1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

الدلالات الحضارية لفوز أوباما

د. عبدالخالق حسين

خلافاً لتمنيات ورغبات الكثيرين، وأنا منهم، الذين كانوا يتمنون فوز السناتور جون ماكين، وخلافاً لرغبات نحو 48% من المصوتين الأمريكيين الذين شاركوا في التصويت، حقق باراك أوباما فوزا كاسحا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية ليصبح الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، وأول رئيس أسود من أصل أفريقي في تاريخ البلاد، وبذلك حققت أمريكا نقلة كبرى إلى الأمام في تاريخ البشرية في إزالة الحواجز العنصرية الفاصلة بين مواطنيها، وأعطت العالم درساً عملياً بليغاً في الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة المواطنة الحقيقية.

مراجعة تصحيحية

بعد إعلان نتائج الانتخابات، حان الوقت لكي نراجع ما قلناه سابقاً، ونكشف الحساب، لنرى مدى الخطأ والصواب في التقديرات. لقد شاركتُ بمقالتين خلال الحملة الانتخابية، وهذه المقالة الثالثة أنشرها مباشرة بعد الانتخابات، القصد منها معرفة فيما إذا كانت حسابات البيدر قد طابقت حسابات الحقل!! كما وهناك أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات، وما هي الدروس والعبر التي يمكن أن نستخلصها من الانتخابات الأمريكية، ولماذا صوت الشعب الأمريكي للتغيير، وقرر انتخاب رجل أسود من أصل أفريقي لأول مرة ليضعه في أعلى منصب لإدارة الدولة العظمى، وغيرها كثير من الأسئلة.

بدءً، يجب الاعتراف أني أخطأت التخمين في مسألتين: الأولى، أني اعتقدت في مقالي الأول الموسوم (من سيكون الرئيس الجديد لأمريكا؟) أن " الحزب الديمقراطي خذل هيلاري كلينتون لأنها كانت أوفر حظاً من أوباما بالفوز في الجولة النهائية، وذلك لأن الحزب يرى أن مازالت هناك حروباً محتملة يجب خوضها، ولا يريد أن يتورط فيها وهو في السلطة، بل يرى أنه من الأفضل له أن يواصل الجمهوريون ما بدؤوه من حروب كسبوا خلالها خبرة واسعة بها وليتحملوا مسؤولياتها، إلى أن يكملوا المشوار".

لقد أثبتت نتائج الانتخابات يوم الثلاثاء 4/11/2008 أني كنت على خطأ في هذا التقدير، لأن جنس ولون وشخصية المرشح لم تكن ذات اهتمام لدى غالبية الناخبين الأمريكيين، حسب استطلاعات الرأي، وأن ليس هناك حزب في بلد ديمقراطي مثل أمريكا يتجنب استلام السلطة ومهما كانت الظروف. ثانياً، توقعت أن نسبة 25% من العنصريين البيض الرافضين لرئيس أسود، ستحسم الموقف لصالح ماكين. ورغم أن هذه النسبة تبقى قريبة من الحقيقة، إلا إنها فشلتْ في تغيير النتائج النهائية التي جاءت في صالح أوباما.

على أي حال، إن فوز أوباما هو حكم التاريخ الذي يتمثل بالحكمة الجمعية للشعب الأمريكي، وليس من نتاج جهود فرد أو حزب. فأوباما ليس أكثر قدرة من مارتن لوثر كنغ الذي اغتيل عام 1963، أو جسي جاكسون، الذي فشل عندما رشح نفسه للرئاسة في الثمانينات. وهذا لا يقلل من قدرات أوباما الفذة، ولكن فقط نريد هنا التأكيد أن أوباما نفسه من نتاج هذا التاريخ ولهذه المرحلة بالذات، وأنه لن يحصل التحول التاريخي في أي مكان إلا في الوقت المناسب، وعندما تتوفر له الظروف الموضوعية. فلو كان أوباما قد جاء قبل هذه المرحلة لما استطاع الفوز. وهذا يعني أن أوباما حالفه الحظ لأنه الشخص المناسب، حظر في الوقت المناسب وفي المكان المناسب. ولو كان أوباما في مصر أو أي بلد عربي أو مسلم وهو من الأقليات ورشح نفسه للرئاسة، لانتهى في السجن.

حقائق وأرقام

شارك الشعب الأمريكي في التصويت بكثافة عالية لم يسبق لها مثيل في تاريخ أمريكا، وخاصة بين شرائح الشباب والملونين من الأقليات. وقد صوت جميع الناخبين السود تقريباً ونسبتهم 13% وغيرهم من الأقليات ومعظم الشباب الأمريكي لصالح أوباما. وفي المحصلة النهائية حصل أوباما على 349 صوتا في المجمع الانتخابي electoral college مقابل 162 لماكين. ولكن بالنسبة لأصوات الناخبين حصل أوباما 52.3% مقابل 46.4% لماكين، وبذلك يكون الفارق في أصوات الناخبين بين المرشحَيْن المتنافسين نحو 6% فقط، وهو مطابق لمعدل ما تنبأت به استطلاعات الرأي إثناء الحملة الانتخابية. ومعنى هذا أن 48% من المصوتين لم يصوتوا لأوباما، والفرق بين المتنافسين من ناحية أصوات الناخبين طفيف، بينما الفرق في عدد أصوات المجمع الانتخابي كبير جدا، والسبب هو وفق القاعدة التي تسمى بالإنكليزي (The winner takes it all) أي أن الفائز في أصوات الناخبين في أي ولاية يأخذ جميع أصوات المجمع الانتخابي في تلك الولاية وليس حسب نسب أصوات الناخبين. ولهذا السبب، فشل أل غور في انتخابات عام 2000 رغم حصوله على نصف مليون صوت أكثر من منافسه جورج بوش، ولكن بوش حصل على عدد أكبر من أصوات المجمع الانتخابي الذي يقر النتيجة النهائية حسب قانون الانتخابات في أمريكا، ولأن حصة الولايات ليست متساوية في عدد أصوات المجمع الانتخابي.

كما وأكد استطلاع آراء المصوتين بعد التصويت (exit pole) أن 60% منهم كان العامل الاقتصادي هو هاجسهم الرئيسي في التصويت، و90% أكدوا أن عنصر المرشح وعمره لم يكن ذا أهمية.

وكما علق مراسل بي بي سي في واشنطن، أن الناخبين الأمريكيين وجهوا رسالة مزدوجة من خلال انتخابهم أوباما: أنهم ليسوا راضين عن الوضع القائم، وأنهم أغلقوا الباب على الماضي العنصري.

الدلالات الحضارية للانتخابات الأمريكية والدروس المستخلصة منها

1- في رأيي أن السر الأعظم وراء تقدم الشعب الأمريكي ووصوله إلى هذا المستوى الراقي الذي أهله لقيادة العالم، يعود إلى عدة أسباب، منها، أنه ليس له ماض بعيد يتغنى به ليل نهار، ويجعله سجيناً داخل شرنقته كما في حالة العرب، فمعظم الشعب الأمريكي (عدا الهنود الحمر) من المهاجرين من مختلف القوميات والأديان في العالم، كذلك قدرة هذا الشعب على التكيف والتجدد والمرونة، ونزعته البراغماتية في السياسة، وتبنيه لآلية تصحيح الخطأ والتجديد على الدوام .

2- لقد مرت الحملة الانتخابية الأخيرة التي دامت نحو 21 شهراً، بسلاسة، وكانت عبارة عن مهرجانات شعبية ساهمت في رفع الوعي السياسي، ونشر ثقافة روح التسامح في التعددية واختلاف الرأي، وممارسة الديمقراطية بأرقى أشكالها، ليس لدا الشعب الأمريكي فحسب، بل ونقلتها الفضائيات لكل شعوب العالم.

3- عندما أعلنت النتائج بفوز أحد المتنافسين، لم يلجأ أي منهما، ولا أي واحد من حزبيهما، بالطعن بهذه النتائج أو التشكيك بصحتها، بل العكس هو الصحيح، فتقبلتها الجماهير وقياداتها بصدر رحب كالقدر المكتوب، وسارع الخاسر (جون ماكين) بكل شجاعة ورباطة جأش وحكمة، بإرسال تهانيه الحارة للمرشح الفائز (أوباما) والتعهد له بالتعاون معه في مهمته من أجل خدمة شعبهما ووطنهما. وبالمقابل رد المنافس الفائز بعبارات الشكر والامتنان لماكين. ثم أجزل كل منهما على الآخر بعبارات المديح والثناء بسخاء.

4- اما الرئيس الحالي جورج بوش، المنتهية ولايته قريبا، فلم يبخل في الترحيب بالفائز، إذ قال ان أوباما سيلقى "تعاونا كاملا" خلال الفترة الانتقالية، وان "التاريخ صنع يوم أمس" ودعاه للقائه في البيت الأبيض في الأسبوع القادم. كما وانضمت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى مهنئي باراك أوباما قائلة إنه كان "ملهما" وأنها فخورة بانتخاب بلادها أول رئيس اسود. وأكدت ان وزارة الخارجية ستعمل على انتقال سلس للسلطات قائلة للصحفيين " أنا بصفتي أميركية من أصول افريقية فخورة بشكل خاص لان هذه البلاد قطعت مسافة طويلة في إصلاح أخطائها وعدم جعل العرق عاملا أساسيا في حياتنا".

5- هذه الانتخابات وسلاستها، وتصريحات المسؤولين الكبار في الترحيب بنتائجها، تعكس قيم الحضارة الغربية والتقاليد الديمقراطية التي تسعى أمريكا إلى نشرها في العالم، والتي يحاربها معظم العرب والمسلمون في وسائل إعلامهم، ويصفون الديمقراطية الأمريكية بأنها خدعة وكذبة وخرافة القصد منها خدع الشعوب، ونهب خيراتها، إلى آخره من الإدعاءات الباطلة التي تدل على إفلاسهم الفكري، وإصرارهم على إبقاء شعوبهم تعيش حالة الإذلال والتخلف تحت أنظمة مستبدة. هذه الانتخابات بددت كل تصورات أعداء أمريكا الخاطئة. إذ كما قال أوباما في خطابه بعد الفوز: "إن القوة الحقيقية لبلاده ليست فقط بالسلاح ولكن بالديمقراطية والتعددية."

6- لحسن حظنا أننا نعيش في عصر العولمة، عصر القرية الكونية الصغيرة، تقودها أمريكا، لأنها هي أغنى دولة في العلوم والتكنولوجية والاقتصاد، والأقوى عسكرياً، وفي جميع المجالات. لهذه الأسباب كلها، وخاصة باستخدام الانترنت والفضائيات، نجحت أمريكا في نقل هذه الدروس البليغة من حضارتها وثقافتها وديمقراطيتها إلى كل مكان في العالم. ولهذا فنحن متفائلون بسرعة التقدم والتحولات السياسية والاجتماعية والتقارب بين الشعوب، وما هذا التطرف الإسلامي الرافض لهذه الحضارة إلا بسبب سرعة التحولات في الجيل الواحد، وعدم قدرة بعض شرائح المجتمعات المتخلفة على استيعاب التغيير والاستفادة منه والتكيف معه، لذلك تحاول الانتحار باللجوء إلى الإرهاب، ولا شك فإن مصيرهم الهلاك، لأن البقاء للأصلح.

الجوانب الإيجابية الأخرى في فوز أوباما.

إن فوز أوباما يعني الكثير، إنه ثورة اجتماعية في أمريكا، حققت أحلام مارتن لوثر كنغ، زعيم الحقوق المدنية، إلى واقع ملموس بعد 45 سنة من استشهاده. نعم إن ما حدث هو زلزال، ولكن ليس بالزلزال الذي تمناه وتصوره العرب من أعداء أمريكا بأن النظام الأمريكي أنقلب رأساً على عقب وعلى وشك الانهيار، وأن هذا النصر هو هزيمة لبوش، وأن أوباما سيحل لهم جميع مشاكلهم بالعصا السحرية بين عشية وضحاها، بل إنه زلزال بالمعنى الأمريكي والتاريخي، أي أنه أزال الحواجز العنصرية في أمريكا، كما وإنه زلزال على كل الدول وخاصة الأنظمة العربية والإسلامية التي تمارس التمييز العنصري والديني والطائفي ضد مكونات شعوبها. لقد أعطت أمريكا درساً بليغاً ضد مواقف الفاشية العربية والإسلاموية العنصرية التي تنظر إلى الأقليات في بلدانها نظرة عداء وعزل وحرمان.

لقد فرح بعض قادة العرب والمعلقين السياسيين فرح الأطفال السذج بهزيمة ماكين الجمهوري، لأنهم اعتبروا فوز أوباما هزيمة لبوش وسياساته الخارجية، لا لشيء إلا لأن بوش أسقط أصنام ورموز الاستبداد العربي- الإسلامي عندما أطاح بأبشع نظامين متخلفين، وهما: حكم البعث في العراق وطالبان في أفغانستان، وأقام بدلهما نظاماً ديمقراطياً، وشن حرباً بلا هوادة على الإرهاب العربي- الإسلامي.

إن فوز أوبامبا يعتبر صفعة للإسلام السياسي وخاصة في العالم العربي، ولجميع دعاة العنصرية والفاشية الإسلاموية. فأمريكا التي يسميها الإسلاميون ببلاد الكفار، أعطت درساً بليغاً للعالم أنها تغلبت على ماضيها العنصري، وعلى جميع أشكال التمييز، وبإمكان مواطن أمريكي من أصل كيني أسود ومسلم، واسمه الوسط حسين، أن يصبح رئيساً لها دون تمييز. بينما يصرح مرشد حزب الأخوان المسلمين في مصر أنه يفضل رجل ماليزي مسلم أن يحكم مصر على مسيحي قبطي مصري، والأقباط هم من السكان المصريين الأصليين وليسوا مهاجرين. فأية فاشية إسلامية هذه؟ هذا هو الدرس البليغ الذي يجعل الإسلاميين يخجلون مما يدعون إليه، إن كان بقي لديهم شيء من الشعور بالخجل. ولكن كما تقول الحكمة: (إن كنت لا تستحي فقل ما تشاء).

كذلك يجب أن نخفف من مخاوفنا من انتصار أوباما، فأمريكا هي دولة المؤسسات وليست دولة دكتاتورية، فالرئيس الأمريكي ليس أكثر من منفذ لما يخطط له جيش من الخبراء والمستشارين من وراء الكواليس. المشكلة أن العرب يتعاملون مع الحكومات الغربية عند تداول الأحزاب السلطة بالوسائل السلمية، كما يحصل عندهم عند تبادل السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية الدموية، وهذا ناتج عن تخلفهم وعدم فهمهم للأنظمة الغربية الديمقراطية حيث يتم تداول السلطة بالوسائل السلمية السلسة. لذلك أعتقد أن أوباما لا بد وأن يخيِّب أملهم في هذا الخصوص.

وفيما يخص قضيتنا العراقية، فقد قام أوباما بزيارة بغداد قبل أشهر، والتقى بالمسؤولين العراقيين، وتعهد لهم أن قراراته فيما يخص سحب القوات الأمريكية من العراق تعتمد على تقديرات القادة العسكريين الأمريكان في الميدان. و في جميع الأحوال، فإنه موافق على الاتفاقية العراقية- الأمريكية التي وضعت جدولاً زمنياً معقولاً، بأن الانسحاب لن يكون قبل نهاية عام 2011، أي ثلاث سنوات من الآن. وهذا ما وافقت عليه إدارة بوش والحكومة العراقية. لذلك فإنه سابق لأوانه أن يفرح العرب بالانسحاب الفوري وبعودة الدكتاتورية للعراق. ومن الكوميديا السوداء التي يتبادلها العراقيون أن عراقياً يسأل: (يا جماعة أوباما سني لو شيعي؟!!!!!).

وختاما، أمام الرئيس الجديد، ملفات صعبة ومعقدة، مثل الأزمة الاقتصادية والمالية والحرب على الإرهاب، وأفغانستان، والعراق، والملف النووي الإيراني، والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والعلاقة مع روسيا، وغيرها من المسائل الساخنة. كذلك هناك توقعات عالية high expectation من جانب الشعب الأمريكي الذي يتوقع حلولاً سحرية وسريعة لأزمته الاقتصادية. فكلما تصاعدت التوقعات كان الرئيس الجديد معرضاً أكثر لخيبة أمل الناخبين.

نتمنى لأوباما كل النجاح والتوفيق في مهماته الصعبة، وحبذا لو يتعلم العرب والمسلمون دروساً في جدوى الديمقراطية من الانتخابات الأمريكية.

مواضيع ذات صلة