رصاصة طائشة شلت جسد هديل ولم تحبط أحلامها بإنجازات عالمية | ثقافة ومجتمع | DW | 15.08.2017
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

ثقافة ومجتمع

رصاصة طائشة شلت جسد هديل ولم تحبط أحلامها بإنجازات عالمية

لم تفكر يوما أنها ستصبح لاعبة تنس الطاولة وتحصل على جوائز محلية ودولية. هديل الشابة العراقية التي أصابتها رصاصة طائشة وشلتها عن الحركة، وجدت في الرياضة سبيلا للتغلب على إعاقتها وحالة اليأس التي كانت تعيشها بعد إصابتها.

تتأمل هديل الكؤوس التي حصلت عليها خلال مشاركاتها الناجحة في بطولات تنس الطاولة. تدفع كرسيها المتحرك باتجاه الرف وتأخذ إحدى الكؤوس وتتاملها، فهي تستعد لخوض بطولة العالم بمعسكر في البرتغال نهاية العام الحالي، وكلها تحد وإصرار للحصول على المزيد من الميداليات والكؤوس، وتؤكد ذلك بثقة وعزيمة "أنا من سيحصل على الأوسمة". والآن كثفت لاعبة منتخب الشباب العراقي لتنس الطاولة لمتحدي الإعاقة تمريناتها لتطور نفسها أكثر، استعدادا لبطولة العالم بعد أن تغلبت على ألمها وحزنها.

هديل (23 عاما) التي شقت طريق نجاحها بالجهد والمثابرة، لم تكن تعلم أن طلقة طائشة ستغير حياتها بالكامل. فمن حالات نفسية صعبة وضعف ثقة بالنفس وتفكير بالانتحار، تحولت إلى لاعبة ماهرة في اللجنة البارالمبيك الوطنية العراقية المعنية بذوي الإحتياجات الخاصة، ومثلت العراق إقليميا ودولياً في أكثر من مناسبة.

بعد تأمل وصمت، تقول هديل في حوارها مع DW عربية، مسترجعة ذلك اليوم الذي أفقدها القدرة على السير: "كان عمري عشر سنوات عندما أُصبت برصاصة طائشة نتيجة مواجهات بين جنود أمريكيين وقوات تابعة لمقتدى الصدر، حدثت في منطقتنا ببغداد عام 2004. تلك الرصاصة جعلتني مقعدة ومن ذوي الاحتياجات الخاصة إلى الآن".

ألم ورغبة في الانتحار

تتذكر هديل تلك الحادثة بكل حرقة وألم قائلة: "رؤيتي لنفسي فجأة مقعدة ولا أستطيع الحركة كبقية الناس، جعلني في حالة نفسية صعبة"، وتضيف لـ DW عربية "أزمتي النفسية باتت أسوأ بعد أن فقدت والدي بعدها بسنوات قليلة، وكان له التأثير الأكبر بحياتي". وقد ذهب والد هديل ضحية موجة العنف الطائفي التي خيمت على العراق بين عامي 2006 و2007، وعمرها كان آنذاك 13 عاماً.

ضربات القدر جعلت هديل في وضع يخيم عليه اليأس والفاقة، "أصبحت والدتي اللشخص الوحيد الوحيد المسؤول عني والمتكلفل لي، فقامت بعلاجي بالمنزل وجلست بغرفة صغيرة وضيقة جداً.. فلم أتحمل كل ذلك". وتتابع متحدثة عن حالات يأس شديد كانت تنتابها "لم يكن سهلا مقاومة كل ذلك، حيث قمت بمحاولة انتحار، حين كان عمري 14 عاماً".

تصمت هديل، ويتناهى إلى مسامعنا من الطرف الآخر لصالة التدريب أصوات زملائها وزميلاتها في الفريق يتدربون، وتتوالى ارتدادات صوت كرة تنس الطاولة (كرة الطاولة) تسقط على الأرض مبتعدة، المدرب يعطي توجيهات لأحدهم. تسترجع هديل تفاصيل ذلك اليوم الذي أرادت أن تنهي فيه حياتها "تناولت 30 حبة من دوائي، لكن والدتي أسعفتني ونقلتني إلى المستشفى بين الحياة والموت"، موضحة "بقيت في غيبوبة لمدة أسبوع وبفضل الله عدت إلى الحياة مرة أخرى لأبدأ مرحلة جديدة".

Irak Challenge of disability (Ahmed Fadel)

هديل مع فريق تنس الطاولة العراقي البارالمبيك

صعود ونجاح

ذهبت هديل بعد محاولة الانتحار إلى مستشفى مختص بالعلاج الطبيعي في بغداد، ومن هناك بدأت رحلة تعافيها وصعودها: "أحد الأطباء شجعني على ممارسة الرياضة، وافقت والدتي على الفكرة ودعمتني كثيراً، فاخترنا لعبة تنس الطاولة". وكان اختيار هذه الرياضة لا ينبع من رغبتها فيها وحبها لها، وإنما تتماشى مع الحال الذي باتت عليه هديل. وتوضح ذلك: "الجزء الوحيد الذي يمكنني تحريكه في جسدي هو رأسي وذراعيَّ، فاخترت هذه اللعبة والتجربة الأولى كانت بالتدريب في ذات المستشفى".

مع مرور الوقت ومواصلة التدريب، بدأت الرغبة في ممارسة لعبة تنس الطاولة تكبر لديها وتشعرها بالتغيير وتتطلع إلى حياة مختلفة مليئة بالتحدي والجوائز والميداليات. فالتحقت بنادي الشباب والرياضة وبأندية أخرى إلى أن استقرت في نهاية المطاف باللجنة البارالمبيك العراقية. وفي حلكة مأساتها بدأ يلوح في الأفق أمل بالتغير والتقدم والنجاح: "كان يجب أن أتغير وأحقق ما أطمح إليه، فالإعاقة لن تمنعني. يعود الفضل والتغيير كله إلى والدتي".

الانجازات الكبيرة بدأت تتحقق والطموح بألالقاب والكؤوس الكبيرة يتحول إلى واقع، وتقول هديل بحماس: "حققت العديد من الإنجازات وأطمح للمزيد لأرفع رأس بلدي ووالدي رحمه الله، حققت المراكز الثلاث الأولى من 2011 إلى الآن. وآخر مشاركاتي كانت هذه في بطولة غرب آسيا بالإمارات، حيث حصلت على المركز الثالث في البطولة".

Irak Challenge of disability (Ahmed Fadel)

هديل مع مدربها وكلها أمل بتحقيق المزيد من البطولات والجوائز

"أنا الأب والأم والمشجع لهديل"

بعبارات فيها تعب وصبر وفرح تحدثت والدة هديل، أحلام صبري، (42 عاماً) الداعم والمشجع الرئيس لها طيلة فترة حياتها: "صبرت وتعبت مع هديل كثيراً، خصوصاً بعد فقدان والدها، الذي ترك فراغاً كبيراً بحياتنا ولا أحد من الأقارب يسأل أو يعيلنا. والآن أنا الأب والأم والمشجع لهديل".

ومن داعمي ومشجعي هديل أيضاً مدربها الكابتن جاسم كاتب، مدرب منتخب شباب تنس الطاولة لمتحدي الإعاقة، الذي يقول بدوره لـ DW عربية: "تمتلك هديل قدرات ماهرة وأتوقع أنها ستحقق نتائج عالية على مستوى آسيا"، ويتابع موجها كلامه للشباب العراقي: "اتجهوا إلى متنفس الرياضة لأنها المنفذ الوحيد للخروج من حالات اليأس والظروف الصعبة".

هربت هديل من مأساتها إلى الرياضة، التي غيرت حياتها بالكامل: "التجربة التي عشتها كانت قاسية جداً. لكن بالإرادة وتشجيع الوالدة تخطيتها وأصبحت لاعبة ماهرة، وأدعو المجتمع العراقي إلى تغيير نظرته القاسية لذوي الاحتياجات الخاصة، نحن نستطيع تحقيق أشياء لا يستطيع كثيرون غيرنا تحقيقها، فالإعاقة إعاقة الجسد وليس العقل. نستطع حتى الزواج وإدارة بيت".

ويطغى الأمل على محياها فتضيف: "حلمي الآن أن أتطور أكثر وأصل إلى بطولات عالمية وأكمل دراستي التي تركتها لظروفي الصعبة. وبالنسبة لعلاجي خارج العراق، أطلب من وزارة الصحة العراقية أن تتكفل بعلاجي فربما هنالك أمل في أن أقف من جديد على قدماي". بهذه الكلمات والأمل والإصرار وتحدي الصعاب تنهي هديل حديثها، وتستدير بكرسهيا المتحرك، متجهة إلى مدربها الذي ينتظرها لإكمال حصة تدريبية استعداداً لبطولات مقبلة.

فرح عدنان- بغداد

مختارات