1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

سياسة واقتصاد

تونس: الجمود سيد الموقف بعد ثلاثة أعوام من الثورة

كانت البطالة من أهم أسباب اندلاع الثورة في تونس. وكان الأمل يحدو الكثيرين في تحسن أوضاعهم المعيشية، لكن الجمود السياسي أغرقت الاقتصاد في أزمة خانقة، فهل فشل الإسلاميون في إدارة الفترة الانتقالية أم أن إرث بن علي ثقيل؟

ثلاث سنوات مرت على وفاة مفجر الثورة التونسية، محمد البوعزيزي بائع الخضر المتجول الذي ضاق ذرعا من وضعه الاقتصادي المتردي ومن تجاهل السلطة لمشاكله ولسياساتها التعسفية المرتكزة على إخماد كل صوت لا يروق لها، فأضرم النار في جسده ومعه أشعل فتيل الثورات العربية. ثلاث سنوات مرت على خروج عشرات الآلاف من المحتجين، بداية على البطالة وأوضاعهم المزرية وعلى تفشي الفساد في البلاد، قبل أن يلتحق بهم الكثير من التونسيين لتتحول مطالبهم من "الشغل استحقاق يا عصابة السُرّاق!" (لصوص) إلى "خبز وماء وبن علي لا!" وإسقاط نظام ديكتاتوري استمر 23 عاما كرس فيه الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي سيطرة عائلته وأصهاره على اقتصاد البلاد.

ثلاث سنوات وتونس لا تزال تعيش مخاضا سياسيا عسيرا، حيث تعاقبت عليها الحكومات الانتقالية ونظمت فيها الانتخابات لفترة تأسيسية انتقالية لكتابة دستور جديد وتمهيد الانتقال الديمقراطي للبلاد، ولكن لا دستور انتهى إعداده ولا خارطة طريق وُضعت لتنقل البلاد من مرحلة طغت عليها الأزمات السياسية إلى مرحلة أخرى.

تونس - مستقبل غامض

Riadh Sidaoui Politikwissenschaftler Tunesien Schweiz

الخبير التونسي السويسري رياض الصيداوي

"تونس تعيش في المجهول السياسي"، هكذا يصف الخبير الدولي في الشؤون السياسية والاجتماعية رياض الصيداوي الوضع في مهد "الربيع العربي". ويوضح رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف في حديث مع DW عربية أسباب هذا الغموض الذي يكتنف مستقبل البلاد "السبب العميق للأزمة السياسية في تونس هو عدم احترام المواعيد الانتخابية، فإلى حد الآن لم تنجز لا انتخابات برلمانية ولا انتخابات رئاسية. ولا نعرف حتى متى ستنظم هذه الانتخابات، في حين كان المطلوب أن تنظم هذه الانتخابات في 23 من أكتوبر/ تشرين الأول عام 2012. وقد وقعت جميع الأحزاب على وثيقة بهذا الصدد."

لكن بدلا من ذلك اشتدت حدة الأزمة السياسية في البلاد في ظل انعدام الثقة بين الحكومة الإسلامية والمعارضة العلمانية بلغت ذروتها باغتيال المعارض البارز شكري بلعيد في فبراير/ شباط الماضي وأدت إلى استقالة محمد الجبالي من رئاسة الحكومة وتكليف وزير داخليته آنذاك علي العريض تشكيل حكومة مستقلة. لكن سرعان ما عادت الأصوات تنادي باستقالة كل الأحزاب من الحكومة وتكليف حكومة غير حزبية ومستقلة تتولى قيادة البلاد إلى انتخابات عقب الاغتيال السياسي الثاني الذي طال المعارض محمد البراهمي في يوليو/ تموز الماضي. ورغم أن الحوار الوطني الذي انطلق بعد هذه الحادثة للاتفاق على شخصية ترأس الحكومة المستقلة قد أفضى إلى اختيار مهدي جمعة، وزير الصناعة في حكومة العريض، إلا أن أهم أحزاب المعارضة اعتبرته محسوبا على حركة النهضة ورفضت التصويت عليه.

غلاء المعيشة وارتفاع نسب البطالة

وقد ألقت هذه الأزمات السياسية المتلاحقة بظلالها على الاقتصاد التونسي. "الوضع الاقتصادي كارثي على جميع المستويات: بالنسبة للأسعار تضاعفت واستفحلت والطبقة المتوسطة تم إفقارها. كما ارتفاع أسعار الوقود قد أثقل كاهل المواطن"، يقول الصيداوي. ويضيف الخبير الذي يتنقل بين تونس وسويسرا:"أنا عندما أذهب للتسوق في الأسواق العادية أجد أن أسعار بعض المواد الغذائية أكثر ارتفاعا لنفس المنتجات هنا في جنيف. الأسعار تضاعفت بينما الأجور بقيت على ما هي عليه. كما تراجعت قيمة الدينار التونسي أمام العملات الأجنبية."

وقد أعلن البنك الدولي في آخر تقرير له حول الآفاق الاقتصادية في تونس خلال سنة 2014 أن هذه الآفاق "يشوبها عدم يقين" وأنها "مرتبطة شديد الارتباط بجملة من المخاطر المحلية وبحالة عدم الاستقرار السياسي" في البلاد. كما حذر مدير صندوق النقد الدولي لمنطقة الشرق الاوسط وآسيا الوسطى مسعود أحمد في نوفمبر/ تشرين الثاني من أن نسب النمو الاقتصادي في تونس "ضعيفة جدا ولا يمكنها تلبية تطلعات السكان الذين ينفذ صبرهم بشكل متزايد".

Beerdigung Mohamed Brahmi Tunis Tunesien

شكل اغتيال اثنين من أبرز المعارضين في تونس وهما شكري بلعيد ومحمد البراهمي انتكاسة في المسار الديمقراطي في تونس وألقت بالبلاد في أزمة...

وبالإضافة إلى غلاء المعيشة، فإن نسبة البطالة خاصة في صفوف حاملي الشهادات الجامعية لا تزال مرتفعة جدا. وفي سياق متصل يقول رضا قويعة، خبير اقتصادي وبروفسور في كلية الاقتصاد في تونس، في حديث مع DW عربية "ارتفاع نسبة البطالة في تونس وخاصة في صفوف الشباب لا تزال تشكل مشكلة عويصة وتحد كبير للبلاد". يذكر أن ارتفاع معدلات البطالة كانت من الأسباب الرئيسية للإطاحة بنظام بن علي مطلع عام 2011. ووفقا لتقديرات الخبير الاقتصادي التونسي، فإن نسب البطالة تتجاوز 45 بالمائة في بعض المناطق الداخلية، على غرار قفصة والقصرين وسيدي بوزيد، التي انطلقت منها شعلة الثورة في تونس.

أسباب الفشل؟

ويرى البروفسور رضا قويعة أن فشل حكومة الإسلاميين في حل هذا المشكل يعود إلى "ثقل الإرث الذي تركه بن علي". ويوضح أن نسبة البطالة المرتفعة وانعدام التوازن بين الجهات التونسية في التنمية وتهميش فئات اجتماعية واسعة هي مشاكل لا يمكن حلها في فترة وجيزة وأنها تتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا. ويرى أن في "كل الدول التي شهدت ثورات وفترات انتقالية مماثلة لما تعيشه تونس، فإن الثورة لها انعكاسات سلبية على الاقتصاد"، متسائلا في الوقت نفسه "هل كان بإمكان حكومة أخرى حل هذه المشاكل، لست أدري؟".

من جهته، يرى رياض الصيداوي أن الإسلاميين فشلوا في تونس في حل القضايا الاقتصادية الملحة. "الثورة التونسية رفعت شعار الشغل، حرية وكرامة وطنية. لم يتحقق الشغل. حركة النهضة قالت إنها ستوفر 450 ألف فرصة عمل جديدة عام 2012، ولم توفر شيئا. لا بالعكس شركات أقفلت أبوابها وأخرى أفلست وشركات أجنبية هربت أصلا من تونس. البطالة تفاقمت، الحياة الاجتماعية توترت، الفقر تكاثر، والدليل على ذلك هذه الهجرات غير الشرعية إلى أوروبا والشباب التونسي يبحث عن أي فرصة خارج البلاد.

Tunesien Unruhen Sidi Bouzid

لا يزال الكثيرون في تونس يشكون تردي أوضاعهم الاقتصادية...

في الواقع، فإن تونس تواجه في الفترة الأخيرة مشاكل أمنية بسبب اشتداد شوكة السلفيين الجهاديين التي تتهم بقتل بلعيد والبراهمي وعناصر في الجيش والشرطة مع انتشار الأسلحة المهربة من الجارة ليبيا. وقد شددت "مجموعة الأزمات الدولية" في تقرير بعنوان "الحدود التونسية: الجهاد والتهريب" نشرته في 10 كانون الأول/ديسمبر الحالي على ضرورة أن يتلازم مسار البحث عن توافق سياسي لحل الأزمة الحالية مع البحث عن إجابات لحالة عدم الأمن خاصة على الحدود مع ليبيا التي تشهد فوضى اللسلاح وأعمال عنف دامية قادتها ميليشيات خارجة عن سيطرة الدولة. وقد أدى تدهور الوضع الأمني إلى تراجع القطاع السياحي، احد أهم القطاعات الاقتصادية في تونس، بنسبة 65 بالمائة من رقم المعاملات التي يحققها القطاع مقارنة بالعام الماضي.

ويتفق كل من الصيداوي وقويعة على أن الاستقرار السياسي ضرورة لمجابهة المخاطر الأمنية وخلق مناخ يشجع على استقطاب وعودة الاستثمارات الأجنبية وإنعاش القطاع السياحي وبالتالي إخراج الاقتصاد التونسي من الأزمة الخانقة التي يعاني منها. ويحذر الخبير السياسي والاجتماعي من أنه في حال لم يتم احتواء الأزمات المتعاقبة على البلاد، فإن الوضع قد ينفجر مرة أخرى.