1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

اللباس.. قضية مقدسة

د عائشة زمام

خسرت الصحافية لبنى أحمد حسين السودانية قضيتها المقدسة في الدفاع عن سروالها الذي تحول إلى رمز مقدس لحريتها الشخصية و حرية بني جنسها، لكن لبنى تبدو واثقة من انتصارها بدليل أنها قبلت الجلد و السجن بدل دفع غرامة مالية كان من الممكن أن تنقذ جسدها المتواعد بالسروال، و هذا القبول يعني أن لبنى تثق جدا في أن أنصار السروال بالعالم ليسوا قلة، بل هم قوة و لن يتخلوا عنها لتتوج بطولتها بالنصر الأكيد. خاصة و أن محاميها صرح للصحافة أن لبنى تنوي رفع القضية إلى المحكمة الدستورية، و هي أعلى هيئة قضائية في البلاد بهدف إلغاء القانون الذي ينص على عقوبة الجلد للنساء. لقد باتت القضية مصيرية إذن أكبر من قضية دارفور التي سرقت منها لبنى الأضواء.

و للإشارة فقد كان أنصار السروال قد تحركوا قبل عشر سنوات أو أكثر بالخليج العربي قبل السودان عندما دعوا إلى حرية المرأة في ممارسة حياتها و حقها في حريتها الشخصية بل دعوا أيضا إلى ضرورة تغيير قانون الأسرة و التربية و الإعلام و ذلك عبر مشروع أمريكي سمي باسم المشروع الاجتماعي الذي رصدت له أقل من عشرين مليار دولار ، و علق البعض على المشروع أن تمويله ضعيف و سكتوا عن السم الذي يحتويه.

لكن الكاتب الأمريكي غاري نيلر صاحب كتاب ( لعنة 1920) هاجم المشروع كما هاجم المنظمات الحقوقية التي تدعو في بلاده إلى زيادة دور المرأة السعودية لتشارك في جميع المجالات، ووصف هذا المشروع أنه سيسقط آخر الرجال الواقفين في العالم، مستدلا بأولائك الذين انهاروا في بلده بعدما شرع القانون للمرأة حقوقا جعلت الأولاد بلا نسب و الأسرة بلا طوق نجاة و الرجل بلا صك تأمين على مخاطر حريات الزوجة المصون، و علق الكاتب الأمريكي أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تجن من مشاركة المرأة إلا ضياعا للقيم الأخلاقية و الاجتماعية مبينا بالأرقام أن نسبة الطلاق في بلده قفزت إلى 53 بالمئة و أن عدد حالات الاجهاض يوميا وصلت إلى 3500 حالة.

و رغم اعتذار الكاتب الأمريكي للسعوديين عن هذا المشروع الذي يدين من هم أصلح حالا من الأمريكيين أنفسهم، إلا أن هذا لا ينفي أن المشروع مهيأ منذ القدم لاستثماره في أرض العرب، فقد كانت نواة هذا المخطط غرست في العالم الإسلامي قبل قرون، منذ أن وطأ نابليون بلاد العرب جالبا معه مدافع و مطبعة و مقصا كبيرا لتفصيل لباس النساء المستورات، إذ اجتز مقص الحضارة النابوليونية من أكوام الفساتين و من طولها لتسهيل حركة الجنس اللطيف، و اليوم طال المقص ما يستر العورة من فوق السرة و من تحتها، أما مقص الهوية فقد صال و جال و (أبدع) مسخا يسميه البعض تحضرا و يتعوذ آخرون من شره.

و الغريب هذه الأيام أن قضية لبنى مع سروالها تجري مشابهاتها في باريس لكن بتفاصيل مختلفة قليلا، إذ أن قضية اللباس هناك باتت هاجسا رئاسيا و نيابيا بامتياز، استدعى تدخل البرلمان و نوابه بل و حتى الرئيس ساركوزي شخصيا في إطار حملة ضد نقاب المحجبات. فبعد الانتهاء من الجزء الأول من مسلسل محاربة الحجاب تتواتر حلقات محاربة النقاب من خلال تشكيل لجنة تقصي معلومات حول النقاب مؤلفة من 60 نائبا من اليمين و اليسار الفرنسيين، في حين أعلنت وزارة الداخلية أن عددهم في كل فرنسا لا يزيد عن 367 امرأة. و رغم هذه التطمينات بقلة عدد المنقبات الذي لم يتطور إلى وباء، إلا أن ساركوزي أعلن أن النقاب غير مرحب به في بلد موليير لأنه علامة استعباد المرأة و خضوعها.

و لئن كانت الأجهزة الحكومية الفرنسية بثقلها قد جُندت لقضية النقاب مع توحيد الموقف للقضاء على أثره لأنه غير مرغوب به في فرنسا فقد أوردت مصادر إعلامية أن النقاب و الحجاب باتا صناعة فرنسية رائجة تدر أموالا طائلة لا سيما و أن هذا المنتوج يسوق بشكل خاص للسيدات بالخليج العربي، معنى هذا أن ساركوزي و طاقمه يشجعون انتاج الحجاب و النقاب شرط ألا يلبسان في بلدهم، باعتبار أن المنتوج صالح للتسويق لا للاستهلاك المحلي، لكن ماذا سيرد ساركوزي و نواب برلمانه على سيدات فرنسيات أبََا عن جدٌ لا تقبلن عن النقاب و الحجاب بديلا، فهل سيطردون من وطنهن أم ستجبرن على الخضوع لقانون أو حكم قضائي؟

إحداهن اختارت لنفسها اسم ثريا قالت أن فرنسا التي سنت شعار الحرية و العدالة لا يمكنها أن تتناقض مع شعاراتها و قوانينها، مؤكدة أنها غطت وجهها تفاديا لأذى الشباب في الشارع و أنها لا تقبل بأن تحارب في حريتها. لكن حلمها يبدو ضعيف التحقيق ذلك ان لجنة من 32 نائبا تعكف على إعداد تقرير سيرفع للحكومة لإصدار قانون يمنع النقاب على غرار قانون 2004 الذي نص على حظر ارتداء الرموز الدينية.

و في الوقت الذي تحضر فيه الحكومة الفرنسية سن قانونها لمنع النقاب تدعو المنظمة العالمية للصحة إلى تعميم وضع النقاب تفاديا لمرض افلوانزا الخنازير الذي بات يهدد أكثر من أي وقت مضى و العالم على مشارف فصل الخريف، لتتحول بذلك القطعة القماشية التي تنغص صفو الإليزي إلى وصفة عامة يضعها الأقوام على اختلاف دينهم و جنسياتهم وقاية لهم من مرض بات يقتل بلا هوادة متحديا الأدوية و جهود العلماء، و من ثمة تحول المحظور إلى إرشاد تدعو إليه وزارات الصحة في كل مكان ليتحول القناع إلى موضة عامة و لا ندري قد يحل وقت يعزل فيه الشخص غير المنقب عفوا ..غير المقنع لأنه مصدر عدوى وبائية.

و بهت الذي كفر....

اللباس إذن تحول لقضية مصيرية، و صار المرء لا يحاسب على أفعاله بل على ثيابه ، قل لي ماذا تلبس اأقول لك من أنت، إنها مبتكرات الديمقراطية العادلة التي صادرت حق المرء في ستر نفسه. حدث مؤخرا أن زرت مقرا إداريا بألمانيا علقت بأحد جدرانه جدارية كبيرة جدا لأحد شوارع مدينة ألمانية تعود للقرن ما قبل الماضي، كانت الصورة تجسد حركة عادية في حي عام حيوي يتحرك فيه الرجال ببذلاتهم ذات المعاطف المذيلة و قبعاتهم على رؤوسهم أما السيدات فكانت تلبسن ثيابا محتشمة جدا تغطي كل الجسد و قد و ضعت بعضهن قبعات لتغطي شعورهن، و لأنني وقفت طويلا أما الصورة العملاقة سألتني سيدة ألمانية عما أثارني فأجبت سيدتي إن تقاليدكم القديمة في فن اللباس لا تختلف عنا، كلانا كان يصمم أزياءه بما يجمل و يؤنق و يستر أيضا، فابتسمت و راحت هي الأخرى تتأمل اللوحة.

عائشة زمام.

صحفية و باحثة أكاديميةألمانيا