1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

بغداد تختنق

يرى عبد المنعم الاعسم أن الحالة في بغداد تختلف، في وضعها الامني وحياة سكانها وردود افعالهم،عن المدن العراقية الاخرى، وقد تختلف، في هذا، عن عواصم العالم، وقل على سبيل الدقة في المقارنة عن عواصم دول المنطقة.

تجد هذا الاختلاف واضحا، هذه الايام، عندما تصل المدينة قادما من عمان او دبي او استانبول او طهران، وترصده في اضطراب البغدادي وتوتره البائنان على وجهه الذي غابت عنه الابتسامة وامارات الاسترخاء وحل محلهما قلقا يفيض بوافر من عبارات اليأس والاستسلام والخوف. هنا لن تجهد كثيرا في اكتشاف كل هذه الإرهاصات التعبيرية حين تتمعن في وجه امرأة عراقية تجر طفلا، او موظفة تركت اطفالها في المنزل، او عابرة سبيل تسعى الى شغل ما، فثمة صرامة منحوتة من غليان مكبوت، وثمة نظرات لا تخفي ذعرها من الصدف القاتلة التي تتخفى في كل زاوية ووراء كل حركة، وانت نفسك قد تكون بالنسبة لهن تلك الحركة الجهنمية، ولا تجرب ان تنكش امرأة من موضع شكواها ومخاوفها، فانك ستشعر بحموضة هذا الذي يحدث لحياة ما يزيد على خمسة ملايين من البشر في بغداد.

علينا ان نعاين هذا المشهد المضغوط بعوامل السياسة والصراعات بين اركانها ولاعبيها من زاوية الاثر الذي تتركه سلسلة تفجيرات اجرامية ادت الى مذابح جماعية لحشود من المدنيين تطايرت رؤوسهم واياديهم ولحومهم، وفي شهر رمضان الذي يُستقبل عادة بالحبور والتفاؤل، إذ انكفأ المشهد الى سيمفونية فاجعة من العويل والامهات اللواتي يوارين التراب على رؤوسهن، منقولة من على الشاشات الملونة.

على هذا الصفيح الساخن تجري عملية قهرية فظيعة لافراغ حياة الناس في بغداد من المعنى، وتفريقهم الى مجموعات ترتاب حيال بعضها وقد افتقدت لغة التفاهم مع، بل وافتقدت الثقة في امكانيتها على تغيير مسار الكارثة ولجم عربدة الموت في الشوارع، ويعتبر السؤال في هذه اللحظات "لماذا لا يتمرد الناس على اقدارهم؟" نوعا من الرقص الردئ على المسرح، او التعالي على الجروح والمكابدات، أو مناشدة باردة وافتراضية نحو فعل يحتاج الى ارادة مجتمعية مستوفزة ومتكافلة، فيما تمزقت هذه الارادة على يد الجماعة السياسية المتصارعة بشراسة على السلطة، اولا، وعلى يد الجماعات الارهابية الاجرامية التي خصّت اتباع طائفة واحدة بالمذابح الجماعية.

في حافلات النقل المختلفة تتشابك، في الغالب، خطوط المعاناة، وتنفجر عند كل سيطرة من السيطرات الامنية، حيث تقضي الاوامر بحشر المواطن في جحيم الانتظار والمرور عبر فاحص آلي يستفز هو الآخر مشاعرهم فرط ما سمعوه عن عطل هذا الجهاز وعدم قدرته على الكشف عن السيارات المفخخة والعبوات والانتحاريين القتلة. اما افراد تلك السيطرات فانهم يتحاشون النظر في الوجوه المكلومة، وهم انفسهم يتضورون تحت شمس حارقة ويجهلون ما اذا هذا العناء ينفع في اكتشاف مدسوسات التفجيرات.

قاع بغداد.. عالم روائي مخيف.

**********

نشر المقال في جريدة (الاتحاد) بغداد ويعاد نشره على موقعنا بالاتفاق مع الكاتب

مواضيع ذات صلة