1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

سناء الفن الحقيقي

بلقيس حميد حسن

صدفة وجدت اللقاء معها على قناة العراقية, لم يسعفني الحظ برؤيته من البداية, رأيتها بعد فراق يربو على ثلاثين عاما ..
انها الفنانة سناء عبد الرحمن المشرقة دوما والجميلة دوما , التلقائية كما جريان نهر الفرات في ازماننا السعيدة والبعيدة ..
لقد اعادتني رؤية سناء على الشاشة الصغيرة الى سنوات المدرسة الثانوية , الى مسارح المدارس في سوق الشيوخ حيث كنا مجموعة من الطالبات يعشقن الفن والأدب , نكون ابطال بعض التمثيليات والمسرحيات احيانا, لم نكن نكتب نصا, انما نتفق على مانقول والبقية تأتي من عندياتنا لتنجح التمثيليات ونسعد الناس او نبكيهم تضامنا مع قصصنا الانسانية التي نطرحها على مسرح الثانوية الفقير باثاثه والغني بالفن والشعر والمقالات والغناء والابداع..
كانت الفنانة سناء تتحدث باللقاء بكل روحها المليئة بالحس الوطني العراقي الجريح مما مر ويمر على هذا الشعب المسكين , تتحدث لا كممثلة مبدعة فقط , انما كناقدة لوضع يقهر المبدع الحقيقي , تتحدث كمفكرة باحثة عن الحقائق , يشغلها وضع الفوارق بين الفن الصادق والمفتعل , بين الجمال الطبيعي والمصطنع , هي تتحدث وانا ابكي بكل الشوق للعراق الذي احببناه , ابكي حبا لأيامنا وما كنا نفعله معا على مقاعد الدراسة الثانوية ومسارحها , تذكرت جوائز الشعر الأولى التي احصل عليها في مسابقات الثانويات على مدى اربعة اعوام وسناء كانت تشارك في مسابقات الخطابة وتبدع , كنا فرحين بحياة مليئة بالطموحات.
لازالت سناء تلك الطفلة الطيبة , ولا زالت تلك المتحدثة التي تساهم بالخطابة, وتلك الموهوبة التي اصرت في يوم وفاة خالها الشاعر جعفر الخياط على اداء دور تمثيلي تكون به عروسا , وادته رغم حزنها الشديد , ايمانا منها بالفن والالتزام به وايمانا بمسؤوليتها امام جمهور المدينة . اتذكر ذلك جيدا , ربما لم تقله سناء , لكنني اتذكره وأقوله للتأريخ.
لم تتحدث سناء عن الفن بشكل مجرد وبعيد عن هموم الناس , انما تحدثت عن شعب ووطن وتاريخ وعلاقات مع العرب والعالم , تحدثت متسائلة عن سبب بقاء ذات المستشارين بالفن منذ زمن الطاغية حتى اليوم , نستشف من خلال حديثها ثقافة انسانية عميقة وهي سليلة عائلة يستغرقها الشعر ويحيطها من كل النواحي كبقية العوائل العريقة في مدينة سوق الشيوخ التي سميت بالمدينة الشاعرة .
تذكرت بلقاء سناء كل شيء, طفولتي حينما ارى والدي الشاعر ووالد سناء وهو شاعر زهد في الشهرة والمال وكل شيء , رأيتهما اليوم يرددان الاشعار بتلذذ مفتونين بالمعاني , اعادني لقاء سناء الى كل ماهو جميل فيما قبل الطوفان العراقي والى ماقبل جميع الانهيارات الروحية وغير الروحية .. اعادتني الى ازقة المدن الصغيرة الغافية على الرافدين , والى سلال الرطب يـُهدى بين الناس , الى الورود في حدائق بيوت المدينة التي كنا نجمعها في درس مادة النبات في الصف الخامس العلمي حيث تطلب المدرّسة منـّا تجميع انواع الزهور وتجفيفها ووضع الاسماء العلمية والشائعة على كل نوع , تذكرت ذاك الورد الذي كان اسمه "حُسن يوسف " اي جمال النبي يوسف والذي لفظناه باسم الممثل المصري" حسن يوسف" بفتح الحاء وعندما حصلنا على نوع ورد اخر نجهل اسمه اسميناه "رشدي اباضة " وكم ضحكنا , تذكرت كل ماهو جميل وطيب وخيـّر..
لقد كررت سناء في هذا اللقاء اناشيدنا الوطنية دون ان تنشد , واغانينا التراثية الرائعة دونما غناء, فبكلماتها المنسابة من روحها الناصعة, انبتت امامنا بساتين امل في الفن رغم الكسوفات المتكررة ..
اتمنى ياسناء ان لا يطول انتظارك للحاضنة التي تقدر ماعندك وعند سواك من الفنانين والمبدعين .
واسأل بحسرة سناء على الفن العراقي , اين المجال الذي سيفتح لسناء وامثالها, ولمواهبهم التي اوقفت ظلما كشلالات تريد الانطلاق لتروي كل جفاف الارض ؟
اي واقع مرير يعيشه الفن ياسناء والعراق يغرق بظلام الأزمان السحيقة ليعيد عداوات ماتت منذ الاف السنين والاجيال ؟
اي حاضنة تنتظرين وانت الفراشة البيضاء التي تستنشق يوميا غبار سواد القتال والانفجارات وحقارة الملثمين وأحجبة الزيف والفساد الاخلاقي وسراق الحياة والخبز والنفط ؟
ياسناء تحدثت ِ كأجمل فنانة عربية , وطرحت ِ افكارا رائعة اجدر بها ان تسمع من قبل جميع البرلمانيين وجميع العقول البعيدة والقريبة من اصحاب القرار ..

شكرا سناء على كل هذا الجمال الذي حملتيه لنا في زمن القحط والبشاعة التي تطل علينا في كل حين من شاشات عديدة ..
شكرا لأنك لا زلت تحفظين دروس الشعراء في سوق الشيوخ في المنح والبذل الحقيقي, ولا زلت تلك المتمردة على تقاليد الرافضين للفن وهو وجه من وجوه الحضارة المشرق .
شكرا سناء لابتسامتك البريئة في زمن باتت فيه ابتسامات اكثر الفنانات صفراء كاذبة او فاضحة ملونة بالف لون والف قصد دنيء ..
شكرا سناء لانك فنانة حقيقية تصرين على كون الفن رسالة انسانية نبيلة وليس هدفها الشهرة والحصول على المال فقط , رغم ان جميع من سبقوك بتاريخ هذا العراق العجيب من اصحاب الرسالات, كانت المعاناة والتهميش زادهم, وتكريمهم الوحيد هو خلودهم في قلوب الناس وهو الأعظم والأبقى
في نهاية اللقاء كان الحب كلمة سناء الاخيرة , وهل انقى واصدق من الحب لدى عاشقة بهية للفن وابنة شاعر عشق الشعر حتى الموت ؟