1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

العراق وتركيا وملف المياه المشتركة

يرى د. حسن الجنابي أنه لا يمكن تأمين حقوق دولة مصب النهر بالنوايا الحسنة والأمنيات، بل بالعمل المستمر،وبتحقيق شبكة مصالح مع دولة المنبع تكون بذاتها دافعا للعمل من اجل إدارة مشتركة للمياه تقوم على مبادئ الانتفاع المنصف.

أولا:

اقل ما يقال عن الدولة التي تقع في ذنائب الأنهار المشتركة (اي دولة المصب)، في ظل التنافس المتزايد على استغلال الموارد المائية والسعي للتحكم بها، بانها غير محظوظة. والعراق يقع في ذنائب الأنهار، وهو بذلك يتلقى نتائج افعال جيرانه في صدور ومنابع الانهار سلبا وايجابا. وواقعا فان سلبيات افعال الجيران على العراق في ادارة المياه تفوق كثيرا ايجابياتها، ان كان ثمة ايجابيات اصلا، ولكن السلبية الكبرى هي العجز المستمر عن التوصل الى اتفاق دولي (او اتفاقيات مع كل الأطراف) لإدارة وتقسيم مياه الأنهار المشتركة، وطغيان البعد السياسي على الموضوع، واستخدام منجزات الهندسة والتكنولوجيا لتكريس نزعة السيطرة المبالغ بها على جريان الانهار وتوقيت الاطلاقات المائية من السدود، حتى أضحت المياه، أثر ذلك، وبدون اعلان صريح، بل وحتى وسط نفيٍ رسمي، بيدقا على لوحة شطرنج تحركه عقلية الربح والانتصار المزعوم فيما يصطلح عليه باللغة الانكليزية بـ"Hydropolitics" وهو مصطلح يعني الاستخدامات الجيوبوليتكية للموارد المائية لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية تؤمن الزعامة والتفوق بالضد من امثولة الاستخدام الامثل والمستدام للموارد المائية لتحقيق منافع مشتركة.

ثانيا:

لا يمكن تأمين حقوق دولة المصب بالنوايا الحسنة والامنيات، بل بالعمل المضني والمستمر،وبتحقيق شبكة مصالح مع دولة المنبع تكون بذاتها دافعا للعمل من اجل ادارة مشتركة للمياه تقوم على مبادئ الانتفاع المنصف والمعقول وتجنب الإضرار بالشركاء، حرصا من دولة المنبع على مصالحها الإستراتيجية.وبما ان الدبلوماسية أو السياسة والعلاقات الدولية ليست لعبةً بريئة، ولا يتحقق الإنصاف بها تلقائيا، حتى لو كانت حقوق احد الإطراف واضحةً وضوح الشمس شرعا وقانونا، فيجب ان تتوفر في دولة المصب عدة شروط لتكون فاعلةً في تحقيق شبكة المصالح التي تحمي حقوقها ومنها الحقوق المائية واهمها: ان تكون الدولة قوية ومتماسكة اقتصاديا واجتماعيا ودبلوماسيا وعسكريا،ولا يمكن هزيمتها او ابتزازها بهذه الحقول بسهولة، وبالأخص على مائدة المفاوضات، كخيار أوحد لحل الخصومات المائية.اما الشرط الثاني فهو كفاءة ادارتها للموارد المائية المتاحة لديها، فلا يستقيم منطق الخصام والصراع على الحقوق المائية، وان بشكله السلمي، مع الهدر والإهمال وسوء التخطيط والاستخدام المفرط وقلة انتاجية وحدة الأرض او وحدة المياه.

اما الشرط الثالث فهو ان تكون مطالبها بالمياه المشتركة واضحة وممكنة التحقيق،وموقفها التفاوضي سليم وقائم على معطياتٍ حقيقية وواقعية ، ويستند الى القانون الدولي والمصلحة المشتركة، التي تجسدها شبكة المصالح الحيوية مع دولة المنبع. وبالإمكان سرد شروط أخرى لا تقلّ أهمية ولكن المجال لا يتسعلها.

ثالثا:

مرّت العلاقة المائية بين تركيا والعراق بمراحل شائكة، كانت بدايتها طيبة اذ حصل اثرها اتفاق عام 1946، الذي اعترفت وفقه تركيا بحقوق العراق،وتعهدت بالامتناع عن القيام بأعمال مضرّة به عند استغلالها للموارد المائية المشتركة. واظن ان الاتفاق المذكور حتّمته معطيات اهمها التقارب والاصطفاف السياسي للدولتين آنذاك، والاكثر اهمية هو ان تركيا لم تكن لديها الإمكانيات المادية المطلوبة لتنفيذ منشآت كبرى في اعالي النهرين في حينه، ولا طموحات الزعامة التي طفحت في الثمانينيات والتسعينيات، كما لعب استعداد قادة البلدين للتفاوض حينئذ دورا في صياغة الاتفاق المذكور. لكن الاحداث العاصفة التي تلت ذلك وسعير الحرب الباردة ومارافقها من استقطابات جديدة،لم تسمح للبلدين بالاتفاق النهائي بشأن اقتسام مياه الرافدين، وحصلت شبه قطيعة امتدت الى الثمانينيات، حيث شكلّ البلدان مع سوريا لجنة فنية ثلاثية، لتطوير اتفاقية مقبولة للاطراف الثلاثة، ولكنها لم تنجز عملها فجُمّدت بعد اكثر من عشرة اعوام من العمل بمعدل اجتماع واحد او اكثر في العام. كما اسهم تهوّر النظام السابق وهوَسُه بالحروب الداخلية والخارجية بتراجع قضية المياه المشتركة الى مؤخرة اولوياته، وظهر عجزه عن التوصل الى اتفاقات تضمن حقوق العراق بمياهه، بل انه حوصر الى حدّ أجبر فيه على عقد اتفاقات امنية وعسكرية انتهكت وفقها تركيا سيادة العراق وارضه لمئات المرات، فضلا عن تفريطه بالسيادة على نصف شط العرب في وقت اسبق.

رابعا:

استفحلت في التسعينيات نزعة القوة المائية الأكبر لدى تركيا وبرزت طموحات زعامة وصدرت تصريحات لاعقلانية ومتغطرسة بشأن مياه الرافدين، بما فيها من قبل رئيس الدولة التركي آنذاك، اعتبر بها مياه الرافدين مياها تركيةً عابرة للحدود وقارن الثروة المائية في تركيا بالثروة النفطية لدى العرب، وسوّق افكار بيع المياه الى دول اخرى وغير ذلك، ما اثار سخطا كبيرا حتى من لدن وكالات ومجاميع دولية، في وقت كانت تركيا تسعى به للانضمام للاتحاد الاوروبي. لقد تزامن تصاعد الموقف المتزمت لتركيا حول الموارد المائية المشتركة مع دخول تنفيذ مشروع جنوب شرق الاناضول (غاب) مراحل متقدمة تكللت بانجاز سد اتاتورك، وهو رابع اكبر سد في العالم، وقبله سدّي كيبان وقره قايا، وملأه بطريقة استفزازية قطعت اثرها مياه الفرات تماما عن الجريان في مطلع العام 1990، اذ حُوّل النهر بكامله الى بحيرة اتاتورك، دون الالتفات الى الاحتجاجات العراقية والسورية، وكان ذلك تذكيرا مخيفا بقطع مياه الفرات في الفترة 1976-1977 حيث تزامن ملء سد كيبان في تركيا مع ملء سد الطبقة السوري فتعرض أثرها الفرات في العراق الى جفاف شبه كامل وكانت تلك كارثة لم يألف حدوثها سكان وادي الرافدين فيالسابق.

خامسا:

في مطلع الألفية الثالثة ومع تزايد احتمالات دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، تغير الخطاب التركي حول المياه المشتركة نحو الأفضل كثيرا، وبلغ أحسَنه في ظل حكومة رجب طيب اردوغان، ولكن الخطاب السياسي المرن لم يتحول الى إجراءات عملية تسهم في التوصل الى اتفاق نهائي حول المياه المشتركة.

فقد استمر تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول بوتائر متسارعة حتى بعد ادانة المقاربة التركية بتنفيذه باعتبارها مقاربة تتعارض مع اسس التنمية المستدامة، ومضرّة بيئيا وثقافيا ولاتسهم بترسيخ السلم، ولم تقم تركيا الا بتقديم مبادرة ثلاثية المراحل، مصممة لمنفعة طرف واحد فقط هو دولة المنبع، وما انفك المسؤولون الأتراك الحاليون والسابقون يتمسكون بها في مختلف المحافل الدولية، وكان آخرهم وزير خارجية تركيا السابق السيد يشار ياكيش الذي عرضها في مائدة مستديرة عقدت في مقر مجلس العموم البريطاني ضمن فعالية السلام الازرق التي يشرف عليها الامير الحسن بن طلال ويسهم بها من العراق السيد بختيار أمين الشخصية العراقية المعروفة، الذي قدم بالاجتماع نفسه رؤية وطنية مشرّفة لقضية الموارد المائية المشتركة.

العراق وتركيا.. ملف المياه المشتركة بين المخاوف المشروعة والتهويل -1-- د. حسن الجنابي
05/11/2013 - 22:12 مقالات

مواضيع ذات صلة