1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

الشعب العراقي – رهينة الماضي و الحاضر

سهيل أحمد بهجت

من المؤسف حقا أن العراقيين بقوا حبيسي و رهائن لعقل العشرينات و حتى لما قبل العشرينات، إن أي باحث ضليع في علم نفس الشعوب و الأمم و المجتمعات و التاريخ و متعلقاته لا بد و أنه لن يستغرب تصرفات غالبية العراقيين تجاه محرريهم سواء ما حصل في العشرينات و ما رافقها من تناقضات، ككراهية العراقيين للعثمانيين و ترحيبهم بالبريطانيين ثم انقلاب الصورة و تحولهم نحو العكس أي التعاطف مع العثمانيين الذين تركوا العراق رمادا و عداء البريطانيين الذين جلبوا للعراق التطور و الاقتصاد و النظم الحديثة.

الشيء ذاته حصل مع الأمريكيين عام 2003 حينما أطاحوا بالبعث و صدام، فأغلبية العراقيين تنفست الصعداء و سرت بهذا التغيير العظيم مع فارق هو أن غالبية العراقيين لا زالت مرتاحة للإطاحة بالبعث، لكن مع مرور الوقت و بدء بعض الأحزاب و التيارات الطائفية و العرقية في نشر الفوضى و الدمار و نظريات المؤامرة و شعارات "المقاومة" المزعومة، حتى بدأت الصورة تتشوش في ذهن المواطن البسيط الذي احتار و ظن أن الأمريكيين هم من يقف وراء الأحداث، و في بيئة حكمها البعث بنظريات و ثقافة "المؤامرة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية"!! و تبني أحزاب من ضمن معارضي النظام المقبور لنظريات لا تختلف عن هذه الأطروحات المليئة بالصراع و الكراهية، كل هذا الجو العبثي الفوضوي هيأ لفترة الفوضى و دخول الإرهاب إلى العراق و بدء جرائمه ضد الشعب العراقي و التحالف و ذلك بالتعاون مع المستفيدين من النظام المقبور.

كــان من الممكن أن يستفيد العراقيون من الوجود البريطاني في العشرينات و الأمريكي حاليا لو أنهم تعاملوا مع الواقع بمنطق العقل الذي يحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب للشعب من امتيازات سياسية و اقتصادية و اجتماعية و تجاوز حالة الفوضى و تآكل المجتمع بفعل عقلية ما قبل الدولة، لكن العاطفة و الشعاراتية هي التي كانت الغالبة و تعامل آخرون مع البريطانيين و الأمريكيين بمنطق "الموسوس" الذي يرى في التعامل و التعاون مع أصحاب التغيير مفيدا و أمرا واقعيا وضروريا، بينما يتردد في جانب آخر بفعل بعض المعممين "المحللين و المحرمين" و أصحاب الشعارات الوطنية و القومية التافهة.

أذكر ذات مرة و أنا أشاهد برنامجا بثته "العراقية" عن حياة الشاعر العراقي الراحل محمد مهدي البصير، شاهدت صورة لتظاهرة "وطنية" حــــــــاشدة رفع عليها لافتة مكتوب عليها "نــــــموت و يـــــحيا الــــوطن"، ربما كان هذا الشعار ينم عن قمة الثقافة في عصر "الدولة الوطنجية"!! حينما كان الانتماء إلى الوطن و المواطنة يعني أن على المواطن أن يضحي بــكل ما يملك و بالغالي و الرخيص في سبيل "الوطن"!! دون أن ينتظر من الدولة أن تقدم له حتى أبسط الحقوق، إن المشكلة هي أن العراقيين كانوا و لا زالوا متأثرين بثقافة و عقلية الدولة الشمولية، التي لا تقدم للمواطن شيئا سوى الشعارات، و هي صفة ملازمة للدولة القومية على الدوام و ضحكت فعلا من قلبي لأن الوطن هو مجرد حفنة تراب و رماد إذا لم يكن الإنسان "المواطن" صاحب حقوق و قيمة.

ففي الدول الغربية االديمقراطية كبريطانيا و أمريكا سادت فكرة دولة الحقوق و الإنسان و العقد الاجتماعي و حرية الفرد منذ أمد بعيد جدا، بينما كان المعسكر الشرقي و كل الدول التي خرجت من الانتدابات "و من ضمنها العراق" تعتبر أن لا "قيمة" للفرد في الجماعة، و هو مفهوم يشبه مفردة "الفرد العشائري" الذي يذوب في مصالح العشيرة و متعلقاتها مقابل "توفير الحماية" لا أكثر، و هنا فإن العراق لا يمكن أن يتقدم كدولة و ينجو من التدخلات السلبية للجوار الجيوسياسي و الإثني الإنقسامي ما لم تطوى فيه ثقافة هيمنة نقيضي الدولة (الدين السياسي و القومية كهوية) و استبدالها بعلاقة مباشرة بين الفرد و الدولة و أن لهذا الفرد حقوقا - حتى حينما يتحول إلى مجرم يحاكم بموجب أصول قانونية - و حينما يتم خلق هذه الرابطة تختفي كل الوسائط العديمة القيمة سياسيا "الدين السياسي و الهوية القومية".

لو كان العراق دولة أكثر عزلة كإحاطته ببحار أو أسباب جغرافية أخرى، لربما كان نجا من كارثة التأثيرات السلبية و لكان حاله حال اليابان الآن، لكن العراق تعرض لموجة بربرية من الفلسفات الشمولية القومية و الماركسية و الإسلاموية و بالتالي أصابت الهوية العراقية حالة من التآكل و التشظي انتهت بأن أشعرت الإنسان بمدى ضعف علاقته و انتمائه لا إلى الأرض – الانتماء الأرضي وهم قومي – و لكن ضعف الانتماء للدولة كمؤسسة حامية للحقوق البشرية.

Website: www.sohel-writer.i8.com