقدة، فتارة يبدو للعين كأحد القتلة الأشرار، و طورا كجبار عنيد همه الأكبر شهوته الجسدية و كبرياؤه. و طورا آخر كنبيل أودعت فيه الطبيعة جميع صفات النبل و الشرف. فهو بربري بدمه و لكنه نابغة و هو نزاع إلى المدنية و لكنه ينزع إليها كما تنزع البرابرة.لم تستطع صفاته العقلية السامية أن تتغلب على طبيعته الوحشية يوما بل العكس فقد كان يريد الأشياء حسنة كانت أم سيئة بقوة و شره و قسوة. كانت أحلى صفاته النشاط العظيم يتدفق منه فكان يلتهب قوة و يحترق من فيض همته. جاء إلى الحكم و هو إبن سبعة عشرة. فوجد روسيا متأخرة عن الغرب أشواطا بعيدة و جيوشه في حاجة شديدة إلى المؤونة و التهذيب. لا تستطيع مقابلة جيوش الغرب المنظمة. و بلاده آسيوية في تقاليدها و عاداتها. و حكومته لا تفرق كثيرا عن إحدى إمارات التتر. و أن روسيا لا منفذ لها على البحر و لا سفن. و أنه يستحيل عليها أن تشترك في الشؤون العالمية و هي على هذه الحال. كما وجد أن للبلاد أعداء يجب القضاء عليهم و هم النبلاء و رجال الدين و الجند المتمرد. فخطط له خطة رمى فيها ثلاثة أهداف:

1 ـ تثقيف روسيا ثقافة أوروبية و إدخالها ضمن دائرة المدنية الغربية.

2 ـ فتح طريق تنفذ منه روسيا إلى البحرين الأسود و البلطيك أو نافذة كما قال هو تنظر منه روسيا إلى الخارج.

3 ـ تحطيم كل قوة تعاكسه في البلاد من رجال الدين و الأشراف و الجيش. و قد فاز بكل ذلك.

(تاريخ أوروبا الحديث/ جفري براون/ ترجمة علي المرزوقي ص 313)

ففي الحالة الروسية التي نقلنا هنا مشهدا منها، كان التغيير قمعيا و بالقوة و كان أن قام بطرس الأكبر بفرض كل ما هو غربي بالقوة، حتى قصّ لحية النبلاء الروس الطويلة بالقوة لكي تترسخ ثقافة التطور في عقل و ضمير المجتمع، و هذا التغيير القمعي يكون ضروريا رغم سلبياته حينما تكون قوى الرفض دينية كانت أم اجتماعية ذات ممانعة قوية تعيق حتى ذلك التغيير البطيء، و المرحوم الدكتور علي الوردي يشبه قوى المحافظين في المجتمع و قوى اللبراليين المجديين الذين يقفون بوجه المحافظين، يشبههم بالفرد الذي يريد التقدم و لكنه و خوفا على سلامته يفعل ذلك بحذر، فالمحافظون يخافون على سلامة المجتمع و تماسكه و قيمه التي تشكل نظاما حياتيا، بالمقابل يريد اللبراليون المجددون تغيير المجتمع نحو الأفضل و تبديل العقلية القديمة بأخرى وثابة، و فقدان التوازن بين هاتين الفئتين هو الذي يجعل المجتمع يعيش حالة التناشز و الصراع و يؤدي أحيانا أخرى إلى الصراع و استخدام العنف و القوة إما لفرض التغيير ـ كما فعل بطرس الأكبر في روسيا و مصطفى كمال في تركيا ـ أو العكس ـ كالثورة الإيرانية أو انقلاب عبد الحميد الثاني على الدستور.

يضيف المسيري إلى ما سبق بالقول:

و رغم اعترافنا بوجود هذا الترابط أحيانا بين التحديث و الديموقراطية و العقلانية من جهة، و العلمانية من جهة أخرى، إلا أننا لا نرى أن هذه الرابطة عضوية أو ضرورية (و كما سنبين فيما بعد، يمكن أن ترتبط العلمانية باللا عقلانية و الاستبداد و الفاشية)، و لكن عملية الربط و التداخل تؤدي إلى اختلاط المجال الدلالي لمصطلح "العلمانية"، و تربطه بمنظومات قيمية و نماذج معرفية ليست بالضرورة كامنة فيه، و إنما تضاف إليه (نفس الإشكالية التي واجهناها في تعريف هوليوك)." العلمانية تحت المجهر ـ ص 50

إن هذا التنظير يذكرني بالقاعدة المنطقية القديمة القائلة بأن "الدور لا يجوز"، فلو فرضنا مثلا أن أ من الأشياء يتوقف وجوده على ب و قلنا مرة أخرى أن ب يتوقف وجوده على أ لكان كلاهما محالا و لا يقومان على شيء، نموذج آخر لهذه القاعدة المنطقية، يقول فقهاء السنة أن "إجماع الفقهاء واجب الاتباع" و هم يستندون في ذلك إلى أحاديث آحاد ـ قليلة ـ و حينما نسألهم عن حجية أحاديث الآحاد يكون جوابهم أن "إجماع الفقهاء هو الدليل"، و هكذا تكون دائرة منطقية مفرغة، و كمون النظرية و مرجعيتها الضمنية يشبه في وجه من الوجوه هذه المعادلة، فالعلمانية لا تقوم بذاتها ـ حسب المسيري ـ و مرجعيتها الكامنة في العقل المادي و حينما نسأل عن مرجعية المادة و الموضوع يعيدنا إلى العلمانية و بالتالي إذا كانت كل نظرية لا بد و أن تستند إلى أُخرى فإن النظريات ـ و موقعها في منطق الحلال و الحرام ـ لا و لن تنتهي و لن يكون لها حظ من التطبيق، و لماذا انتهى المسيري في نقده للعلمانية إلى أن يهجم على الحرية و الديمقراطية و حتى أبسط مظاهر الحياة و أسلوب العيش الحديث؟ كما سنرى، فإذا كانت العلمانية ترتبط بكلا النمطين من النظم، الديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان و العقلانية و نقيضها الدكتاتورية و الاستبداد و استعباد الإنسان و اللا عقلانية، فإن هذا دليل على أن العلمانية كائن أو فكرة حيادية لا علاقة لها بكون الدولة إنسانية أو فاشية، فهذه التفصيلات الإضافية ـ ما بعد العلمنة ـ هي نتيجة عوامل أخرى.

مثالا على ذلك نجد أن النازية ليست وليدة نظرية جاهزة ـ آمن بها جميع الألمان كما يزعم الناقدون ـ لأن النازية جاءت نتيجة ديمقراطية هزيلة و في بلد عاش أزمة هوية أولا و أزمة اقتصادية ثانيا، فالاكتفاء بالنظريات دون الواقع و معطياته هو أشبه بالرؤية مع عمى الألوان، و هكذا فإن هذه الرؤية ناقصة و محدودة، فمثلا نجد مؤسسات تشترك فيها الدول الديمقراطية و الدكتاتورية، الملكية و الجمهورية، الفاشية و الإنسانية، دون أن يعني وجود هذه المؤسسة أنها هي التي طبعت الدولة بالطابع الدكتاتوري أو الديمقراطي، فكل هذه الأنظمة ـ على سبيل المـثال ـ تمتلك جيوشا و شرطة و مخابرات، و لكن استخدامها هو الذي يختلف، و بالتالي فمن أكبر الخطأ أن نقوم بإضافة العبثية أو الفاشية و الدكتاتورية إلى "العلمانية" كمنظومة سياسية، إن التطور الطبيعي للبشر يعني ببساطة أنه تاريخ بشر و ليس تاريخ ملائكة، فمراجعة بسيطة لأي تاريخ كان، بالأخص ذلك التاريخ الإسلامي، و سنجد أن هناك من يستغل القضية الدينية و العلمانية و الوطنية و حتى الديمقراطية منتهزا ظرفا معينا للهيمنة و الحصول على المزيد من النفوذ و الحكم دون أن يعني ذلك أن ذلك المبدأ هو السبب في هذا الانهيار التاريخي.

مواضيع ذات صلة