1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

العلمانية و "الاغتراب" كضرورة

سهيل أحمد بهجت

سبق لنا أن قمنا بمناقشة رؤية العلمانية من خلال خصومها و هذه الحلقة هي تكملة مفيدة لما ناقشناه إذ نجد المسيري يصر على سلبية العلمانية و أنها أدت إلى ظهور الإنسان النمطي المتكرر كشكل مادي، و لعمري لا أدري ما هو الإنسان الكامل أو النموذجي الذي يريد لنا المرحوم الدكتور المسيري أن نصل إليه؟ و كما قلنا فإنها مشكلة حقيقية فعلية في أن هناك جملة تعريفات "للإنسان" و تحديده ببعض الصفات كـ"الحيوان الناطق" أو "الحيوان العاقل" أو حتى "الحيوان الأسمى" في بعض التعريفات، فالجميع متفق على الجانب المادي للإنسان لكنهم مختلفون أشدّ الاختلاف في العالم الروحي، فالدين ليس عالما ماديا جسمانيا يمكننا أن نضع أيدينا فيه على التصنيفات فنقول أن الله هو كذا و الملائكة و الشياطين و الأرواح كما يضع أحدنا يده على الأشياء المادية فيقول: عرش ـ فتاة ـ أثاث ـ سيارة ..إلخ، ففي هذا الجانب لا يتجادل إثنان في ماهية جسم إنساني أو أي شيء ينتمي إلى هذا العالم، لكنهم يتقاتلون في سبيل الحقيقة الدينية الروحية و في سبيل الخلاص و مسائل ما بعد الموت.

و عن مجتمعات ما قبل العلمانية و اختلافها عن المجتمعات العلمانية أود أن أنقل ما طرحه المرحوم علي الوردي بهذا الشأن حيث يقول ـ و حديثه هنا يتعلق بالمجتمع العراقي:

كان رجال الدين في العهد العثماني منسجمين مع الوضع الاجتماعي الذي يعيش فيه عامة الناس، فلا تناشز بينه و بينهم، و كان أكثر الناس يلجأون إلى رجال الدين في حل مشكلاتهم العائلية و الاجتماعية و غيرها، و لم يكن هناك أفضل و أقدر من رجال الدين في حل تلك المشكلات إذ هم كانوا يمثلون الفئة "المثقفة" في ذلك العهد علاوة على كونهم يمثلون الدين و تعاليمه المقدسة. و حين جاءت الحضارة الحديثة إلى العراق، و نشأ جيل جديد عليها، ظهرت فجوة واسعة في العقلية و النظرة إلى الحياة بين رجال الدين و المتعلمين من الجيل الجديد. و هناك أسباب عديدة لهذه الفجوة ... إلى أن يقول: لا يزال رجال الدين يجرون في كتاباتهم و خطبهم على قواعد المنطق الأرسطوطاليسي القديم، و هو منطق يصلح للجدال إنما لا يصلح لكتشاف الحقائق أو التثبت منها. إنه منطق الأدلة المتكافئة حيث تستطيع أن تبرهن به على صحة أي رأي و على صحة نقيضه في آن واحد. يظهر هذا بوضوح في الجدال الطائفي..." ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ج 1 ص 294 ـ 295 بتصرف

فالدين كما هو واضح يصبح في حكم الخرافة حينما يبدأ في التغلغل في الدولة و بنيانها و مؤسساتها و هنا لا يمكن أن يكون هناك أي مقياس يحدد الحدود التي يقف فيها الدين فلا يتجاوز حدوده للتأثير في الدولة و السلطة، و حتى في أكثر الدول علمانية يبقى للدين دور و تأثير في الدولة و المجتمع ـ أمريكا و بريطانيا مثلا ـ فمثلا يمكن للكنائس أن تحض الناس على التصويت لأشخاص معينين أو الوقوف ضد بعض مشاريع القوانين، مثال ذلك موقف الكنائس في رفض قانونية زواج المثليين و الإجهاض، فالعلمانية لا تعني موقفا من الإيمان أو الإلحاد بقدر ما تعني إتاحة الفرصة لعمل العقل ـ ككائن نسبي.

يشير النقد المسيري للعلمانية إلى ما يسميه بسلبيات الحداثة و هي نتاج العلمانية و يصنف السلبيات كنماذج في (أزمة الإنسان في العصر الحديث ـ ثمن التقدم ـ هيمنة النماذج المادية و الكمّية و الآلية ـ الاغتراب ـ أزمة المعنى ـ ضمور الحس الخلقي ـ هيمنة القيم النفعية ـ غياب المركز ـ تفشي النسبية المعرفية و الأخلاقية ـ اللا معيارية [الأنومي] ـ هيمنة المؤسسات و البيروقراطيات ـ تآكل الأسرة ـ التفكك الإنساني ـ العدمية الفلسفية ـ الإحساس بالعبث ـ تراجع الفردية و الخصوصية ـ أمركة العالم ـ التنميط ـ سيطرة أجهزة الإعلام على البشر ـ ظهور الحتميات المختلفة [البيولوجية، و البيئية، و الوراثية، و التاريخية] ـ العالم الحديث كقفص حديدي (عبارة ماكس فيبر) ـ التسلع [أي تحول الإنسان إلى سلعة] ـ التشيؤ [أي تحول الإنسان إلى شيء]).." العلمانية تحت المجهر ص 33

فالملاحظ أن هذه النقاط هي مجموعة ظواهر من الممكن أن تجدها في أي مجتمع، فالإنسان الحديث وقع ضحية القلق و هذا أمر لا ينكره أحد و لكن هذا تجاوز لحقيقة أننا إذا بقينا على منهج المسيري في أن نتصور أن الإنسان كائن مثالي و أن بإمكاننا خلق هذا الإنسان على أرض الواقع و أن ننزع عنه صفة القلق هذه فهو مخطيء تماما فسنكون واهمين، لأن الإنسان و منذ وجوده على هذه الأرض كان يعيش القلق، فالإنسان يجهل المستقبل و هو يخشى الألم و المرض و الفقر و الموت بطرق بشعة أو يقلق خوفا من أن لا ينال الخلاص الأبدي و أن لا تمحى ذنوبه أو هو قلق من سطوة حاكم ظالم قد ينتزع عنه الأمان و الاستقرار، و طوال التاريخ كان الإنسان على الدوام يخشى من الطاعون و الفيضانات و الفوضى و كوارث الطبيعة التي كثيرا ما نسبها إلى الغضب الإلهي.

و بعد أن استخلصنا من هذا البحث أن الإنسان هو كائن قلق و خائف على الدوام فإن القرآن ككتاب يشير دوما إلى أن الإنسان هو أفضل المخلوقات و أحطها في الوقت نفسه، إذ أن الإنسان و لكونه كائنا مخيرا في أفعاله و قادرا على الأبداع، دون أن يكون لهذا الإبداع حدود، فهو قادر على خلق المفيد و النافع و المدمر و الضار في الوقت نفسه، من هنا نجد أن ما يسميه المسيري سلبا بـ"ثمن التقدم" هو في الحقيقة نقص يرافق كل الأعمال الإنسانية، بمعنى آخر، فإن من أهم أساسيات وجود الإنسان هو كونه مخلوقا يجهل أكثر مما يعلم و هذا ما يجعله يعاني في التخلف و التطور معا، فمن هذه الناحية لا يختلف عن الحيوان إلا أنه أسرع إدراكا لأخطائه و هفواته، بينما الحيوان يحتاج الكثير من الوقت لتعلم القليل، كما أن التطور العلمي لم يكن محصورا بالعالم الرأسمالي الديمقراطي، مثالا على ذلك الباكستان الدولة ذات الطابع الديني المتخلفة "اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا" بينما هي تملك القنابل الذرية، بمعنى أنها متطورة في الجانب السلبي من العلم بينما الإنسان في هذه الدولة يعاني قي كل الجوانب بينما دولته تمتلك أكثر أسلحة العالم فتكا و تدميرا.

و حالة الاغتراب التي يعانيها الإنسان الغربي الآن لا تعني بالضرورة أن الإنسان المشرقي و المسلم على وجه الخصوص هو في منئى عن هذه الحالة، فالغربي بدأ يحس بالاغتراب في هذا العالم لكونه متفرغا للتفكير و البحث و الدراسة، بينما المسلم غارق في هموم و مشاكل الحياة اليومية فلا كهرباء أو ماء نظيف و لا سكن و لا رواتب مجزية ـ هذا إن كان يعمل أصلا ـ و عدى ذلك فهو يعاني ليل نهار قلقا من المرض و التعرض للاعتقال و التحقير و الإهانة إما من المجتمع أو السلطة، من هنا لا يكشف الشرقي في شخصه عن أي استقرار و توازن بقدر ما يكشف عن انشغال و غرق في هموم حياة مريعة و بشعة مليئة بالنفاق و الكذب على كافة الصعد الدينية و السياسية و الاجتماعية و الطبقية البشعة و التراحم الشكلي النفاقي الذي لا يلغي الألم و المعاناة بل يزيدها مرارة، و لا يخفي غمز و لمز المسيري للغرب من تضمين "مديح" ضمني للشرق المتخلف و الدكتاتوري اللا متسامح.

أزمة المعنى هي الأخرى تكرار أو تكملة لنفس المفهوم و المعنى الأول "الاغتراب" الذي هو في حقيقته بداية المشروع الإنساني في البحث الإنساني عن الله و العلة الأولى للكـون، و هذا المشروع يتم بناءه بعيدا عن التحديد المسبق لخطوط البحث و قوام الإيمان، فبدون العلمانية الكاملة ـ الحرية المطلقة ـ يبدأ الآخرون في وضع القيود على مجالات النقد و تحليل و تركيب القضايا و المشاكل المحيطة بالعقل، فطبيعي أن تنطلق مقومات العقل الغربي في مشروع البحث اللا نهائي إذ لا علاج لأزمات الاغتراب و المعنى إلا عبر فهمها و البحث عن جذورها و بالتالي لا مفر للإنسان من طرح كل النظريات أمام البحث للوصول إلى الحقيقة، و الاغتراب و أزمة المعنى لا وجود لهما في العالم الإسلامي "الظلامي" بسبب هيمنة العقل الخرافي و الإيمان بأن كل ما نعانيه هو مقدر و قضاء مبرم، بالتالي لا داعي للعقل لأن يتساءل لأن اليقينيات هيمنت على كل شيء فلا مجال لطرح الأسئلة، فأن ينسب الإنسان الظلم و الطبقية و الشقاء إلى المجتمع و أدواته السياسية أفضل من أن ينسبها إلى الله و القضاء و القدر " مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ" سورة النساء 79 إذا فما نراه و نعتبره "أزمة" هو في حقيقته تباشير بحث عن الجديد، فقد كانت المجتمعات التقليدية الظالمة تنعت الأنبياء على الدوام بأنهم يهددون الاستقرار ـ عقيدة الآباء و الأجداد ـ و بالتالي فإن المجتمع الذي لا يعاني من هذه الأزمات العقلية و المنطقية هي مجتمعات ميتة محكوم عليها بالفشل.

و أما حديثه عن "ضمور الحس الخلقي" و "هيمنة القيم النفعية"، فلا يعدو كونه تجاوزا لنسبية الأخلاق و مطاطيتها، فالأخلاق في المجتمعات الدينية نفسها ليست واحدة المصدر، إنما هي تنطلق من منطلقات مختلفة و تكون نتائجها مختلفة، ففي المجتمعات الإسلامية السنية تقوم غالبية الأخلاق على الترهيب و الترغيب و التهديد بعذاب الآخرة أو عذاب القبر!! لمن لا يلتزم بالقيود الدينية، و الطمع في الجنة و الحور العين لمن يطيع، و تختلط هذه الدوافع بقيم العشيرة و ثقافة العار و السمعة و الوجاهة في المجتمع، كما أن الغرب رغم ثقافته "اللا دينية" ظاهرا إلا أنها في الباطن قائمة على المسيحية البسيطة و اللا مركّبة.

أما المنفعة فهي أساس كل مجتمع سليم قائم على الحقوق، ففي المجتمعات التزاحمية ـ و التي يصفها المسيري بالتراحمية و هي ليست كذلك ـ تقوم العلاقات الاجتماعية على المستوى الأفقي للعلاقات، فمثلا يرتبط وجود الفرد بالعائلة أو الأب أو الأم و الأخت بالأخ، مما يجعل نظام المجتمع هشّا و عرضة للإنهيار بسبب سيادة المظاهر و المجاملات و التراحم (الظاهري)، لكن في المجتمعات العصرية العلمانية يرتبط الفرد بنظام الحقوق العمودي المرتبط بالمؤسسات، بالتالي لا يرتبط الحق ـ مفرد حقوق ـ بالآخرين بقدر ما يرتبط بذات الفرد الذي يمتلك حقوقا، من هنا لا يعكس المسيري نظرة واقعية بقدر ما يعكس عواطفه تجاه الآخر ـ الغرب ـ و تحميله مسؤولية تخلفنا و فشلنا.

مواضيع ذات صلة