1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

العراق ووحدته الممزقة بالرصاص

يتساءل عباس العزاوي" ما أكثر الشعارات في بلادي ، أم أنها وهم كبير كان يرى المضطهد في غيابها سياسة حكومية قذرة ويرى المهيمن والمسترخي فيها قضية طبيعية لا تعنيه من قريب او بعيد" .

فسقوط النظام الفاشي الذي يفترض انه اضر بالجميع يفضي بالنتيجة إلى عودة الإخوة بين العراقيين وهذه طبيعة الأشياء، وليس العكس ،على افتراض أن النظام كان هو السبب الرئيسي الحائل دونها بسياسته الطائفية الخبيثة.

استيقظ احمد على أصوات الجموع الكبيرة في حي الاعظمية ظهيرة احد ايام الجمعة ودويّها الذي يصّم الآذان ، وهي تصرخ بصوت موحّد هادر"إخوان سنة وشيعة. هذا الوطن ما نبيعه" ، صوت يثير المشاعر الممزوجة بالمحبة والفخر بالانتماء لهذا الوطن، فكر بفحوى هذا الهتاف وجدوى ترديده بهذا الحماس الجنوني، وهو يحاول فتح شباك غرفته المطلة على الشارع الرئيسي، ومنْ يا ترى يهدد هذه الإخوة الثمينة ؟ التي تشكلت عبر قرون ومنْ حوّلها من حقيقة متجسدة في الخليط العراقي الى قضية يجب التأكيد عليها من خلال الشعارات ؟

أقلقته فكرة هذه الوحدة التي تهتف لها الجماهير الغفيرة، وتساءل في نفسه فيما إذا انقلب الهتاف: فكيف سيكون؟

أبتسم للفكرة وردد بصوت خافت، إخوان شيعة وسنة، هذا الوطن سودنّه ، اطل برأسه لينظر المشهد من الأعلى ، بقعة سوداء هائلة من الرؤوس الحاسرة وبعض العمائم البيضاء بفرعيها السني والشيعي التي تتوسط الجموع الممتدة طوال الطريق وتسد الشوارع والساحات القريبة من مرقد الإمام أبي حنيفة (رض) ومجاميع أخرى تنتشر على جانبي الطريق لا يعرف ان كانوا متفرجين وحسب أم أن هذا الالتحام الجماهيري لا يعنيهم فهو مجرد " كلاوات " وفق تفكيرهم ،ثم ما الذي حفز الناس لتخرج بهذه الطريقة المثيرة؟

"هل هناك ضرورة أن يكرر الأخ على أخيه صلته به"

هل هو الخوف ؟ من ماذا ؟ من غول الفرقة التي يتحدث عنها البعض مثلا ؟ ام من شبح الاقتتال الطائفي؟ ولمن يريدون ان يقولوا إننا أخوان سنة وشيعة ؟ وهل هناك ضرورة ان يكرر الأخ على أخيه صلته به في كل مقام؟

أم أن تعاملهم من يجب ان يجسد هذه الأخوة الحميمة ، وهل هناك ضرورة أن نذكّر اليتيم يوميا بان اباه قد مات، إلا إذا كانت هناك غاية أخرى غير ما نقول؟

تذكر حبيبته التي كانت تطالبه باستمرار البوح بمشاعره تجاهها دون أن تمّل من هذا الطلب ، ولم يفهم سر تهافتها الغبي على سماع نفس كلمات الحب والهيام ، لاسيما كلمة ، أنا احبك ، والله احبك ، وروح أبوي احبك .

ففي كل لقاء تصرّ بغنج انثري مثير على سماع المزيد وهذا ما كان يحيره ويقلقه في آن واحد، حتى بادرته في إحدى المرات لتعلن عن مصرع حبهما العميق والسرمدي في أول معركة واقعية برصاصة احد الأثرياء من أقرباء أبيها بتقدمه لخطبتها والسفر للخارج، واعدة إياه بأنه سيبقى في قلبها المفعم بالحب الأسطوري كأيقونة للحب والوفاء والى الأبد.

مصرع الإخوة في الأحداث " الأخوية " الدامية !

لم يصمد حبه الوحيد أمام تفاصيل ومفردات الواقع وشروطه القاسية ،ولم يتكلل صبر كل السنين بالنجاح في بناء حياة جديدة أساسها الحب الدافئ الجميل، فقد اسقط الطمع والأنانية قناع حبيبته وكشف زيف ادعاءها الدائم ، ومن يدري؟ لعل هذه الجموع التي خرجت للتعبير عن وحدتها لا تقل مبالغة وزيفاً عن حبيبته وحبها الذي تبخر وتلاشى مع أول إطلالة لشمس الحقيقة تماماً كالضباب الذي تبدده أشعة الشمس في صباحات الشتاء الباردة ، فغياب أصدقائه ومصرع بعضهم الآخر من كلا المذاهب والقوميات في الأحداث " الأخوية " الدامية التي جاءت بعد شعارات الوحدة والأخوة المنشودة وتجسيد شعارات أخرى متناقضة كما توقع هو، جعله لا يكترث كثيرا للهتافات الفارغة والمجاملات المتعفنة، وأحيانا ً تصيبه حالة من الغثيان كلما سمع احدهم يتغنى بوحدة البلاد وشعبه لاسيما والدماء تلون وجه الوطن والألم والحزن يفتت القلوب الرحيمة والقلق المخيف يتنامى من عودة الرعب الوطني ، مع ان حبيبته لم يمنعها تشابه المذهب والأفكار والرؤى ولا حتى الحب الخالد والرومانسية التي تقمصتها، من الهروب صوب المغريات .

يغني الحالمونللوحدة المجهولة!

إذن هناك أشياء أخرى تتحكم بقراراتنا وبحياتنا أكثر عمقاً وتأثيراً من تنظيرنا المتفلسف وكلماتنا المنمقة والرصينة التي لا تغني عن القتل والذبح والتخريب شيئا ، ولا يمكن لنا بناء قصورا من التآخي والمحبة على أساس الوهم والادعاء ، تاركين أسفلها متسع لعبث الجرذان والأفاعي ومساحات ملغومة تهدد أساسيات البناء ومتانته، فالواقع ما زال يدهشنا في كل مناسبة بصور مخيفة اشدّ وضوحاً ويقيناً من أحلامنا وتمنياتنا، فهل سينجح الحاقدون المنهزمون القلائل في تهشيم حياة أبناء العراق ومستقبلهم لتحقيق أطماعهم ومصالحهم الشخصية ؟ وبذلك يبقى شعار" إخوان سنة وشيعة ... هذا الوطن ما نبيعه " يتردد فقط في خيال احمد الذي مازال يحن لحبيبته ويترقب إطلالتها الفاتنة رغم كل ما حدث ، ونبقى نحن الحالمون نغني للوحدة التي لا نعرف كيف ومتى نحققها.

مواضيع ذات صلة