1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

دروس من رحيل مانديلا

نيلسون مانديلا القائد التاريخي لجنوب أفريقيا، لم يكن زعيما وشخصية أفريقية مرموقة فقط،وإنما شخصية عالمية قل نظيرها في التاريخ الحديث، حسب الكاتب عادل مراد الذي ينعي مانديلا في مقاله.

للشعوب الحية قادة مخلدون يفتخرون بهم. وقلما يولد في عالمنا قادة تتجاوز شعبيتهم وشهرتهم أطر حدود بلادهم ليصبحوا أيقونة إنسانية تعتز شعوب العالم بهم وتبقى أسماؤهم لامعة في كتب التاريخ وتشيد لهم التماثيل والنصب التذكاريه وجداريات في مداخل المدن وفي الساحات العامة والحدائق والمنتزهات وتسمى شوارع مدن العالم تيمنا بأسمائهم واحتفاء بهم وبتاريخهم المجيد. فهؤلاء القادة اكتسبوا حب شعوبهم وشعوب العالم ليس باقتداء درب شراء الولاءات بثروات شعوبهم بل إنهم سلكوا درب النضال المحفوف بالمخاطر وتعرضوا لشتى أساليب القهر لكسر شوكة عزيمتهم لكنهم ظلوا مثابرين شجعان وكما وصف مانديلا درب الانعتاق (ليس هناك درب سهل للحريّة، وعلى العديد منا سلوك وادي ظلال الموت مراراً وتكراراً قبل أن نصل إلى القمة التي نبتغيها). ومن هؤلاء القادة المشاهير اذكر البعض منهم على سبيل المثال لا الحصر:

هوشي منه في فيتنام، المهاتما غاندي في الهند، كاسترو في كوبا، جمال عبد الناصر في مصر، قاضي محمد في ايران، الإمام الخميني في ايران، ماوتسي تونغ في الصين ، جميلة بوحيرد في الجزائر، والزعيم عبد الكريم في العراق، عمر المختار في ليبيا، صلاح الدين الايوبي في كردستان وبلاد الشام، الأمير عبد القادر الجزائري، الشيخ محمود الحفيد في كردستان، مصدق في ايران، والكاهن مارتن لوثر كينغ في أمريكا، ياسر عرفات في فلسطين، الجنرال ديغول في فرنسا، غيفارا في أمريكا اللاتينية.. وآخرين تخلدوا وخلدوا شعوبهم و رفعوا رؤوس أبناء شعبهم أمام العالم.

عزيمة فولاذية لم تتأثر بالسجن

وبالأمس 5-12-2013 التحق بهذا الركب الخالد مقدام آخر .. مناضل صلب، قضى سبعة وعشرين عاما خلف قضبان العنصريين الذين احتلوا بلاده لأكثر من ثلاثة قرون و سرقوا خيرات أفريقيا من ذهب وفضة ونفط ومعادن ثمينة ليرصعوا بالذهب المنهوب التيجان الملكية في لندن وهولندا والهند واستراليا.

لم تتمكن الظروف الصعبه لسجن جزيرة روبن من التأثير على العزيمة الفولاذية لمانديلا، فظل سائرا على دربه قدما لتحقيق آمال شعبه في التحرر و الانعتاق من سياسة الفصل العنصري البغيض. وعندما مثل أمام المحكمة العنصريه عام 1964 في جنوب أفريقيا مواجها حكم الإعدام ، وقف مانديلا هادرا مدافعا عن قضية شعبه بشجاعة قائلا "لقد حاربت ضد هيمنة البيض وحاربت ضد هيمنة السود، وأثمن قيمة وجود مجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع في تناغم وفي ظل فرص متساوية.. إنها قيمة أتمنى أن أعيش من أجلها وأن أحققها، ولكن إذا ما استدعت الضرورة، فإنني مستعد للموت من أجلها".

وفي عام 1994 انتخب اول رئيس أصيل في جنوب أفريقيا. وكان قد رفع من سجنه شعار الديمقراطيه و المساواة ففرض هذا النهج على العنصريين من المحتلين لبلاده. وفي أول انتخابات ديمقراطية شارك فيها البيض والسود جنبا إلى جنب انتخب مانديلا رئيسا حقيقيا لبلاده بكافة مكوناته.

كان التعايش السلمي أحلى ثمار حياته و قد ترجم رؤياه الانسانية عندما تولى مقاليد الحكم في بلاده. مستعينا بقلبه الكبير استطاع أن ينتصر على ماضي الأحقاد ونبذ العنف، ودعا إلى المصالحة و وإشاعة روح العفو والإرتفاع على الجراح والضغائن. فاستجاب الشعب لدعوته فأصبح مانديلا أبا لأفريقيا الجنوبيه الحديثة. ولم يبق في المنصب سوى فترة رئاسية واحدة ثم اعتزل العمل السياسي إلى حد كبير منذ 2004 لحين رحيله يوم 5-12-2013.

أصبح مانديلا رمزا للصلابة ووضوح الرؤية وأيقونة للتحرر الوطني الديمقراطي و ملهما للمقاومة والاقدام والنزاهة والتواضع في العالم. عاش ومات في بيته المتواضع في جوهانسبرغ عفيفا بلا حسابات في بنوك بلاده أو بنوك العالم. نال جائزة نوبل للسلام عام 1993.

حلم كردستان

كان الفقيد مناصرا لقضايا الشعوب التواقة للحرية وعلى رأسهم قضية الشعب الفلسطيني المجاهد فكان مثالا ثوريا يقتدى به. وقبل أشهر من وفاته 30-6-2013 اصطحب الرئيس الأمريكي، اوباما لزيارة السجن الذي قضى بين أسواره خيرة أيام شبابه.

إنني احلم ومن حقي أن احلم بأن ينتصر شعبي الكردي. احلم بكردستان حرة ومتحررة من الفاسدين والمفسدين، كردستان ديمقراطي يتنعم مواطنونا بالأمن والرفاهية دون خوف. احلم بالقادة الذين يشاركون شعبهم في آلامهم لا الذين ينعمون في قصور خرافية في أعالي الجبال وجلاوزتهم ينهبون خيرات الوطن و الأجيال القادمة ما فوق الأرض وما في باطنها من نفط وغاز ومعادن. احلم بأن يكون لي قائدا مثل مانديلا لأرفع صورته على صدري. احلم بأن يخرج صديقي عبد الله اوجلان من سجنه طليقا ليكمل مسيرة السلام. واحلم أن يطلق سراح كافة المناضلين من سجون الطغاة. احلم أن يطلق سراح السيد مروان البرغوثي من سجون اسرائيل ليصبح أول رئيس لجمهورية فلسطين الديمقراطية.

إن تواضع مانديلا وعفته عن المطامح الدنيوية وتعاطفه مع الفقراء والمقموعين أكسبه حب العالم له. وساعة رحيله إلى مثواه الأخير خاطب الرئيس الحالي جاكوب زوما شعبه قائلا "رغم إننا كنا نعلم بأن هذا اليوم سيأتي فان شيئا لا يستطيع ان يخفف الاحساس بالخسارة العميقة"

ومن جانب آخر قال السيد فريدريك دي كليرك آخر رئيس جمهورية ابيض للنظام العنصري في جنوب افريقيا في مقابلة معCNN يوم وفاة مانديلا "إن اكبر انجازات مانديلا كان توحيد جنوب أفريقيا وبث روح المصالحة بين السود والبيض في عهد ما بعد سياسات التمييز العنصري".

ابعث من كردستان باقة زهور إلى أفريقيا الجنوبية المكسوة بالسواد لرحيل النمر الإفريقي الأسود والزعيم الذي قل نظيره في العالم، ليضعها الأحبة على قبره المنور. وأقف بخشوع أمام عظمة الصرح الشامخ للفقيد الغالي نيلسون مانديلا.

عادل مراد: كاتب عراقي