1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

حرّيّتنا... مشوهة كتمثالنا!!

سهيل أحمد بهجت

في الولايات المتحدة الأمريكية و في مدينة نيويورك تحديدا، ينتصب تمثال الحرية المشهور و الذي صممه (فريدريك بارتولدي) و أهدي من قبل الجمهورية الفرنسية إلى الولايات المتحدة في عام 1886 في الذكرى المئوية الأولى لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية و الذي يبلغ ارتفاعه 46 مترا و وزنه يبلغ 125 طن، و لست هنا بصدد الدخول في تفاصيل تاريخ تصميم و وضع هذا التمثال الذي يرمز إلى الحرية، و لكني أود أن أقارنه بالأعمال الفنية العراقية، و عذرا إن أسميتها بالبائسة مقارنة بصروح عظيمة بنتها شعوب و أمم، فهي و إن كانت تحمل ذات القضية و تثير فينا فكرة الحرية على الدوام، لكنها تعكس تماما الحرية التي نعيشها .

لدينا في بغداد ـ و هي المدينة التي زرتها صغيرا جدا فلم أعد أذكر شيئا عنها ـ تمثالان للحرية، الأول و هو جدارية الفنان المرحوم جواد سليم و الثاني تمثال الحرية في ساحة الفردوس الذي حل محل تمثال الطاغية المجرم صدام و حقيقة لا أعرف من هو مصممه، و ما أثار انتباهي هنا هو أن كلا العملين الفنيين، خصوصا التمثال القائم في ساحة الفردوس، لا يعكسان في نفس الناظر أي تأثير نفسي أو عاطفي حقيقي، فالجدارية هي أشبه بالقصة و هي تحتاج إلى الشرح و كأنه كتاب مستغلق عصي على الفهم، أما تمثال (حريتنا) في ساحة الفردوس فهو انعكاس دقيق مشوه لمفهوم الحرية عندنا و قد وصفه أحد أصدقائي قائلا بتهكم: (إنه يبدو لي أشبه بغريندايزر مصابا بعبوة ناسفة من صنع محلي).

الحرية عندنا لا تجرؤ على التعبير عن نفسها إلا و الخوف معها، إنه أشبه بتمثال صنع محاطا بفتاوى تحريم "التصوير" و من صور إنسانا فقد إدعى القدرة على الخلق!! يبدو لي تمثالا ممسوخا فلا تدري ما هو، إنه ليس كتمثال شهرزاد التي تحكي قصص ألف ليلة و ليلة لشهريار، أو تمثال الخادمة في قصة علي بابا و الأربعين حرامي، فهذه التماثيل تبدو لي أكثر جمالا و واقعية، لكن تماثيل و جداريات الحرية تعكس، فيما يبدو لي، أفكارنا المشوشة والمشوهة عن الحرية التي نريدها و لا نملك فكرة واضحة عنها .

كلنا يتغنى بالحرية، و حتى البعث القاتل المجرم كان يتغنى بها و يضعها في قمة شعاراته، و لكن لأن الشعب لم يعِ و لا زال لا يعي الحرية كمفهوم و الفارق بين حرية الشعب و حرية الفرد لم يتضح للعراقيين إلى الآن، الافتقار إلى المفهوم هو الذي يجعل الشعب يندفع نحو الحرية بكل عاطفة و لكن ما أن نحاول كمجتمع إرساء مفاهيم الحرية و الديمقراطية حتى يبدأ التذويق و التصنيف إلى مقبول و غير المقبول تارة بحجج دينية أو بحجة أن المجتمع العراقي "متدين محافظ" أو أنه "عشائري قبلي" و "هويتنا الخاصة" و "الخوف على الأخلاق"!! و ما إلى ذلك من أعذار تنتهي بنا إلى نشويه الحرية و إعادة المجتمع إلى الخلف .

تماثيلنا بسيطة و فقيرة و تفتقر إلى الضخامة التي تخلق ذلك التأثير العميق في النفس بأن هذا التمثال يعكس بعظمته و ضخامته مدى تقدير العراقيين للحرية و إيمانهم بها، لكن حينما ننظر إلى تماثيلنا و منحوتاتنا نجدها توحي للناظر بأن للحرية أهمية تساوي في نظر العراقي أهمية الخبز و الباذنجان و الكهرباء و غيرها من الأشياء التي نحتاجها في حياتنا البائسة، فهل حرية كهذه تستحق منا أن نضحي من أجلها؟ بمعنى آخر سيبدو عملنا هذا مضحكا، أن يضحي بنفسه في سبيل الباذنجان و رغيف الخبز .

إن الحرية هي التي صنعت الأمم المرفهة و الناجحة و الغنية و المتطورة و الملتزمة بالقانون، لا يوجد في التاريخ شعب كان غنيا و مرفها أنتج الحرية، فالحرية كانت على الدوام هي الدافع الأساس في الثورة الفرنسية و الأمريكية و حتى في الثورة الهندية السلمية بقيادة المهاتما غاندي، و نحن نشهد نهوض الهندكدولة عظمى، بينما ثورة العشرين التي نتغنى بها إلى اليوم أنتجت لنا نظاما برلمانيا ضعيفا و حرية مشوهة انتهت بسقوط الديمقراطية البرلمانية بفعل القوميين و البعثيين و الماركسيين في انقلاب 1958 الدموي الذي جاء بجمهورية دكتاتورية، أجهزت على ما كان في الدولة العراقية من حسنات. و إذا كنا نريد أن نرسخ الحرية فعليا في حياتنا الاجتماعية، فعلينا قبل كل شيء أن نعود أنفسنا على أخلاق قد تبدو غريبة عنا لأول وهلة، فدول العالم المتحضر تعلمت أن يحترم كل فرد من أفرادها حرية الآخرين، في تركيا مثلا، و هو بلد مسلم، يمارس كل فرد حريته بدون أي تدخل من أي أحد، حرية شرطها الوحيد هو أن لا يؤذي صاحبها الآخرين بشكل مباشر، أما نحن، فمن أسهل الأمور لدينا أن نتدخل بشؤون الآخرين بحجة "الحفاظ على الأخلاق" و "الهوس الديني"، أو نشجب رأيا من الآراء بحجة "أنه كفر و زندقة"، و العقبة الحقيقية أمام الحرية الآن هو "طبقة رجال الدين" و "النظام القبلي العشائري"، و حينما نتخلص كعراقيين من هاتين العقبتين و من هيمنتهما الشاملة، ستكون الحرية متاحة لنا .

Website: www.sohel-writer.i8.com

Email: sohel_writer72@yahoo.com