1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

العراق وطوائفه

يستذكر نـزار حيدر ما قاله الملك فيصل الأول عن شعب العراق " إني لا أريد أن اسمع كلمة مسلمين ومسيحيين وإسرائيليين، فالعراق وطن القومية، وليس فيه سوى أمر واحد، هو أن يقال عراقيون فقط" ، فيألم لما صار إليه وضع البلد اليوم.

بتاريخ (18 تموز 1921) أقام يهود العراق في العاصمة بغداد حفل استقبال للأمير (فيصل بن الحسين) القادم من البادية ليستلم عرش العراق، ألقيت فيه عدد من القصائد وكلمات الترحيب.في ختام الحفل أراد الأمير ان يرد الجميل للمحتفلين، فارتجل كلمة قصيرة قال فيها:

" إني لا أريد أن اسمع كلمة مسلمين ومسيحيين وإسرائيليين، فالعراق وطن القومية، وليس فيه سوى أمر واحد، هو أن يقال عراقيون فقط".

وبعد مرور (93) سنة لم نكتف بذكر ثلاث شرائح اجتماعية فحسب وإنما تعددت الطوائف وتضاعفت المسميات وانقسمت على نفسها كالاميبيا، فعراق اليوم هو عراق الطوائف لم يرد اسمه على لسان احد من أبنائه إلا واضطر الى تعدادها واحدة فواحدة، ويا ويل احدهم اذا ما نسي في حديثه ذكر إحداها فهو مأجور ويحمل أجندات خارجية وعميل وخائن و..و..و..

نقل لي صديق قصة ظريفة بهذا الصدد، يقول:

كنا في اجتماع في مدينة الموصل لبحث سبل التعايش السلمي بين العراقيين، احد المتحدثين نسي أن يذكر اسم إحدى الطوائف سهوا وليس عمدا بكل تأكيد، فعدد كل الطوائف إلا واحدة، إذا بنا نفاجأ بصراخ احد الحاضرين بوجهه يقول له: يا خائن يا عميل يا مفتري لماذا لم تذكرنا وقد ذكرت كل الطوائف؟ لماذا نسيت أن تذكر اسم طائفتنا؟ انك تبيت لنا شرا، تريد أن تهجرنا من ارض آبائنا.

هذه الحالة تتكرر يوميا في كل مناطق العراق، وفي كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، ولمن يتهمني بالمبالغة أتمنى عليه ان يستمع الى خطاب اي متحدث في العراق، سياسيا كان أم عالم دين أم مثقف ام اعلامي او اكاديمي ام اي شئ آخر.

"التنوع نقطة قوة صارت في العراق نقطة ضعف"

كذلك، لن أبالغ إذا قلت بان العراقي هو الوحيد الذي يأتي على ذكر طوائف المجتمع كلما تحدث او كتب، فانا شخصيا لم اسمع ان رئيسا لبلد من البلدان ذكر أسماء الطوائف في بلاده كلما تحدث، لا في البلاد النامية ولا في البلاد المتقدمة، اذ يكتفي المتحدثون بذكر الاسم العام الواحد للشعب فقط بلا (طوائف).

قد يقول قائل بان تنوع المجتمع العراقي هو الذي يفرض على العراقيين التحدث بهذه الصيغة الفريدة، وكأنه ليس في بقية بلدان العالم مثل هذا التنوع، انظر الى الجارة إيران، مثلا، اوليس فيها العرب والفرس والترك والبلوش واللر وغيرهم من الاثنيات؟ وفيها المسلم وغير المسلم، وفيها الشيعي والسني، وفيها كل شيء، ولكن، هل سمعتم يوما أن الرئيس الإيراني ذكر أسماء الطوائف في بلاده وهو يتحدث في اجتماع عام أو يدلي بتصريح؟

أبدا، وكذا الحال في مصر مثلا أو في الولايات المتحدة او في اي بلد من بلدان العالم.

ان التنوع نقطة قوة لأي مجتمع، ولكنها في العراق تحولت، وبسبب نظام المحاصصة والتمييز الطائفي والعنصري الذي ورثناه من النظام الشمولي البائد، تحول الى نقطة ضعف كالقنبلة الموقوتة نخشى ان يسحب متهور صاعقها فتنفجر بوجه الجميع.

إن هذه الصيغة الممجوجة من الخطاب تكرس الخلاف وتؤسس لتمزق اجتماعي بمرور الوقت.

دعوة لتغيير لغة الخطاب

تعالوا، إذن، نغير من صيغة خطاباتنا، فلا نذكر من الآن فصاعدا إلا كلمة (العراقيون) و (الشعب العراقي) من دون ان نلحق بها التسميات التي مللنا منها، فالعراق هو الخيمة الكبيرة التي تضللنا، والمواطنة هي الانتماء الوحيد الذي يجمعنا.

واقولها بصراحة وبضرس قاطع، فان كل التسميات تفرقنا الا اسم واحد هو (العراق) فهو الوحيد الذي يوحدنا، وان كل انتماء يفرقنا إلا انتماء واحد هو (الانتماء الوطني) فإذا حافظنا على العراق حافظنا على كل شئ آخر، وإذا صنا انتماءنا للوطن صنا كل الانتماءات الأخرى، والعكس ليس صحيحا، فالحفاظ على هوية (الطوائف) لا يحفظ لنا لا العراق ولا الطوائف، فالخمية الكبيرة هي التي تأخذ تحت أجنحتها وبدفء صدرها وقلبها الواسع كل مكوناتها الاخرى، اما الخيمة الصغيرة فلا تتسع للجميع ممن هو اكبر منها أبدا.

ايها العراقيون: تعالوا نعوّد، بتشديد الواو، ألسنتنا على صيغة واحدة فقط في الكلام والحديث والكتابة، انه بلدنا العراق، ونحن العراقيون فحسب.

تعالوا نعوّد ألسنتنا على ان لا نذكر أسماء الطوائف كلما تحدثنا او كتبنا، أبدا.

تعالوا نحب بلدنا لأنه العراق فحسب، ونحب أنفسنا لأننا عراقيون فحسب.

تعالوا نفتخر بالعراق ثم بطوائفنا، لان العراق اكبر من كل الطوائف وهو القاسم المشترك والارضية المشتركة التي نجتمع فيها وعليها.

علينا ان نتعلم ثقافة (المواطنة) ونلغي من أدمغتنا ثقافة (الطوائف) سواء في المدرسة او الشارع او الجامعة او الوظيفة او في اي مكان في المجتمع.

نقل لي طلاب في الدراسات العليا في عدد من جامعات بغداد، يقولون: إن ظاهرة (الطوائف) معشعشة في أذهان الكثير من الأساتذة، على الرغم من أن بعضهم يحاول إخفاءها بين طيات حديثه او تحت طيلسانه، ولكنها تظهر فجأة على ألسنتهم عندما تتأزم الأمور في المنطقة الغربية مثلا او الجنوبية من البلاد، اذا بهذا الأستاذ الوديع المسالم (الوطني) حتى النخاع يكشر عن أنيابه الطائفية والعنصرية بشكل مرعب، فأين ثقافتك أيها الأستاذ؟ وماذا ستعلم الجيل الجديد ايها الأستاذ المربي؟ وما الذي ستنقله الى بناة المستقبل ايها الأستاذ الموقر؟ فاذا كنت (أنت الأستاذ) تنتمي الى ثقافة (الطوائف) فماذا سيكون عليه الجيل الجديد؟ وكيف سنقضي على ثقافة (الطوائف) وكيف سنئدها؟.

ليكتف المتحدث منا بذكر اسم العراق والعراقيين فقط، فلا حاجة بان يذكرنا احد بطوائفنا كل يوم وكل ساعة، ولنتعلم، على الأقل، لغة الخطاب الوطني، ثم بعد ذلك سنتعلم لغة الحوار الوطني والتوافقات الوطنية والتعايش الوطني وكل ما يخص الوطن والمواطن بعيدا عن تسمية (الطوائف) وكأننا أذنبنا ذنبا بحاجة إلى من يذكرنا به في كل آن، فلا تحولوا التنوع الى سبة يا.......قادة.

27 شباط 2013