1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

توظيف الثقافة أم وظيفة الثقافة

يناقش علي الإبراهيمي واقع الثقافة العراقية في ضوء نية العراق لعرض بغداد عاصمة للثقافة العربية متوخيا ان يعرض الحقائق المرة قبل قدوم المثقفين إلى العاصمة .

الثقافة - بنظري - هي الموسوعية المنتجة ، بمعنى أن الإنسان يكون محيطا بما حوله ، ومطلعا على واقعه وواقع الآخرين ، بنحو المعرفة والوعي ، ويسخر هذه المعرفة الواعية في تحريك الواقع باتجاه الأفضل .

لذلك لا أجد معنى لثقافة النوادي والمقاهي و ( الحانات ) ، اذا لم تكن موجودة على الأرض ، يلمس المجتمع تأثيراتها .

نجد بعض من يرتدي القميص الفارغ للثقافة يحصرها في مقهى وكوب من الشاي ، فيما نرى الجيل الشاب يرى الثقافة هي ان يعيش بشخصية ليست له ، ويرتدي ( الكاسكيتة ) ، او يلف ( اليشماغ ) حول رقبته . بالإضافة لمجموعة من السلوكيات التي يعرفها أبناء الوسط الثقافي ، اتركها لصعوبة نقلها للقارئ ، وهي متممة اليوم للثقافة الشكلية السائدة .

وأحيانا نجد مجموعة من المثقفين النهمين للقراءة والكتابة ، لكنهم يعيشون واقعا من الجهل العملي ، بمعنى أنهم يكتبون عن الحرية فيما هم أخس أنواع العبيد .

اعرف شخصيا أحد المتصدين في المشهد الثقافي ، هو في ذات الوقت مسؤول عن أحد الأقسام القانونية المهمة لأحد الشركات الكبرى ، يعاني العاملون معه وزملاءه من قيود الاستغلال وسرقة الحقوق ، ومعالجة هذه المشكلة يعتمد على جهود هذا ( المثقف ) ، لكنه يعيش واقع ( حشرا مع الناس عيد ) ، ويساير التيار الاستغلالي - رغم ضعف هذا التيار - ، وينشغل بالخدر الثقافي .

"مثقفون لصوص"

وفي أحيان كثيرة نرى نوعا آخر من المثقفين - اصطلاحا - ، لكن حقيقة وجودهم ووظيفتهم لا تتعدى ( اللصوصية ) ، فهم يشكلون مجموعة (مافيات ) ذات نفوذ واسع ، سلاحها المال والإعلام ، ولغتها الضرب تحت الحزام ، تعيش على سرقة جهود الآخرين ، وتستمر في الوجود عن طريق قتل الناجحين ، وتغطي جرائمها بتصفيق ثقافي بعد كل جريمة وكتاب شكر ، فيما توزع أدوار المديح للذات بين أعضائها او عبيدها ، ويساير تحركها بعض المتملقين او الخائفين .

وقد يشاهد بعضنا مثقفين همهم لا يتعدى ( الكأس ) ونظرة للوجه الحسن، أما إذا رأى قواما حسنا فسينتج مشهدا ثقافيا بامتياز .

اما الحركة الثقافية النسائية فتعاني وحدها تعقيدات ، أجد من الصعب والمحزن الحديث فيها ، وكيف يتم التعامل مع النصوص والنتاجات النسائية ، وكذلك الطريق الذين تسلكه بعض المدعيات للانتماء الثقافي ، لذلك اترك الخوض فيها ، احتراما للكثير من مثقفات هذا البلد المعطاءات ، والبعيدات عن اللعب بالأوراق الثقافية .

ولعل البعض يستغرب ما اطرح هنا ، او يسيئه ذلك ، فأقول ما عليه إلا أن يفتح ملفات التحقيق في الجهود الأدبية والثقافية المسروقة ، والشخصيات الثقافية الحقيقية الإبداع والمغيبة عن المشهد الإعلامي الثقافي ، وكذلك مجموعة الأسماء التي نالت جوائز عالمية أو عربية ، فيما نالت الإهمال وطنيا ومحليا .

يرافق هذه الصور مشهدان آخران ، أكثر خزيا ، واسوا وقعا ، يتمثل الأول في مرض ( انفصام الشخصية الثقافية ) ، حيث يعيش الكثير جدا من مثقفينا - الاصطلاحيين - تحت وطأة التأثير الثقافي الأجنبي ، وغياب الشخصية الوطنية ، وربما معاداة النموذج الوطني للثقافة . فنرى بعض الشباب - بالإضافة لبعض رواد جيل السفر - يظن ان الثقافة هي التخلي عن الهوية واللغة والجذور ، وهنا نراهم يتحدثون بغير لغتهم وبغير وعيهم ، ويفتقدون للمعرف الثقافي ، وصاروا لا يعرفون من هم ، فكيف سيعرفهم الآخرون ؟

"رؤية ثقافية في ليلة حمراء وكأس وعود"

اما المشهد الآخر يختزل رؤيته الثقافية في ليلة حمراء وكأس وعود ، ليفقد الوعي عند وصوله لوقت الفجر الثقافي ، فيصل الى منزله مجهدا ، لينام ، ويستيقظ في نهار اليوم التالي ، وبعد جهد يستعيد وعيه للطعام ، ليكرر المشهد ليلا .

وبالطبع فان جميع هؤلاء قتلة محترفون للواقع الاجتماعي ، ومدمرون للهوية الثقافية العراقية ، ورأيي الشخصي ان يتم حجزهم إداريا ، حتى ينتهي مهرجان بغداد عاصمة للثقافة العربية .

ولكن في المقابل هناك طيف واسع جدا من ألمع وأنبل المثقفين على أرض العراق ، رفدوا ويرفدون المشهد الثقافي العربي بالإبداعات تلو الإبداعات ، بل ان بعض مثقفينا أصبح يشكل أصلا من أصول الثقافة العربية ، فيما صار آخرون ركيزة في الأدب والفكر عالميا .

ان السلبيات أعلاه لا تشكل حاجزا أمام حقيقة ان الثقافة في العراق هي الأكثر عمقا على الساحة العربية ، لان المشهد العربي أكثر قتامة ، واسوا عطاء . كما أن الشكل ظل هو المسيطر بدل المضمون عربيا .

إن العقل الجدلي العراقي منتج ، لكنه تعرض لتأثير عوامل تعدد الثقافات والأهداف والرؤى ، كما تأثر بخطط مراكز المال والأعمال ، ولعبت السياسة دورها في توريطه . لكنه ظل فاعلا ، ولا يحتاج إلا إلى الاحترام والواقعية والإنصاف .

وحقيقة وجود الواقع السيء لا تعني ان هذا الواقع غير مشخص ، والأكيد اننا جميعا ندرك من هو المثقف المنتج ، ومن هو المثقف الصوري .

الثقافة للثقافة مصطلح لا أستسيغه، واراه تعبيرا لغويا لحالة عبثية.

فالمثقف هو ذلك الإنسان المنتج اجتماعيا، والذي يشعر انه ساهم بتقدم المجتمع عمليا . ولعل إنسانا ريفيا لا يقرأ ولا يكتب هو اكثر ثقافة من اكبر الأسماء على الساحة الإعلامية الثقافية ، لان الأول يعيش حالة من الحكمة الإنتاجية في مجتمعه ، بينما يعيش الثاني حالة من الخدر ، وينام على فراش الترف الفكري .